آثار الحرب على تكوين شخصية الطفل

شادي رزق

18 مارس  .   8 دقائق قراءة  .    574

Image by janeb13 from Pixabay

تعصف الحروب والإضطرابات المدنية بالعديد من مدن العرب، ويتعرض سكانها لمظاهر عنيفة متعددة، من إصابات جسدية إلى اعتقال أو تهجير أو نزوح أو حرمان أو حصار إلى ما هنالك من أنواع للمعاناة. في خضم هذه المعاناة يمر الطفل العربي بمحنة صعبة تتحدى نموه وتعيق تطوبه النفسي . فما هي الآثار الناجمة والمترتبة عن الحرب وتداخلها في شخصية الطفل؟

 فمجرد ملاحظة عيانية ولمحة بسيطة على وجوه الأطفال السوريين مثلاً نلاحظ علامات الإنهاك والتعاسة واضحة عليهم، ونرى وإدراكهم بأن وطنهم وبيتهم عرضة للإلغاء بعد أن تم تدميره. والهدف هنا هو دراسة هذه المشاكل وإلقاء نظرة على الآثار التي يعانيها عبر دراسة المشكلة من الناحية النفسية وسنركز هنا على ثلاث نقاط أساسية:

 

أولاً: اضطرابات النمو

إن عملية النمو عملية تراكمية تتضمن عدة نواحي منها التغير الكمي والنوعي والعضوي والوظيفي، كما أنها عملية دائمة ترافق تطور الإنسان في مراحل نموه المختلفة التي عليه تخطيها تدريجياً، وإن بناء شخصية الكائن البشري تعتمد على الوسط بين المعنى المجرد والإدراك، فالاضطرابان إذاً هي عبارة عن تشوهات تصيب هذه العلاقة خلال فترة من فترات تكوينها وتطورها مما يجعلها تنعكس بشكل سيء على خصائص نمو الفرد. من أهم نقاط اضطرابات النمو هي التالية:

 

1. الصراع الأوديبي:

تعتبر هذه الوضعية مرحلة هامة من مراحل النمو عند الطفل مما تحمله من مشاعر متناقضة، ولهذا التنافس تأثيراً هاماً على نمو الطفل بمنحنين: التناسبي التكويني المتعلق بنمو الشخصية، والبنيوي المتعلق بتنظيم نمو لشخصية. وفي الحروب تكثر العوائق التي تعترض سير اجتياز هذه الوضعية بسبب معاناة الطفل كماً ونوعاً، وتساهم الحروب في ارتفاع الفئة العمرية عند الطفل للتخلص من هذا التجاذب الشعوري ما بين الحب والتنافس تجاه الوالدين، فالعمر الطبيعي بين السادسة والسابعة ويصل عند أطفال الحروب إلى الحادية عشرة، وقد تصل إلى حالة من التعقيد لتأخذ الشكل السلبي أو العكسي فنشاهد أن الصبي يتصرف كفتاة والعكس وذلك بسبب اضطراب العلاقات القائمة بينهم وبين الوالدين في دور ووظيفة الأخيرين لما يعتريه من غموض. والجدير بالذكر أن الوضعية الأسرية المضطربة تقود الطفل في طريق الصراع بدل أن تكون عامل أمان وارتياح نفسيين تصل به إلى بر الطمأنينة.

 

2. ضعف الأنا:

تطبع الحرب شخصية الطفل بالضعف والتصلب فيكون هش بقدرته على تحمل الوضعيات الحرمانية مما يجعلنا نلاحظ لجوئه بعمر متأخر إلى أوليات دفاعية مرضية بسبب عجزه عن مواجهة الواقع، هذا الأمر يساعده على الشعور بشيء من الاستقلالية في محيطه، أما هذا الضعف في الأنا تعود أسبابه إلى: إما عجز عن الاستفادة من تجارب الماضي، أو في الصعوبات التي تعتريه بالقدرة على التماهي بصورة الوالدين، أو في عدم القدرة على التأقلم وقدرة الأنا على إقامة التوازن بين القوى المكونة للشخصية. إن إحدى أهم ردات الفعل المختصة بـ الأنا هي القلق مما يجعل الفرد دائماً بحالة تيقظ من أجل الدفاع ضد الخطر المتأتي من اللاوعي، أيضاً قد يكون الكبت والنفي واحدة من ردات الفعل هذه، وهي تظهر عند أطفال الحرب أكثر منها عند أطفال السلم.

 

3. اضطراب صورة الذات:

يرتبط هذا الأثر مباشرةً وبشكل وثيق باضطراب دور وصورة الوالدين عند الطفل، ويعتبر كنتيجة لقصور عاطفي ولمحاولات فاشلة للتعويض عنها، حيث لم تساهم تلك المحاولات في تحسين الصورة التي كونه الطفل عن ذاته. ومن العناصر الهامة على مستوى تشكل صورة الذات تأتي الصورة التي كونها الطفل عن جسده حيث تعتبر عاملاً أساسياً وتكوينياً في تطور الشخصية في عملية تزامنه مع التطور النفسي. ما يحدث في فترات الحرب والنتائج المترتبة عليها هي تشوش صورة الجسد مما يؤدي إلى تفكك في صورة الذات وتنافر بين عملتي التطور النفسي والجسدي وانعكاساتها على الإدراك وتقييم الذات وما يترافق معها من مظاهر الضعف وفي مقدمتها اضطراب الهوية الذاتية والوطنية الذي تزداد خطورته كلما اشتدت الأحداث وبالتالي الخطورة على المجتمع كله.

ثانياً: الأمراض النفسية العميقة

من المعروف أن الأوليات الدفاعية تساعد الأنا في عملية حماية النفس من الأخطار لكن كما سبق وتحدثنا أن ضعف الأنا عند الطفل يجعل من هذه الأوليات تأخذ شكلاً سلبياً يصل إلى منحى مرضي وهي كثيرة منها:

1. العدوانية

إن خطورة هذه الطاقة عند أطفال الحرب هو بسبب عيشهم في بيئة وطنية مثيرة للشعور بعدم الأمان والطمأنينة، مما يجعل هذه الطاقة ترتفع كي يستطيعوا حماية ذاتهم مما يجابههم من أخطار ليتجاوزوها، وقد تصل هذه العدوانية إلى ما يسمى "العدوانية ضد الذات"  والتي تعتبر مَرَضِيَّة حسب رأي كل علماء النفس، فيفقد الطفل طابع الأصالة الشخصية لتصبح إثارته للألم عند الآخرين أو تلقيه لها تخلق عنده حالة من إشباعات لميول ونزعات وحاجات . هنا يلعب الدور العاطفي للأهل عند الطفل المكانة الأبرز في تنفيس هذه العدوانية فيتخلص من الشكل السلبي المكبوت عبر إخراجه (نذكر هنا قصةً عن أحد الأولاد في منطقة الخالدية في حمص الذي قام بطعن رفيقه الذي يشاركه العمر ذاته 12 سنة عدة طعنات بقضيب حديدي أثناء لعبهم بين الركام، ولما أتت والدته وضربته قام بشق يده بذات القضيب مع الصراخ والتهديد، ولا بد من الذكر بأن منطقة الخالدية لا تزال تشهد صراعات لا إنسانية دامية يومياً).

2. الانطوائية

يلاحظ عند أطفال الحرب ميل كبير للانطواء على الذات يترافق معه إحساس بالعزلة نحو المحيط وانعدام القدرة على الاتصال المباشر مما يشكل خطراً على الجهاز الذهني والعقلي والنفسي والجسدي، مما يؤثر على تكامل ووحدة الشخصية. وهذا يجعله مستقبلياً مرتبط بظاهرة عدم الاكتراث ورفض الاتصال بالآخرين والمزاجية مما يؤثر على علاقاتهم الأسرية والمدرسية تعليمياً وعلى تعاطيهم مع جماعة الرفاق .

3. تأخر النضج النفسي

إن تأخر النضج النفسي يرتبط بمواقف كالخضوع والاستسلام والاتكالية مما يؤدي في مرحلة الشباب والرشد إلى العجز عن تحمل المسؤولية والقدرة على تدبر شؤونه الشخصية مما يؤدي إلى صعوبة في التأقلم الذي هدفه الوصول إلى درجة من التنظيم تحقق له ثباتاً مع البيئة الاجتماعية المحيطة مما يساعده على تنمية مختلف القدرات التي تمكنه من تحسين شروط الحياة بشكل فعال. من المهم الذكر بأن هذه المشكلة ذات أثر بعيد وبالتالي بالنسبة لسوريا فالنتيجة المرضية ستكون ظاهرة في فترات لاحقة أي في فترات الإنماء والتي ستشكل عائقاً أمام المبادرات الفردية من خلال ضعف حس الشجاعة لتخطي الواقع الاجتماعي غير الملائم لظروفهم .        

 

ثالثاً: الاضطرابات النفسية خلال الحدث

هنالك عاملان أساسيان يزيدان من حدة تأثير الاضطراب النفسي على الطفل أثناء فترة الحرب مما يزيد من أثر العوامل ذات الانعكاسات السلبية على نفس الطفل وهما: الحرمان، وفقدان الشعور بالأمان.

1. الحرمان

ما نقصده بالحرمان هو الحرمان العاطفي ويبدو في شخصية الطفل بشفافيته ومستوى حساسيته في أوضاع محددة، وقد يكون هذا الإحساس بالحرمان إما واقعياً أو خيالياً. إن إحساس الطفل بالحرمان من بعض حقوقه الشرعية والأساسية لنموه هو الذي يترك في نفسه منعكسات سيئة تشحن مشاعره مما يزيد من حالة الاضطراب، وعند أطفال الحرب يرتبط شعورهم بالحرمان بوسائل يلجؤون إليها لإشباع نزواتهم.

2. فقدان الشعور بالأمان

إن فقدان هذا الإحساس عند الطفل الذي يعيش مع أهله الذين يقع على عاتقهم وظيفة تقديم الحماية والأمان يعتبر أكثر خطراً من إحساس الطفل بالحرمان وذلك يؤكد أهمية دور الأسرة في توفير الأسس الضرورية للطفل أثناء عملية نموه وإن تأثر الطفل أو عدمه مما يتعرض له يكمن في التأثر الظاهر على والديه، وعليه نفهم أن الأهل يشكلون معيار الطفل لكل ما يتهدده من الخارج، فوجودهم يعتبر شرطاً لابد منه لكي يشعر الطفل بالطمأنينة . في حين أنه في فترات الحرب وهذا ما أثبتته الدراسات نجد أن الأهل غالباً ما يكونوا دون مستوى توقعات الطفل فذلك يشكل السبب الرئيسي لفقدان إحساسه بالأمان بسبب الخيبة التي تعرض لها لفشل أهله لتحقيق تلك الثقة. وبالطبع فإن الطفل الذي تيتم بسبب موت أحد الوالدين أو كلاهما في بعض الحالات يمثل ذروة هذا الفقدان .

  7
  2
 1
مواضيع مشابهة
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال
لينا شباني
24 ديسمبر
المقالتان هامتان جداً، لأنهما تضيئان على موضوع العصر الأخطر. كوني أعمل مع الأطفال السوريين الموجودين في لبنان، أعرف هذه الأحداث عن قرب، فلو أن معظمهم قد ولد في لبنان بعيداً عن الحرب، إلا انها تترك أثراً في نفسياتهم بشكل أو بآخر. أما بالنسبة لوضع الأطفال عامة في الحروب، فأمرٌ اختبرته بنفسي ككل أبناء جيلي أثناء الحرب الأهلية في لبنان، وما تلاه من اعتداءات اسرائيلية.
  1
  1
 1