# زنزانة

- Writer: ناصر الزعبي
- Published: 2021-07-09
- Topic: قصصٌ وروايات
- URL: https://mirdad.app/articles/2165/زنزانة
- Source: Mirdad (mirdad.app), an Arabic writing and reading platform. Every piece is reviewed by an editor before it is published.

_ناصر الزعبي_

يؤجل النطق بالحكم ليوم الأربعاء الواقع ٢٩/٨.... رُفِعَت الجلسة بسبب غياب الشهود...
عدّتُ إلى زنزانتي الحقيرة من جديد، أقاوم هجماتٍ مرتدّة من أفكار تهاجمني كأمواج البحر، كمدِّه وجزرِه يسحبني ثمّ يردفني على الصخورِ اتخبط بها بلا رحمة، شلل يصيبُ رأسي وكأنني كنتُ في غيبوبةٍ أبعدتني شهورًا وسنين، دماغي متوقفٌ عن العمل نهائيًا، أَأُصبتُ بالألزهايمر ؟
لمَ لا أذكرُ أي شيئ عن الحادثة؟
طرفُ خيط فقط، ساعدني يا رب.
يحتلَّني غضبٌ شديد، أخبطُ رأسي بالجدار ضربات عديدة ليسيل الدّم منه وأقعُ أرضًا، فيأتي أحد المساجين، ويمسح لي الدّم السائل، ويضع تحت أنفي بصلة أستفيقُ بها من فقدان وعيي. 
_ما بكَ يا رجل لمَ جُنِنت؟ 
_ لا أذكر شيئا من جريمة اتهمتُ بها
_ جريمة! ما جرمك؟ 
_ قتل صديقي المقرّب 
_ صديقك! ولا تذكر شيئا؟ 
_ أبدًا، وجدوه مقتولًا بثلاثة رصاصات، واحدة في رأسه، واثنتين في قلبه، ووجدوني مُلْقَيًا على الأرض بقربه، لم أكن واعيًا لأي شيئ، لأستيقظ وأجد نفسي بمركز الشرطة متّهمًا بقتلِ صديقي. 
_ إهدأ، وحاول أن تستعيد ذاكرتك، وفكّر جيدًا بما تريد فعله. 
_ أريد النوم، تعبت تعبت، أريد أن أنام، عسى أن استيقظ ويكون كابوسًا، لقد تعبت، تعبت جدّا.
مرَّ الليلُ ولم أجدَ تلك الإبرة، لو أمكنني أن أحرقُ كومة القشّ كلّها لفعلت، لا بصيص نور لفكرة واحدة، لا أذكر شيئا قبل الحادثة، عدت إلى الصراع مجددا، عدّى الليل كساعة، كان سريعًا جدا، فكل يومٍ يمر، أقترب من موتي أكثر، فلا متّهمٌ غيري، والشهود كالملح الذائب في الماء.
مضى خمسة أيّام، اليوم موعد الزيارة، عساني أجد بها خير أو أن أحصل على أيّ معلومة تُسلكني الدرب الصحيح لطرف الخيط.
تحسّنتُ قليلًا، فصرت للمرّة الأولى أتبادل بعض الأحاديث مع زملائي المسجونين _كنا تسعة أشخاص في الزنزانة_ وكانت هذه الأحاديث مجرد تعارف فقط اسمائهم وحالاتهم الاجتماعية وعدد أولادهم فقط.
يُفتَحُ باب الزنزانة، يظهرُ منها شرطيّا ذو شنبٍ ملتفّ، طويلًا مع ضخامة، جسمهُ متناسق ومقطّع، يبدو عليه كأنّه لاعب كمال أجسام.
رامي زهير زيارة ( بصوت أقلّ خشونة من شكله، فمن يسمع صوته يستغرب أنّه خارج من هذا الجسد) 
خرجتُ للمرة الأولى من زنزانتي، هذه الأيّام القليلة كانت بمثابة سنين طويلة، فالوقتُ بها يحبو على مهل، عدا عن ضغوطات نفسية ترى بها حلمك يحترق أمام عينيك. 
ها هي أمّي تنتظرني، جلستُ أمامها، يفصلنا سلكٌ حديديّ مقطّع منعني من تقبيل يديها وجبينها، وحرمني من غمرِها. 
_صباح الخير يا أمّي 
_صباح النور يا ولدي، كيف حالك؟ 
_الحمد لله يا أمّي، الحمد لله، أنا مظلوم يا أمّي، واللهِ مظلوم 
(جهشت أمّي بالبكاء) 
_أعلم يا بنيّ فأنت تخاف من قتل نملة، أتقتل صديقك الذي تقاسمتَ معه أيامك وسنينك! 
_الله عالمٌ بأمري ووكلتُه نفسي، لن ينساني. أين أبي؟ لمَ لم يأتي معكِ؟ 
_والدكَ مريض جدّا، لم يستطع النهوض اطلاقًا. 
_ حسنًا، سلّمي عليه، وعلى اخوتي وقبليهم عنّي.
أمّي اريد سؤالك، أتعلمين أين وجدوا جثّة صديقي؟ وماذا كنتُ افعلُ حينها؟ فأنا لا أذكرُ شيئًا. 
_ في عمارة البرج، الطابق الرابع، هذا ما تقوله كلّ المعلومات. 
_عمارة البرج! ما هو السبب الذي أخذني لهنالك؟
_هذا هو سؤالي لك؟ ماذا كنت تفعل هناك؟ 
_لا أعلم يا أمّي، لا أذكر شيئا (بصوت غاضب) 
عاد الشرطيّ مرة اخرى وقال بصوت مستفز : (انتهت الزيارة)
أعودُ مجدّدًا لزنزانتي لتكبر رقعة اليأس مع دخولي وتتّسع دائرة الاستغراب. 
بناية البرج، الطابق الرابع
بناية البرج، الطابق الرابع 
هذا ما تمتمتُ به بقيّة نهاري بصوت منخفض كمن يحاولُ التذكّر، لكن بلا جدوى. 
اقترب منّي أحد الزملاء في الزنزانة وكان كبيرًا في العمر، قد يناطح الستون ربيعًا، محاولًا تهدئة جنوني وترويضه، جلس بقربي وقال :
أتدري لأيّ سبب سُجِنت؟
لم يعطني فرصة لأجاوب أكمل حديثه سريعًا: " هذه المرة الخامسة التي أسجن بها وأنا احاول سرقة المصرف دون نجاح، وعندما اخرج من هنا، سأعود واحاول مجددًا، فأملي كبير بالنجاح، لن اقطعه، اريد أن اصبح ثريًّا، ثريًّا جدًا".
ضحك جميع من في الزنزانة، وضحكتُ حتى فاضت عيناي.
تابع :"اسمع يا بنيّ، وكّل أمرك لله، إن كنت بريئًا حاول بشتّى الطرق أن تثبت ذلك، لا تقطع الأمل والروح بجسدك، ولا تحزن بل تفاءل".
مرّت هذه الكلمات بروحي المحبطة كسقاية أرضٍ طال قحلها.
كانت جرعة الأمل هذه كفيلة بهدايتي للطريق الصحيح، كفيلةً بتحريك فكري الراكد، فقضيتُ ليليَ المشرق بشمس الأمل افكّر بوضع خطّة استكشف من خلالها ما حصل معي صديقي وما علاقتي بجريمة لا أعرف عنها شيئا سوى أنّني المتّهم الوحيد. 
اهتديتُ لخطوتي الأولى بعد تفكير ودراسة دامت لساعات، خرجتُ خلالها من الإحباط إلى الأمل. 
لم استطع المكوث للصباح، ايقظتُ ذاك الحكيم _بالنسبة لي_الذي اهداني الطريق السليم، فقلتُ له حاسمًا لأمري :
_أريد الهروب من السجن
_ كيف؟
_لا أعلم، لهذا السبب أيقظتُكَ، انت قبعت في هذا السجن سنوات كثيرة، فتعلم الشاردة والواردة.
_حسنًا، اتذكر ذلك الشرطيّ الحارس الذي أتى بك إلى هنا مكبّلًا؟
_نعم ، الرجل الضخم ذو الشارب المفتول؟
_ صحيح، هذا هو إن أعطيناه مبلغًا كبيرًا من المال، يستطيع تهريبك بطريقة مدروسة.
_جميل، أتستطيع إخباره؟ ومعرفة المبلغ المطلوب؟
_اتركها عليّ، عند وقت الغذاء انفرد به وأخبره.
مرت الساعات، وأنا اعانق الامل بذراعين مفتوحتين، عسى أن تنجح خطتي الوحيدة...
حان وقت الغذاء، عندما انتهينا لمح زميلي الشرطيّ وحيدًا فانصبّ عليه سريعًا.
عدنا إلى الزنزانة بعد انتهاء وقت الغذاء، جلستُ على أرض الأمل أنتظر زميلي أن ينهي ما كان يقوم بفعله ويطير اليّ كفراشة مبشّرة.
سرعان ما حطّت الفراشة على وردتي، جلس بجانبي قائلًا :
وافق الشرطيّ على تهريبك من هنا مقابل مبلغًا من المال وقدره أربعة الاف دولار أميركيّ.
كان المبلغ بسيطًا بالنسبة لي فوافقت بالطبع، وطلبتُ من زميلي اخباره بالموافقة وتأمين لي اتصالًا هاتفيًْا لأخبر والدتي بأن تأتي غدًا، لأنه موعد الزيارة، ومعها المبلغ.
عندما شعرتُ بأن الشرطيّ هذا قابل للرشوة بكل بساطة، كنتُ قد أخبرتُ والدتي بأن تأتي مضاعفة المبلغ المطلوب كي تسير الخطة كما رسمتها.
كانت ليلة هادئة، نمتُ بها قرير العين للمرّة الأولى مذ سجني، حالمًا بشمس الحريّة التي ستشرق نهارًا ولو أنّها مزيّفة، عساها أن تكون هدايتي إلى الحقيقيّة.
أتت أمّي ومعها ما طلبت
_ صباح الخير يا بنيً، كيف حالك اليوم؟ 
_صباح النور، بخير الحمد لله، طمنيني كيف أصبح والدي؟ 
_أبوك متعبٌ جدّا، قال له الطبيب أنّه بحاجة لدخول المستشفى، وهو الآن بالعناية الفائقة، ووضعه حرج.
_اف لماذا؟ ( تأففت مستغربا تدهور صحته بسرعة كبيرة)
آه لو لم أكن هنا آه( أجهشت بالبكاء)
_لمَ تريد هذا المبلغ الكبير يا ولدي؟
زممت شفتي وأقفلتُ حاجبيّ محاولا اسكاتها دون أن ينتبه أحد الحرّاس ونجحت فعلًا.
_بأيّة مستشفى هو؟
قالت لي اسم المستشفى ثمّ ودّعتني وانصرفت
عدتُ إلى الزنزانة، فتحتُ وعاء الفاصولياء وأدخلت يدي بها وسحبت المال الذي كان محميّا بكيس نايلون غليظ، (فعلت ما طلبتُه حرفيًّا)
أعطيتُه المال وقلت له أنه مضاعف مقابل حصولي على اسمي الشاهدَيْن ومكان سكنهما وعملهما.
الخطة تسير على ما يُرام، فقد وافق الشرطيّ على طلبي المغرّ، وحصلتُ على كل ما اريد وجهزتُ نفسي للهروب في اليوم التالي كما أراد.
مرّ الليل بطيئًا، نومي كان متقطّعًا، منتظرًا على قلقٍ، هل سينجح الهروب أم سأفقد آخر أمل؟
حان وقت الغذاء، حملتُ صينية عليها وعاء من البازيلاء ووعاء من الرز، اقترب الشرطيّ منّي وعثّرني، مدّ لي رجله فوقعت وأوقعتُ الطعام عليه، غضِبَ واحمرّت عيناه، وصفعني كفًا ثمّ مسكني من ثيابي وشحطني إلى الخارج، وقال هذه الخطّة لإخراجك، اصعد إلى شاحنة المهملات واختبئ بهم وعند الخروج من بوابة السجن لم يعد لي علاقة بك وهذا الملف بداخله كل المعلومات المطلوبة للشاهدين.
أصبحتُ خارج السجن الآن، قمتُ من بين النفايات، وقفزتُ من الشاحنة عندما أخفض سرعتها.
كانت خطوتي الأولى إلى المستشفى، أردتُّ الاطمئنان على والدي، وجدتُّه تحتَ تأثيرِ المسكنّات وتحت رحمة الأجهزة، كان في العناية المشدّدة، وبين ألطاف الله، كما قال الطبيب فليس بالإمكان غير الدعاء له. 
خرجتُ من المستشفى مقررًا التوجه إلى مكان عمل الشاهِدَين 
وكانا يعملان في العمارة نفسها التي حصلت بها جريمة القتل.
وقفت أمام العمارة وشعورٌ ما تملّكني، لا أدري ما هو ، لكنّه طوّقني وحاصرني، ثمَّ كَبُرَ حتى منعني من الدخول إليها.
توجهتُ إلى منزلنا في إحدى القرى البعيدة. 
مَضت هذه الليلة وجعَلتني اتخبّطُ مع نفسي، لم أنم لحظة واحدة، شيئ ما قد منعني، بكيتُ بلا سببٍ، ضيق سيطرَ على قلبي، تمنّيتُ أن لا يطول الفجر كي يبزغ.
نهار جديد أبحثُ معه عن الحقيقة، فالأمر أصبح متعِبًا جدّا، أنا هاربٌ، وأبي يصارع الموت، والشرطة تلاحقني، والشاهدانُ أمامي لكنّي لم استطع الدخول لهما.
خرجتُ باكرًا، متنكّرًا بزيّ امرأة منقّبة، فالشرطة في كل مكان، ذهبتُ إلى المستشفى ووجدتُ والدي قد فارقَ الحياة، وأمّي تصرخ وتبكي بصوتها المبحوح، لم أستطع الدخول فالقوى الأمنية كانت حاضرة مع علمها بحالة الوفاة، اعتقدوا أنني سأكون هناك.
خرجتُ مسرعًا إلى عمارة البرج، عاوَدني الشعور نفسه، لا أدري ماذا أفعل.
قررتُ الدخول، وأعصابي مرتجفة، ليس بردًا ولا خوفًا، لا أعلم ما هو.
كان أحد الشاهدين وحيدًا بعمله، توجهت إليه، وسحبته لمكان منعزل، ثم كشفتُ غطائي عن وجهي وسألته:
_هل رأيتني أقتلُ صديقي؟ هل أنت مجنون؟
_ نعم رأيتك، ويوجد بعض الأدلّة التي سنلقي بها إلى القاضي. 
ما هي الأدلّة؟ ( قلتها بصوت مرتفع جدا بعد الغضب الذي تملّكني) 
لم أكن أدري بأنّ الشاهد الثاني كان يراقبني منذ أن سحبتُ صديقه، وأنّه قد أبلغ الشرطة على مكاني، بأقلّ من دقائق كانت محاصرة المكان فخرجتُ إليهم مهزومًا مرة أخرى. 
بعد أسبوعين وقد حان وقت المحاكمة، تقدّم الشاهدان بأدلّتهما، وكان عبارة عن مقطع مصوّرَ داخل الغرفة، يبانُ به أنّني قد تشارعتُ مع صديقي على حبوب مخدّرات وقمتُ بقتله بواسطة مسدسٍ ثمّ وقعتُ على رأسي من شدة خوفي. 
القاضي : حكمت المحكمة على المتهم بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، رفعت الجلسة.
