# قلب !

- Writer: Kenan Dumat
- Published: 2021-09-11
- Topic: قصصٌ وروايات
- URL: https://mirdad.app/articles/2991/قلب
- Source: Mirdad (mirdad.app), an Arabic writing and reading platform. Every piece is reviewed by an editor before it is published.

استيقظ على سرير المستشفى ..

كأنه سفينة فضاء حطت لتوها قادمة من رحلة في المجهول ..

رحلة من كوكب آخر .. عالم آخر ..

استشعر جناحين خفيين، شعوراً غريباً بالانطلاق لم يألفه قبلاً ..

تأمل الوجوه المحيطة به ترتدي الكمامات .. لا تظهر سوى عيونها اللامعة .. يعرف تلك العيون تماماً .. لكن شعوره نحوها مختلف الآن .. 

مضت أيام النقاهة سريعاً .. غادر رفقة الوجوه نفسها والكمامات نفسها .. عبر شوارع يعرفها ولا يعرفها .. دخل منزلاً يتذكر كل تفاصيله .. لكنه .. " ليس منزلي! " .. هكذا حدث نفسه ..

شيئاً فشيئاً بدء يعود إلى حياته الطبيعية .. إلى أصدقائه وعمله .. رغم إحساسه القوي بالغربة .. والاستغراب! .

وفي كل يوم كان يسيطر عليه ثقل عيون مراقبة .. متلصصة .. تقتحم هالته .. يزداد يقينه بوجودها  .. 

حاول عبثاً البحث في وجوه الناس المحيطة به في الشارع لمعرفة العيون التي تترقبه .. 

في تلك الليلة لم يستطع النوم ، جرب نسف فكرة المطاردة المجهولة .. نعم لا بد أن العمل الجراحي هو السبب .. حتماً .. لقد كانت عملية دقيقة وصعبة .. و طويلة .. زرع قلب جديد في صدره بعد أن خذله قلبه الضعيف .. ربما تلك الهلوسات من أثرها.. 

لكن .. 

" لو افترضت أني أتوهم شعور المراقبة، فما هو سبب الغربة التي أعيشها ؟! .. اللا انتماء .. هم أهلي .. وأصدقائي .. وذاك عملي .. وأولئك زملائي .. هذا مؤكد .. لكن .. لكن .. هذا ليس عالمي .. !".

في اليوم التالي عاوده الإحساس بالمراقبة .. أكثر إلحاحاً .. وهذه المرة قرر أن يخطو خطوة جريئة ويقلب الطاولة على المتلصص علّه يكتشف حقيقته .. ركز كل تفكيره ووضع الخطط الممكنة ليجربها الواحدة تلو الأخرى .. بات هذا الأمر شغله الشاغل .. 

لم يطل الأمر .. حتى وجد نفسه أمام امرأة ستينية .. بشعر رمادي، تحكي تجاعيد وجهها شقاء سنين .. وعيونها المحمرة التي تحيط بها الهالات السوداء تفضح ليال طويلة من السهد والدموع .. 

جمدتها المفاجأة لحظات .. ثم أجهشت بالبكاء ووضعت يدها على صدره .. مكان القلب تماماً ..

وقف مذهولاً لا يدري كيف يتصرف بعد أن ألقى القبض على العيون المتلصصة .. والأفكار تدور في عقله بانتظار كلمة أو تصرف ما يميط اللثام عن تلك المرأة المجهولة. 

ومن دون أن يشعر .. وجد نفسه يمسك يدها التي لمست صدره ويقبلها .. ليجدها تبكي بحرقة أكثر .. 

يحاول تهدئتها .. 

" لا تبكي أرجوك .. ولا تخافي .. فقط أخبريني .. ما سبب مراقبتك لي ومتابعتي كل تلك الأيام .. أرجوك .. أريد أن أعرف .. من أنت يا أمي .. و ماذا تريدين؟! " 

لحظات صمت ثقيلة .. 

والدموع ما تزال تنهمر بهدوء من عيني السيدة وكأنها تعرف مجراها في تجاعيد الوجه الأسمر .. 

أشارت مجدداً إلى صدره .. إلى موضع القلب .. 

وبأحرف متعثرة نطقت أخيراً: 

" هنا ينام قلب ابني " !! .. 
