# بائعة الأمل

- Writer: زهراء جعفر
- Published: 2021-05-05
- Topic: تجارب شخصيّة
- URL: https://mirdad.app/articles/1729/بائعة-الأمل
- Source: Mirdad (mirdad.app), an Arabic writing and reading platform. Every piece is reviewed by an editor before it is published.

 

 

حياتي التي أرسمها غدت على المحك. بضعة شهور و تنتهي صلاحية إقامتي في فرنسا. 

تخرجت منذ حوالي السنة، و ليس لدي حل، غير النجاح في الحصول على عمل يشترط أن يكون متوافقاً مع شهادتي الجامعية، كي يسمح لي بتجديد إقامتي وعدم العودة إلى بلدي. لكن تداعيات سوق العمل إثر الجائحة العالمية لا تسعفني كثيراً.

منذ عام و أنا أجاهد وراء الستار. يعتقد البعض أني أنعم بوقت فراغ أحسد عليه، و أنام قدر ما أشاء. ما لا يعرفونه أن العاطل عن العمل لا يعرف الراحة. مصاب بوسواس الوقت و التفكير و خيبات الأمل. فاقد الثقة بالنفس، قليل الحيلة. بداية الأسبوع عنده كما نهايته، و ليله كما نهاره، تميل حياته إلى الرتابة حد الجنون.

 

لا أرغب في العودة إلى لبنان، في ظل الأزمة الإقتصادية، والنزاعات السياسية التي لا تنتهي. هذا البلد ليس للناس العاديين، من لم يولد و في فمه ملعقة من ذهب أو من لا يتبع لأحزاب سياسية. و هذا الواقع يترك في روحي جرحا، لا أعلم إن كانت تضمده فرصة عمل في الغربة. و أخاف العودة إلى كنف أبي، لأعتاش من عرق جبينه، بدلا من أن أقدم له يد العون. خيالي الذي أرى فيه  يوم أزف لأبي خبر نجاحي بالحصول على العمل المنشود و أشعر بسعادته و فخره، هو ما يدفعني أن أستمر رغم الإحباط. أما عن أمي، فهي وسط هذا التعب، لا تحب أن تراني متعبة. مثلها مثل كل الأمهات، يكفيها أن أكون بجانبها لو كنت عاطلة عن العمل. و تغدو أسعد السعداء، إذا ما قلت لها وجدت شريك حياة بدلا من وظيفة.

 

في غضون أيامي الثقيلة، أميل للوحدة أكثر. لذا أملأ وقتي الفارغ إما بالقراءة كي أشغل رأسي بشيء آخر، أو تقليب الصفحات الإلكترونية بطريقة روبوتية لساعات، و لا أجمع في ذاكرتي منها إلا الكثير من الترهات، أغلب الأحيان.

لا أرغب في أوقاتي الصعبة، أن أكون بجانب من يتأملني بصمت، كأني مريضة بمرض نادر. أو بجانب كثيري الضجيج و الثرثرة، من يحسن دائماً على كل من حوله بنصائحه اللامعة دون طلب، ظناً منه أنهم مكتوفي الأيدي.      

أهرب كتيراً من الملاحظات العقيمة لبعض الناس، من يردد دوماً على مسمعي بأن لبنان ليس صالحاً للعيش، و أنه لمن الغباء العودة للديار في هكذا ظروف، فأجد نفسي متهمة بالحماقة، إذا ما لم انجح بتجديد إقامتي في فرنسا. 

محبب لقلبي أشخاص إذا تكلموا كانوا مصادر طاقة إيجابية و تفاؤل، وإذا تعاطفوا مع غيرهم، فعلوا ذلك بسلام، دون أن يظهروا حزنهم و قلقهم طوال الوقت. 

نادرون من هم في حياتنا الواقعية خفيفي الظل، طيبي المعشر، من يضيف جوا لطيفا من المرح، و يعامل غيره كما يحب أن يعامل. 

 

في ظل هذه الأيام المملة، و بعد شهور من الجفاء، يصلني بريد الكتروني يصب في القلب، قرأته عدة مرات من السعادة، دعوة لمقابلة عمل إلكترونية لوظيفة شاغرة في كلية العلوم كمدرسة و باحثة بيئية.

استجمعت قواي لأستغل هذه الفرصة الذهبية التي أجدها سفينة النجاة. المشكلة أن مقابلة العمل هذه بعيدة بعض الشيء عن إختصاصي. صحيح أني أحمل شهادة بالعلوم الطبيعية، إلا أني لست ضليعة بالتصنيفات البيئية للنباتات و الحشرات.

علي التخطيط بذكاء لهذه المقابلة. جاهدت بضعة أيام على صفحات الانترنت، أتصفح كل ما يجعلني أمثل صورة شبه حقيقية، لمدرسة و باحثة بيئية، ضليعة بالمعارف الأساسية و واثقة بنفسها.

 

وسط كفاحي المتواصل لأكون على أتم الإستعداد، أقع على مقولة لطيفة، حصدت إعجاب الملايين في العالم الرقمي:  

"في رحلة البحث عن عمل، أنت بحاجة للراحة. تمتع بنهاية أسبوع تشحن بها طاقتك، ثم إنطلق من جديد! "

هي صدفة جميلة حظيت بها ببائعة أمل، تذكرنا بالنور في آخر النفق، نحن العاطلون عن العمل. أسميها بائعة أمل، لأنها اختارت أن تكون مرشدة مهنية تكرس من خبراتها في التوظيف، للعاطلين عن العمل حول العالم، و إغراقهم بالنصائح الحكيمة، و المشاعر الإيجابية، كل ذلك مقابل وقت بسيط للإستماع إليها أو قراءة منشوراتها.

 تبدو إمرأة في مقتبل الخمسين، تشع حياةً حين تتكلم مع كل من يستضيفها باللكنة البريطانية المحببة، تحدثه بشغف عن عملها، و كيف تسعد في تقديم يد العون إلى الملايين من متابعيها  و الذي بفضلهم غدت من أولى رواد مواقع التواصل الإجتماعي، و ممن نسميهم بال"مؤثرين" في هذا العالم الالكتروني. هي من المؤثرين الذي أحب، تترك أثرا حماسيا في القلوب، على عكس تلك المؤثرات في الماكياج و الموضة... و أشعر أنها أكثر من يفهمني في محنتي.  

حرصت قدر المستطاع على متابعة منشوراتها التي تحمل دائماً عناوين لا يمكن التغاضي عنها:

" كيف تقدم نفسك في الدقائق الأولى من المقابلة الوظيفية؟"

" لماذا سيختارك مدير التوظيف بدلاً من غيرك؟"

"إذا سئلت عن نقاط ضعفك، كيف تبتكر إجابتك؟" 

"البحث عن عمل هو عمل بحد ذاته. كيف تنظم وقتك؟"

 ... 

 

حل اليوم المنتظر. بدأت المقابلة الاكترونية. كانت اللجنة مؤلفة من ثلاثة باحثين جامعيين، تتناول أبحاثهم مواضيع بيئية مختلفة. عرف  أعضاء اللجنة عن أنفسهم بدايةً، وأوضح رئيسها ما ستحتوي هذه المقابلة بإختصار، و بأنها من ناحيتها العلمية ترتكز على قسمين: الأول يتعلق بالتربة والحشرات، والثاني بالنباتات و تصنيفاتها البيئية. بعدها حان دوري لأعرف عن نفسي، واشرح الدافع لأستلم الوظيفة الشاغرة.

نجحت في إظهار الكثير من الإهتمام بالبيئة والمحبة الجمة للتعليم والبحث العلمي، ثم بدأت مرحلة المساءلة العلمية. 

بالرغم من أني استطعت إقناعهم أني عملت مسبقاً في جمع الحشرات و تصنيفها، بل و أشعر بالفضول لسبر أغوارها و أتابع الأبحاث العلمية التي تتناولها -أنا التي لا تتقبلها حتى على شرفة المنزل- بيد أني وقعت في فخ النباتات.

إستوقفني سؤال مشؤوم لباحث عن تصنيفات الزهور البرية، و أنا، بسذاجة، اكتفي بالمناظر الطبيعية، و لا أغوص بكل زهرة على حدة. ثم غزته الفرحة بثقافته الواسعة فاسترسل بالحديث عن نبتة تاريخية لبنانية المنشأ، نادرة جداً ومهددة بالانقراض، و صمت بعض الشيء كي أعقب بالكلام، غير أني إكتفيت بإبتسامة خفيفة، و خيرا فعلت.

كي لا يسود الصمت مطولاً، أكمل كلامه عن زهرة برية وحيدة فريدة لا توجد إلا في لبنان، و سماها إسما علمياً يتغنى باللاتينية. بينما كنت أسمعه، عاتبت في داخلي اساتذة العلوم والجغرافيا و كل من لا ينفك عن التغني بالأرز في لبنان. إكتفيت برسم إبتسامة على وجهي بقية الوقت، لعدم إلمامي بالخبرات التي أسأل عنها، علني أحافظ على ماء وجهي و أعكس روحي الرياضية في تقبل الخيبات لا أكثر. 

 

انتهت المقابلة التي حسبتها دهرا رغم أنها لم تتعدى الساعة. و فشلت فشلا ذريعا بالرغم من تمثيلي المحترف في بدايتها.

و لكني عزمت أن أرفع معنوياتي و أسعد بإهتمامهم لإجراء مقابلة معي، و أتناسى مضمونها، بل أفكر بما قد تثمر مراسلاتي الالكترونية الأخرى، فكما تقول صديقتي بائعة الأمل: في رحلة البحث عن عمل، يكفي أن لا تستسلم.   

عدت أشحن قدرتي على المضي قدما، أتغذى بموجات الأمل عبر الأثير، و أعاود العمل من جديد.

 

بعد بضعة أيام، أجد مواقع التواصل تضج برهبة خبر بائس:

"بائعة الأمل تنهي حياتها بعد أن غلبها المرض الأسود، و بعد سنوات من الكفاح التي أخفته عن الجميع."

رحت في صدمتي أتفقد صفحاتها ومنشوراتها القديمة، وكأني أؤدي واجب العزاء. فأجدها صنعت لنفسها قلعة في مهنتها احتمت بها قدر ما تستطيع، دون شكوى أو نحيب معلن، و أتقنت دورها بإحتراف كل تلك السنين. لكنها كلما عادت إلى منزلها، وجدت نفسها وحيدة تصارع حربها. إختبأت وراء صمت أنيق لا يسمح لها بالبوح مهما بلغ الوجع. ويا ليت شخصاً واحداً من بين الملايين أبصر ثقل همها الذي، ما عادت تقوى على حمله وحدها. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
