# التفكك العائلي كسبب ونتيجة للعنف

- Writer: د.إيلين دمعة
- Published: 2021-01-01
- Topic: مجتمع وقضايا
- URL: https://mirdad.app/articles/169/التفكك-العائلي-كسبب-ونتيجة-للعنف
- Source: Mirdad (mirdad.app), an Arabic writing and reading platform. Every piece is reviewed by an editor before it is published.

التفكك العائلي من أبرز الظواهر التي تدرسها العلوم الاجتماعية، ولا سيما علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي. وهذا التفكك ظاهرة منتشرة في كل الحضارات والثقافات على تنوعها واختلافها. ولهذه الظاهرة بعد بنائي وآخر نفسي. ويتجلّى البعد البنائي عند فقد أحد الوالدين أو كليهما بالموت أو الهجرة أو الطلاق، وكذلك من خلال تعدد الزوجات أو وجود مرض مزمن أو إعاقة جسدية أو نفسية لدى أحد الزوجين. 

     أما البعد النفسي، الذي يشغل جانباً كبيراً من هذه الدراسة، فيبرز في ظل خلافات مستمرة بين الزوجين أو الوالدين، ترافقها أعمال عنف معنوية وجسدية، الأمر الذي يُضعف احترام أفراد العائلة بعضهم لبعض ويهدد شعورهم بالانتماء إليها ويؤدي بالتالي إلى تفككها أو انحلالها. 

     سنحاول، في هذا القسم من دراستنا، التعمق في تحليل العنف لأنه يحتل مكاناً واسعاً في معظم المجتمعات، على اختلاف ثقافاتها وقيمها ودرجة تطورها الاقتصادي والاجتماعي. وما يزال المشترعون، منذ شرعة حمورابي في العالم القديم حتى اليوم، يسنّون القوانين لتحصين الحياة الاجتماعية وصيانة الحياة الفردية من أعمال العنف على أنواعها. وقد احتل هذا الموضوع حيّزاً مهماً في حقل الدراسات الاجتماعية وحاز اهتمام العديد من المفكرين وعلماء النفس التربوي، نظراً إلى أنّ التفكك العائلي يؤدي إلى العنف الأسري، وهذا بدوره يؤدي إلى التفكك العائلي. 

  **1- تحديد العنف بشكل عام، موقعه عبر التاريخ، أهمية القوانين لتنظيم المجتمعات** 

     يمكن تحديد العنف بأنه كل تَعدٍّ على كرامة الآخر أو حريته أو ممتلكاته أو حياته. لذلك لا تقتصر أعمال العنف على التعابير المادية، مثل الضرب والقتل والسرقة والاغتصاب والحروب الأهلية والقومية، بل تشمل أيضاً التعابير الكلامية كالإهانة والشتم والتهديد والتغرير.  

     وإذا راجعنا علم النفس الاجتماعي لوجدنا الكثير من التحديدات والمفاهيم. ففي نظر عالم النفس ألفرد آدلر، العنف هو تعبير عن إرادة القوة. ويعبّر سيغموند فرويد عن العنف بأنه أيّ سلوك واعٍ شعوري ناتج عن غريزة الموت التي افترض فرويد وجودها واعتبرها مسؤولة عن سلوك العدوان والتدمير (16). ويحدد جيمس دريفر العنف بأنه الهجوم على الآخرين الذي يعود غالباً إلى معارضة ما، كما أنه ممارسة لإرادة القوة ضد الأفراد. ويشير فيليب هريمان إلى أنّ العنف هو السلوك الذي يُقصد به إيذاء شخص آخر أو جرحه لتعويض إحباط معين. وكلما زاد إحباط الفرد زاد عدوانه (17). ويشير هيلغارد (E.R. Hilgard) إلى العنف على أنه نشاط هدام أو تخريبي مهما كان نوعه، أو أنه نشاط يقدم عليه الفرد لإلحاق الأذى بشخص آخر عن طريق الجرح المادي أو المعنوي. فهو سلوك الاستهزاء والسخرية والضحك والاستهجان والهجاء (18). ويذهب أنطوني ستور إلى أنّ العنف سمة طبيعية لدى الإنسان الذي هو أكثر الأجناس الحية تدميراً لبني جنسه وأكثرها حباً واستمتاعاً بممارسة القوة مع بني جنسه. كما أنّ الإنسان، في معاملته لأخيه الإنسان، يذهب إلى حد الوحشية والهمجية في المعاملة. إننا اقسى الكائنات الحية على سطح الأرض وأكثرها غلظةً. وعلى الرغم من أننا نجزع عندما نقرأ أخبار الرعب والمجازر في الصحف أو في كتب التاريخ، إلا أنّ كلاً منا يعلم أنه يحمل في طواياه الدوافع التي تقود إلى الأذى والقتل وسفك الدماء (19). 

     وإذا ألقينا نظرة إلى الوراء لوجدنا كيف اهتم المفكرون، منذ أقدم الأزمنة، بالتصدي لظاهرة العنف سعياً إلى السلام الفردي والاجتماعي. كما كان التصدي للعنف حاضراً بقوة في الوصايا الدينية: لا تقتل، لا تكذب، لا تسرق، لا تضع عينك على ما لسواك... ونال الموضوع حيّزاً كبيراً من أعمال أفلاطون الذي خصص أكبر عملين له، هما "الجمهورية" و"القوانين"، للبحث في طريق تنظيم الحياة الاجتماعية. ففي "الجمهورية" يقول إنّ الدولة المثالية دولة يَحكم فيها الضمير، لا القانون. لكن بما أنّ الدولة المثالية دولة بعيدة المنال، فالسعي الواقعي يجب أن يكون إلى حكم القانون، مع العمل الدائم على تعديل القوانين كي تكون أكثر انسجاماً مع العدالة، لعلّ القانون الصالح يؤدي، في النهاية، إلى الدولة المثالية التي يُغْني فيها ضمير كل فرد عن القوانين. أما القاعدة الذهبية التي توصل إليها أفلاطون، والتي نجدها في تعاليم الحكيم الصيني كونفوشيوس قبله وفي تعاليم المسيح بعده، فهي الآتية: "إفعل للآخرين ما تريد أن يفعله الآخرون لك". وقد جاء في مستهل الكتاب التاسع من "القوانين": "إما أن يسنّ البشر قانوناً لأنفسهم ينظّمون حياتهم به وإما لن تكون حياتهم أفضل كثيراً من حياة وحوش الغاب" (20). 

     وفي القرن السابع عشر وضع المفكر البريطاني توماس هوبس فلسفة للدولة قائمة على التمييز بين حال الطبيعة، حيث "الانسان ذئب لأخيه الإنسان"، وحال النظام، حيث تضبط الدولة تعديّات الناس بعضهم على بعض بواسطة سن القوانين. 

  **2- أنواع العنف** 

     يذهب علماء النفس الاجتماعي إلى أنّ هناك عدة أنواع من العنف: منها العنف المباشر، وهو العنف الذي يوجَّه مباشرة إلى الشخص أو الشيء الذي سبب لنا الاحباط والاخفاق، والعنف المستبدل، وفيه يوجِّه الفرد العنف إلى شخص آخر غير الفرد الذي سبب له الإحباط، وذلك عندما يكون مصدر الإحباط قوياً ويخشى الفرد أو يهاب سببه، فينقل عنفه أو انفعاله إلى فرد آخر يكون أقل قوة ومقاومة من الفرد المسبِّب، كالموظف الصغير الذي لا يستطيع أن يثور في وجه رئيسه القوي، فيكبت غيظه في نفسه، حتى إذا ما عاد إلى منزله انفجر لأيّ سبب بسيط ثائراً على زوجته. 

     هناك أيضاً العنف المقنَّع والعنف الصريح. ولدى الإنسان نزعة طبيعية لإظهار العنف. وتتضمن هذه النزعة العدوانية الميل نحو أن يحمل الفرد الآخرين على قبول اهتماماته وأهوائه ومواقفه وأفكاره، على الرغم من معارضتهم، وذلك رغبة في التسلط والهيمنة والسيطرة وسط الجماعات الاجتماعية. 

     وهناك العنف العامّ الذي يتجّه نحو المجتمع ككل كما هي الحال مع الشخصيات السيكوباتية (psychopathique)، أي المصابة بأمراض نفسية خطيرة، أو مع الأحداث الجانحين الذين  يتعدّون على أفراد المجتمع وممتلكاتهم دون أيّ إحساس بالذنب. ويستخدم منهج تصريف الأفعال لإيجاد منفذ أو مخرج للعداوة المكبوتة (21). 

     هناك أيضاً العنف المهني الذي نرى مثلاً عنه في ممارسة مسؤول للضغط على موظّف صغير، موهماً إيّاه بترقيته. وهذا يمارس بنوع خاص على الموظفات. وهو أمر يكاد يكون شائعاً حول العالم. 

     ونرى العنف الثقافي أو الحضاري، مثل ختن الإناث الذي يشار إليه أحياناً على أنه "طهور الإناث" أو "الطهور الفرعوني". وهو ممارسة تقليدية لجماعات عرقية كثيرة، بدءاً من الساحل الشرقي إلى الغربي لأفريقيا وفي المناطق الجنوبية من شبه الجزيرة العربية، على امتداد الخليج وبين بعض المهاجرين من هذه المناطق في أوروبا وأستراليا وأميركا الشمالية. وقد أُبلِغ أيضاً عن حدوثه في بعض الجماعات التي تمثل أقلية في الهند وماليزيا وإندونيسيا (22). ويضم ختن الإناث، وفقاً لتعريف منظمة الصحة العالمية، جميع الإجراءات التي تنطوي على إزالة جزئية أو كاملة للأعضاء التناسلية الأُنثوية الخارجية. ويقدَّر "أنّ 120 مليون امرأة موجودات حالياً قد أُجريَ لهنّ شكل من أشكال الختان، وأنّ مليون بنت على الأقل يكنّ معرَّضات كل سنة للختان" (23). وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المعتقدات والممارسات المتعلقة بختان الإناث تنمّ عن رغبة في السيطرة على التجربة الجنسية للمرأة وتأييد أولوية الذكر على الأنثى في ما يتعلق بالإشباع الجنسي. ورغم الجهود الرامية للقضاء على ختان الإناث، فإنه ما يزال ممارَساً على شريحة واسعة نسبياً بسبب شدة التمسك بالمعتقدات الثقافية. 

     وهناك العنف المدرسي، الذي يحدّده جاك دوباكييه (الأستاذ في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في جامعة باريس)، بأنه تَعدٍّ قاسٍ على نظام المؤسسة المدرسية وخرق للقواعد المتّبعة في الحياة الاجتماعية (24).  

     وأخيراً نأتي إلى العنف الأُسري، وهو محور دراستنا. 

  **3- العنف الأُسري: مفعوله، حجمه، أشكاله** 

     إنّ العنف الأُسري، من حيث هو ظاهرة اجتماعية، يشكل أحد الموضوعات الكبرى التي أوسعها العلماء السلوكيون المعاصرون درساً. 

  ومما لا شك فيه أنّ الأسرة هي الملاذ الآمن للأفراد، إذ توفر لهم الطمأنينة والحب والاستقرار. لكن هذه الحال لا تنطبق، مع الأسف، على جميع العائلات. بل نرى في الواقع العديد من الأُسر التي تحولت حياتها الى ساحة للعنف الشديد الذي يمارسه أعضاؤها أحدهم تجاه الآخر. 

     وفي الواقع أنّ مفهوم العنف الأُسري بوجه عام يشير إلى "سوء معاملة شخص لشخص آخر تربطه به علاقة وثيقة مثل العلاقة بين الزوج والزوجة، وبين الأخوة، وبين الفتاة وخطيبها أو صديقها في مرحلة ما قبل الخطبة، وبين الأقرباء عموماً. ويتداخل مفهوم العنف الأُسري مع مفاهيم كثيرة قريبة منه، مثل العنف المنزلي أو سوء معاملة أحد الزوجين للآخر أو سوء معاملة الأطفال" (25). 

     وفي أكثر الأحيان تأتي أعمال العنف المنزلي من الأزواج ضد زوجاتهم، وإنْ كان من غير المستبعد أن تمارس بعض الزوجات أعمال العنف ضد أزواجهنّ. أما الأطفال فيكونون أحياناً ضحية عنف الآباء أو من يمثلهم في غيابهم. ويمارَس العنف أيضاً ضد الأجداد والجدّات. 

     وكان يُظَن حتى وقت قريب أنّ الأزواج الذين يعانون أمراضاً نفسية وعقلية أو الأُمّيين وحدهم هم الذين يسيئون معاملة زوجاتهم وأطفالهم، وأنّ هذه المعاملة السيئة بين أفراد الأُسرة الواحدة تنتشر بين الأُسر الفقيرة دون سواها. لكن البحوث التي أجراها غيليس (Gelles) وستراوس (Strauss) عام 1988 تبين عدم دقة هذه التصورات. فقد أكّدت المقابلات التي أُجريت مع 6002 أُسرة أنّ العنف واسع الانتشار، وأنه متبادَل بين أفراد الأسرة ويأخذ أشكالاً مختلفة تتراوح بين الألفاظ البذيئة والقتل. كما جاء في الدراسات التي أجراها "لوبي النساء الأوروبي" أنّ العنف تجاه الزوجات يأخذ منحى القاعدة وليس الاستثناء، وأنه يطال جميع الطبقات والفئات الثقافية والجغرافية والعمرية، بحيث يمكننا القول بأنه ما من طبقة اجتماعية هي في منأى عنه، حتى المجتمعات التي تشهد درجة عالية من المساواة بين الرجل والمرأة (26). 

     ويظهر العنف المنزلي في صور متعددة، منها: 

     - الإيذاء البدني: هذا هو العنف الأشد خطراً، خصوصاً إذا صحبه جروح أو كسور. وقد يأخذ شكل الاعتداء بالضرب دون إحداث أضرار جسيمة، كالصفع على الوجه والركل بالقدم أو الحرمان من الطعام والشراب لفترة محدودة. 

     - الاعتداء الجنسي: هذه الصورة من أعمال العنف تتجسّد في إكراه الزوجة على ممارسة الجنس دون النظر إلى وضعها النفسي والجسدي ورغبتها في ذلك. ويأخذ الاعتداء الجنسي أبشع صوره عندما يحاول الأب اغتصاب ابنته أو الأخ أُخته. 

     - الإيذاء المعنوي: هذا الإيذاء يتجسّد في صور متعددة، كإطلاق الشتائم والألفاظ البذيئة القاسية، مثل سبّ أحد الزوجين للآخر أو لأهله. وقد يأخذ أشكالاً من الإكراه، حيث يهدَّد أحد أفراد العائلة بكشف "سرّه" أو بإيذاء أحد يحبه أو بإتلاف مقتنيات يعتز بها. 

     - سوء المعاملة الاقتصادية: يتجلى هذا العنف المنزلي هنا في حرمان الزوج زوجتَه مصروف المنزل أو في الاستيلاء على راتبها لينفقه على ملذّاته أو الاستحواذ على مدّخراتها ليعطيها لأهله.  

     - سوء المعاملة الاجتماعية: تبرز هذه الصورة في فرض العزلة الاجتماعية على أحد أفراد الأسرة، كحظر خروج الزوجة من المنزل لزيارة أهلها أو صديقاتها، أو حرمان الأطفال من الاختلاط بأبناء الجيران أو بأصدقائهم أو أقربائهم. 

     لكن السؤال المطروح هنا يتناول العنف بصورة البشعة: ما هو حجمه؟ وما هي نسبة حدوثه؟  

     إذا أخذنا المجتمع الأميركي لوجدنا، وفق دراسة وطنية أُجريت في الولايات المتحدة، أنّ ما يتراوح بين 21% و30% من النساء يضربهنّ الشريك مرة واحدة على الأقل في حياتهنّ، والنصف على الأقل من هؤلاء النساء يتعرضنَ للضرب أكثر من ثلاث مرات كل سنة (27). 

     وفي كولومبيا نرى أنّ نحو 20% من النساء تعرّضن للضرب من جانب الشريك. 

     وفي بابوا – غينيا الجديدة نرى أنّ هناك نسبة 67% من نساء الريف و56% من نساء الحضر تعرّضن للعنف الجسدي. وفي دراسة محلية جرت في إحدى مناطق كينيا، تبيَّن أنّ 42% من النساء يتعرّضن للضرب بانتظام من جانب أزواجهن. 

     وتؤيد الدراسات توقع وجود قدر كبير من العنف العائلي ضد المرأة. والانتحار هو الاستجابة المتطرفة لهذا العنف. ففي دراسة للأُسر الهندية، تجد نسبة 41% من تلك الأُسر أنّ العنف الزوجي هو سبب انتحار الأحباء. 

     وفي سريلانكا، تشير الدراسات التي أُجريت في منتصف الثمانينات إلى أنّ حالات الانتحار بين النساء اللواتي تراوح أعمارهنّ بين 15 و24 عاماً أعلى 5 مرّات من معدل الوفيات الناجمة عن الإصابة بالأمراض المعدية وأعلى 55 مرة من معدل الوفيات الناجمة عن عمليات التوليد. 

     وفي بنغلادش، نجد أنّ ما يصل إلى 50% من جميع عمليات القتل كانت تُعزى أحياناً إلى عنف الزوج ضد المرأة. وفي بابوا – غينيا الجديدة نجد أنّ قرابة ثلاثة أرباع النساء المقتولات قَتلهنّ أزواجهنّ. وقتل الأزواج للنساء كثيراً ما يكون نتيجة لإساءة المعاملة بصورة مستمرة ومتصاعدة (28). 

     وبالنسبة إلى العنف المتمثل بالاغتصاب الجنسي، تشير الدراسات الاستقصائية في الولايات المتحدة إلى أنّ 700،000 امرأة يتعرضن سنوياً للاعتداء الجنسي. وتُغتصب امرأة واحدة حول العالم كل 6 دقائق. وغالبية ضحايا الاعتداء الجنسي صغيرات السن. ففي الولايات المتحدة، قدَّر تقرير صدر عام 1992 أنّ 61% من ضحايا الاعتداء الجنسي هنّ دون الثامنة عشرة. 

     وفي كندا، أكّدت دراسة جرت عام 1993 أنّ أكثر من 54% من الإناث تعرّضن لشكل من أشكال التجربة الجنسية غير المرغوبة أو المقحومة قبل بلوغهنّ السادسة عشرة (29). 

     أما في المجتمعات الأُوروبية فإنّ الوضع لا يقلّ سوءاً. وتجيبنا إحصاءات "لوبي النساء الاوروبي" بالمعطيات الآتية: 

     - فنلندا (1988): 52% من النساء الراشدات كنّ ضحية عنف بدني أو جنسي منذ سنّ الخامسة عشرة، أي ما قبل الزواج وما بعد الزواج. 

     - البرتغال (1997): إنّ نسبة النساء اللواتي واجهن العنف تبلغ 56,3% في ضواحي المدن، و55,4% في قلب المدن، و37,9% في الريف. 

     - بلجيكا (1988): 68% من النساء تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي. 

     - ألمانيا: 14,5% من النساء وقعن ضحية اعتداء جنسي من أحد أفراد العائلة.  

     وبالنسبة إلى العنف الموجه من الزوج أو الشريك إلى الزوجة أو الشريكة، نرى الاحصاءات الآتية: 

     - هولندا (1988): 20,8% من النساء كنّ عرضة العنف الجسدي من الشريك، و26,25% كنّ يتبادلن العنف. 

     - بلجيكا (1988): 48,4% من النساء تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي. 

     - فنلندا (1988): 22% من النساء المتزوجات أو المساكنات كنّ ضحية عنف أزواجهن أو شركائهن، و19% من هذه الحالات حصلت تحت وطأة الكحول. 

     - البرتغال: 52,8% من النساء المتزوجات أو المساكنات كنّ ضحية العنف الجسدي، و47% يتألّمن من العنف المعنوي والنفسي، و16% من هذه الحالات فقط حصلت مع تناول الكحول. 

     - فرنسا: في دراسة وطنية سنة 2001، تبين أنّ أكثر من 20% من النساء المتزوجات يتعرضن للعنف الجسدي بما فيه العنف الجنسي. وبالتحديد، 12,6% تعرّضن للعنف الجسدي و11,6% تعرّضن للعنف الجنسي. أما نسبة النساء اللواتي يتعرضن للعنف المعنوي والنفسي فهي 40,3%(30). وفي العام 2011، أي بعد عقد من الزمن (31)، سَجّلت إحصاءات وزارة الداخلية الفرنسية 146 حالة وفاة عام 2011 نتيجة العنف الزوجي، موزَّعة على 122 امرأة و24 رجلاً، إضافةً إلى وفاة 11 طفلاً في السنة نفسها من جرّاء عنف الأهل. هذا يعني، في المعدَّل، مَوت امرأة كل ثلاثة أيام ومَوت رجل كل 15 يوماً من العنف الزوجي. وكانت إحصاءات وزارة الداخلية الفرنسية قد سَجلت 174 حالة وفاة عام 2010، و165 حالة عام 2009، و192 حالة عام 2007، كلها بسبب العنف الزوجي. وتشير إحصاءات 2012 إلى أنّ 35% من نساء فرنسا كنّ ضحايا للعنف الجنسي. 

     وتجدر الإشارة إلى أنّ كثيراً من النساء اللواتي يتعرّضن للعنف حول العالم إنما تعرّضنَ لذلك خلال فترة الحمل، أو بعد الولادة، أو خلال طفولة أولادهنّ، أو خلال فترة الانفصال. 

     أمّا في لبنان، حيث تموت 12 امرأة سنوياً بسبب العنف الزوجي، فقد أُجريت دراسة حديثة (32) على 300 امرأة من كل المحافظات، أظهرت النتائج الآتية: 87% من النساء تعرّضنَ لعنف لفظي أو شتائم، و68,3% لعنف جسدي، و90% لعنف معنوي، و55% لعنف جنسي، و65% لعنف اقتصادي. واقتصرت نسبة اللواتي تقدّمنَ بشكوى إلى مراجع مختصة على 9,7% من العينة، فيما لم تتجاوز نسبة اللواتي لجأنَ إلى قوى الأمن 8%. وقد رضخت 83% من نساء العينة لما تعرّضنَ له من عنف، إما من خلال الصمت والانطواء على الذات، وإما من خلال الرضوخ لأزواجهنّ. وفي محاولة تفسير السلوك العنفيّ لدى الزوج، عبّرَت 26% عن اعتقادهنّ أنّ أزواجهنّ يعانون نقصاً عاطفياً مزمناً، و40% أنّ أزواجهنّ يعانون من عقدة نقص، و40% أنّ أزواجهنّ يعانون من الغيرة والشك وفقدان الثقة بالنفس، و26% أنّ لدى أزواجهنّ اضطرابات نفسية، و52% أنّ الأزواج ضحايا تربية عائلية تقليدية وغير متوازنة. وتمنّت 92% من تلك النسوة وجود قوانين في لبنان تحمي المرأة من العنف.  

     وكان مجلس الوزراء اللبناني قد وافق عام 2010 على مشروع قانون لحماية المرأة من العنف وأحاله إلى مجلس النواب. وبعدما وافقت اللجان النيابة المشتركة عليه، سُحب هذا المشروع صيف 2013 من التداول تحت ضغط بعض المراجع الدينية الإسلامية التي وجدت أنه لا ينسجم مع مقتضيات الشرع، وهكذا لم يُعرَض على المجلس النيابي للتصويت. وإذ تأسف إحدى الناشطات النسائيات لعدم إقرار القانون في مجلس النواب، تقول إنه كان سيّئاً لجهة اعتباره الاغتصاب الزوجي مجرد جنحة لا جريمة، مع قَصره الجريمة على الضرب وما يستتبعه. فالعنف المعنوي ليس جريمة، حسب هذا المشروع القانوني، مهما سبَّب من أذى للمرأة (33). والواقع أنّ المجتمع اللبناني، على كونه الأكثر ليبراليةً وانفتاحاً بين المجتمعات العربية، ما يزال تقليدياً منغلقاً على مستوى التشريعات الاجتماعية، وإنْ ظهرَ بعض تحسن نسبي بفضل الحركات النسائية. ونادراً ما نجد بلداً عربياً يشرّع قوانين لحماية المرأة من العنف.        

     وفي التقرير الذي أعدّته منظمة الصحة العالمية للعام 2013 بعنوان "التقديرات العالمية والإقليمية للعنف الموجَّه ضد المرأة" (34)، وهو الأول من نوعه في المنهجية والشمول، تَبيَّن أنّ عنف الشريك الحميم، أي الزوج أو الرجل الذي تربطه بالمرأة علاقة جنسية، هو من أكثر أنواع العنف شيوعاً ضد المرأة، إذ يُلحِق الأذى بنسبة 30% من النساء حول العالم، فيما تتعرض 42% منهنّ للإصابة من العنف بمختلف أشكاله. وفي إحصاءاته عن "العنف المختلط" ضد النساء فوق الخامسة عشرة، أي العنف من الشريك الحميم والعنف الجنسي من غير الشريك، أظهرَ التقرير النسب العالمية الآتية: أفريقيا: 45,6%، أميركا الشمالية والجنوبية: 36,1%، جنوب شرق آسيا: 40,2%، اوروبا: 27,2%، شرق المتوسط (من الشركاء فقط): 36,4%، غرب المحيط الهادئ: 27,9%.  

     ونختم هذه النماذج الإحصائية بما جاء في نشرة مركز الإعلام الإقليمي لغرب أوروبا التابع للأُمم المتحدة (35) بتاريخ الثلاثاء 24 أيلول (سبتمبر) 2013 من أرقام ونسب مئوية عن العنف الذي تتعرض له النساء حول العالم: 

     - هناك واحدة من كل ثلاث نساء تتعرض للضرب أو للامتهان الجنسي. وغالباً ما يكون المعتدي فرداً من عائلتها أو شخصاً تعرفه.  

     - الذكور الذين يشاهدون عنف آبائهم ضد أُمّهاتهم يكونون معرَّضين 10 مرات أكثر من سواهم لممارسة العنف ضد شريكاتهم في المستقبل.  

     - تخضع الفتاة، في بعض أنحاء العالم، للاغتصاب الجنسي أكثر مما تخضع لتَعلُّم القراءة. 

     - نحو 5% من النساء يتعرّضنَ لعنف جنسي خلال الحمل.   

     - تتعرض 60 مليون فتاة سنوياً للامتهان الجنسي داخل حرم المدرسة أو على الطريق إلى المدرسة.  

     - 80% من الإناث المهرَّبات عبر حدود بلادهنّ سنوياً يجري تهريبهنّ بقصد الاستغلال الجنسي.  

     وقد صُدِّرَت النشرة الإعلامية المذكورة بالكلمات الآتية من أمين عامّ الأمم المتحدة بان كي مون: "ثمّة حقيقة واحدة شاملة تصحّ على كل البلدان والثقافات والجماعات، وهي أنّ العنف ضد النساء لن يكون البتّة موضوعاً للقبول أو الغفران أو التسامح". وكأنما تأتي هذه الفكرة تتمّةً لما ذكرناه في بداية بحثنا تعليقاً على الشاعر روديارد كبلينغ، إذ قلنا إنّ العنف، كما يبدو، هو الذي يوحِّد الشرق والغرب، لا بل العالم بأسره. ولئن كان هذا التعليق وصفاً لما هو كائن، فكلام المسؤول الأُممي تعبيرٌ عمّا يجب أن يكون.       

     بعد أن ألقينا الضوء على حجم المشكلة، نشير إلى أنّ هذه النسب تبقى أقل من العنف الممارس في الواقع في هذه المجتمعات، وذلك لأنّ بعض حالات العنف تبقى مستترة أو غير معلَنة لما تنطوي عليه من تحريم اجتماعي (tabou). كما أنّ النساء المتعلمات أو اللواتي يتميزن بوضع اجتماعي رفيع هنّ أقل جرأة للإعلان عن معاناتهنّ للعنف. وممّا جاء في الدراسة الوطنية الفرنسية (2001) المشار إليها أعلاه أنه "بقدر ما يرتفع مركز النساء الاجتماعي، فهنّ يجدن صعوبة في التعبير أو الإعلان عنه (36). 

   #العنف_الأسري #العائلة  #التفكك العائلي  #حرية #كرامة 
