# عيشة

- Writer: Bassem Chebbo
- Published: 2021-07-02
- Topic: قصصٌ وروايات
- URL: https://mirdad.app/articles/2082/عيشة
- Source: Mirdad (mirdad.app), an Arabic writing and reading platform. Every piece is reviewed by an editor before it is published.

لم تتوقف معرفته **بعيشة** عند حد إيصالها ليلا أمام المبنى حيث تقيم في شارع الحمرا في مدينة بيروت، ،فقد لمحها  بعد بضعة أيام تقف وهي تتحدث بالهاتف أمام  إحدى الواجهات الزجاجية لإحدى المحال التجارية ، كان لمركز عمله في منطقة الحمرا واعتياده على المضي في الشارع الرئيس ما جعل لقاءه بها محتملا. تأملها قليلا  كأنما ليتيقن من كونها نفسها التي أقلها معه في سيارته تلك الليلة العاصفة الحالكة السواد .خشي بينما يمضي إليها  من أنها ربما لن تعرفه ما أن تراه كما عرفها لكنها عرفته ما أن رأته كما عرفها .جاء  لقاؤه الثاني بها بعد إنقضاء أيام على لقائهما الأول وسؤالها له أثناء اللقاء إن كان لديه مايشغله هذا المساء ليورثه شعورا طفوليا بالفرح ، كأنما كان يمني النفس بلقائها أن يشاركها بعض أوقاتها وأن يخوض من خلالها تجربة أدرك بإحساسه أنه كان يتوق إليها فكيف إذاكان عنوانها مختلفا فهي إمرأة جزائرية تحمل الجنسية الفرنسية وأرملة لرجل أعمال فرنسي قصدت وحدها إلى بيروت بغاية الإستجمام وتلبية لدعوة زملاء قدامى لها في الجامعة اليسوعية في بيروت حيث أنهت دراستها الجامعية 

تسارعت لقاءاتهما بعد هذا اللقاء، إلتقيا مرارا في أمسيات بيروت و قاما برحلة استجمام خارجها قبل أن تجمعهما شقتها المؤجرة في شارع الحمراء.كانت ليلة باردة يتخللها مطر هاديء وقد فرضت عليه خلال اللقاء طقوس حب جديدة أضفت على الحب معنى، معنى لم يكن ليدركه أبدا من خلال علاقاته السابقة التي كانت تترك في أعماقه ما أن يفرغ من ممارسة الجنس أثرا عميقا من الفراغ . كانت ** عيشة** تملك من الأسباب ما يميزها وأن فيها ما يتخطى إطار الجسد، فهي إمرأة حقيقة إكتشف معها أحاسيس مختلفة وأحيت فيه ما كان ظنه قد مات من زمن بعيد، .تلك المرأة التي تروي بعينيها قصة جرت أحداثها على تخوم الشرق والغرب .

مع تكرار لقاءاته بها ومعاشرته لها أحسها تحاول أن تهز في ذهنه صورة اعتادها في النساء أو تحسن صورة تظن أنها في ذهنه عنها،كأنما تلمست دون أن يخبرها،ومن خلال تصرفاته معها طبيعة علاقاته بالنساء. لقد روت له ذات ليلة قصة جرت أحداثها على تخوم الشرق أخبرته أنه الرجل الأول الذي تعاشره بعد انفصالها عن زوجها. لم يشغله قولها ولم يعني له شيئا فلم يكن في حياته رجلا أولا أوثانيا ولاحتى عاشرا في حياة إمرأة ما وكيف له ذلك وهو لم يعتد إلا معاشرة بائعات الهوى من النساء، كان واحدا من الذين يعانون من حزن توقفت عنده الحياة، واحدا من الذين يعيشون الموت في العالم، معها أحس بطاقة وحيوية مختلفتين ، فقد حررت مشاعره من  سجون الموت وأطلقتها في سمائها وفي سماء إختلافها. قالت له ذات ليلة كأنما تستمد من كلماتها عذرية مفقودة "أنا لم أمنحك نفسي بالمجان" ماكاد أن يشكل عليه، **فعهده بالنساء عموما أنهن لايمنحن أنفسهن بالمجان، **وذلك عهده الدائم مع بائعات الهوى، معها تتخذ العبارة معنى مختلفا، معنى يتماهى فيه الحب والحنان والعاطفة مع الرغبة بالجنس. لم  يخوضا إلا نادرا بأحاديث شخصية، وأكتفيا من معرفة بعضهما البعض بالعناوين وحين وجد في نفسه الرغبة ذات مساء أن يحدثها حول ما يعتمل في دواخله ولم يحدث به أحد قبل، لم تمكنه من إكمال حديثه فقد ضمته إليها ثم منحته شفتيها بلهفة العاشقين كأنما أبت أن تجد نفسها في حالة من العطف عليه و شاءت أن تخرجه من حالة الإنكسار التي بدت عليه بينما يتحدث إليها إلى حالة من الرغبة فيها. كان يمني النفس لو تطيل من فترة بقائها في بيروت وأن تؤجل موعد رحيلها عنها. فإذا بها تختزل الموعد تضعه وجها لوجه  أمام  حقيقة كونها ستختفي من حياته مرة واحدة وربما إلى الأبد.أخبرته خلال لقائهما الأخير أنه جد ما يحملها على قطع إجازتها والرحيل. بدا عليه الحزن فقالت " أنت تعلم أن وجودنا معا محدد بموعد رحيلي، وعاجلا أو آجلا كنت سأغادر" هم بتقبيلها لكنها لم تمكنه من ذلك قائلة له  " من الأفضل أن لا نفترق كعشيقين" لم يتواعدا على شيء فقد كان لكل منهما حياته المختلفة، أحسها تدرك ذلك في نفسها كما يدركه هو، لكنه وبرغم إدراكه داهمه الحنين، وقد تعاظم هذا الحنين لديه بمرور الأيام. 

لم يدر كيف ولماذا التبست على مشاعره طبيعة علاقته بها فهي بصورة أو بأخرى أرملة جاءت بيروت تبحث عن اللهو والاستجمام وكان هو من صادف مروره في حياتها بدءا من مصادفة مروره في طريقها بعد أن لبثت وقتا صعبا تحت المطر بسبب تعطل سيارتها المسـتأجرة دون أن يتوقف أحدٌ لأجلها. أدرك بمرور الأيام أن تجاربه الجنسية مع فتيات الليل لم تفقده عذريته العاطفية ولم تدخله عالم المرأة الحقيقي. ،وحدها هي رغم وجودها العابر في حياته وربما أيضا بسبب هذا الوجود من أطلق لمشاعره العنان وفتح له نافذة على الحياة إستعادت من خلالها الألوان بعض معانيها . لم يسع للتواصل معها بعد رحيلها أدرك أن لامعنى لذلك، لقد التقيا في هذا العالم في فسحة من الزمان والمكان وكان لكل منهما عالمه وزمانه ومكانه المختلفان. فلتبقى علاقته بها أسيرة صندوق الذكريات، ورغم قناعته تلك لازمه الاحساس بألم الفراق واضطراب المشاعر وبانقضاء أكثر من ثلاثة أشهر على رحيلها كان لم يزل يستحضرها بمخيلته إليه في لياليه الرتيبة الباردة كامرأة تضج بدفء الحياة. 

 

 

**شارع الحمرا – بيروت  - **

**باسم شبو**
