"بكرا شي نهار بحكيلك هالخبرية..."

16 نوفمبر  .   5 دقائق قراءة  .    161

مسرح الباتاكلان - باريس

ستةُ شتاءاتٍ مرّت على ذاك اليوم المشؤومِ بإجماعِ من آمن بالخرافات ومن لم يؤمن: الجمعة 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2015. على حين غفلةٍ من روّاد مسرح الباتاكلان الباريسي ذاك المساء، انهار "الجدار الرابع" لخشبة المسرح، لا بل باتت مقاعد الحضور هي عينُها خشبةً العرض. اختلطت الأدوار بحيث بات عصياً على الحاضر الإحاطة بما يجري. انتقل المؤدون إلى صفوف الحضور، ودخل مؤدون جددٌ لمشهدٍ كان الأكثر دمويةً في تاريخ فرنسا المعاصر. 

عقب تلك الليلة، أضحت فوعة "كارهي الغرباء" في ذروتها، وأُغلِقَ المسرحُ الشاهدُ على الحدث المأساوي لمدّة عامٍ كاملٍ، ليعاود بعده عروضه الفنيّة والثقافيّة مع كثيرٍ من التشديدات الأمنية وشيء من التحفّظ الذي شابَه بعض التشاؤم في أوساط روّاد المسرح بشكل عام، ومسرح الباتاكلان على وجه الخصوص.

في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2018، وبعد مرور ثلاثة أعوامٍ على ذلك الحدث المشؤوم، امتلأ مسرح الباتاكلان حد الاكتظاظ بـ "الغرباء"، "غرباء" أذعنوا لنداء "نسماتٍ" هبّت عليهم من "مفرق الوادي" وحملتها لهم بحبالها الصوتية من كان لها من اسمها نصيب: الفنانة رنين الشعار، فاختارت أن تحيي معهم على طريقتها اقتراب ذكرى مولد صاحبة الصوت الذي اجتمعوا على حبه وحملوه معهم في غربتهم مهما تباينت أسباب رحيلهم عن ذاك "الوادي".

لطالما كنتُ على تمام الاقتناع أنّ بالإمكان نسجُ عمل أدبيٍّ مكتمل العناصر عبر الربط بين بعض الأشعار، سواءٌ المغنّى منها أو ذاك الذي لم يجد طريقه إلى الأسماع بعد، ولن يَلزَم للقيام بذلك عقلٌ روائيٌّ محنّك، بل يكفي إيجاد تسلسل زمانيٍّ ومكانيٍّ منطقيٍّ لومضات الأحداث التي تشير إليها الكلمات، ما مكنني أن أفترض يومها أن كلاً من هؤلاء "الغرباء" الحاضرين في مسرح الباتاكلان لم يكن يستمع إلى إحياءٍ من رنين الشعار لأغاني فيروز مع اقتراب عيدها الثالث والثمانين حينها، بل كان يشاهد على مدى ساعةٍ ونصف الساعة عرضاً مُتخيّلاً لفراقٍ ولقاء، حُبٍّ ونفور، عتبٍ ولوم، ولاءٍ وخيانة، اهتمامٍ ولامبالاة، ذكرى وشوقٍ وحنين.

شرعتُ عند انتهاء الأمسية الغنائية بكتابة مقالٍ أنقلُ من خلاله أجواء الحفل وما تمّ انتقاؤُه وتأديتُه من "ريبيرتوار" السيدة فيروز، وذلك عبر سرد قصةٍ متخيلة، أحداثها ليست سوى كلمات أغاني الحفل.

لم يلقَ المقال يومها الإعجاب الذي كنت أنتظره من قارئتي الأولى، وهي التي عمدت على تنشئتي على المذهب الفيروزي الذي تعتنق حتى تماهت مع صاحبته صوتاً وصورة. كان ذلك سبباً كافياً بالنسبة لي لدفن المقال آنيّاً دونما تفكيرٍ بالأمر مرتين، لكنّه لم يزعزع قناعتي بوجود خيوطٍ غير مرئيّةٍ تربط بين كلمات الأشعار المغناة، وأن هذه الخيوط ستتشابك يوماً لتشكل روايةً مكتملة الأركان. 

اكتفيتُ آنذاك بحصر مجال نظريتي بشخصياتٍ روائيةٍ متخيلة، ولم يراودني للحظة أنّي قد أكون يوماً إحدى هذه الشخصيات.  

لعل مَن عاصر طفولتي المبكّرة أقدرُ منّي على وصفي آنذاك، لكنّ الإجماع يفضي إلى أنّي كنتُ حكواتيّةً من الطراز الرفيع، أشبهَ بإذاعةٍ متنقلة لا ينقطع بثها من السادسة صباحاً إلى السادسة مساءً، إلى أن انقطع البثُّ ذات يومٍ دونما مقدّمات، ليقتصر نشاطي على المراقبة والرّصد وتخزين أدق التفاصيل من حولي. لعلّه كان الرقيب الخارجي، أو الداخلي، أو أنّ كلا الرقيبين قد تآمرا فلازماني سنواتٍ طويلة. لقد آثرتُ بملء إرادتي أن أكون غريبةً بين من هم ليسوا عني بغرباء. إن كنتُ على يقينٍ بشيء، فهو أنّه لم يحن الوقتُ لإخبار قصّتي بعد، لكن أنّى تأتَى ذلك، فهيَ لن تبدأ كسائر القصص بـ : " كان ياما كان، في قديم الزمان..."، بل ستبدأ دون شكٍّ بـ :

"هيدي عم بحكيلك قصّة بشعة كتير

وحلوة كتير..

بس هيك بتصير، عن حالي

هيدي قصة معقولة كل يوم تصير

وبتصير كتير ..

واسمعها أرجوك، كرمالي"

ولربما ستُختَصر حبكة قصّتي التي ستفتتحُ أحداثَها عام 2009 بـ :

"ليش بيضلّو إحساسي يقلي لأ...                       

في شي بدّو يصير .. في شي عم بيصير..."

حملتُ هذا اليقين معي في أسفاري الكثيرة، ولم يشاركني بها سوى زجاج نوافذ القطارات والطائرات التي استقليتُ منذ ذلك الوقت، والتي باتت اليوم عصيّةً على العدّ. 

لم أكن لأتنبأ يوماً أنه في 13 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2021، وفي مثل ذلك اليوم المشؤوم على مسرح الباتاكلان، واليوم الذي رَدّت فيه الفيروزيات الروح إلى المسرح عينه، سأقترب أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى من هيئةٍ على شكل إحدى شخصيات قصّتي، الشخصيةِ التي لطالما أسكَتَتني وأطالت من صمتي، وأمعنت بِحِيرتي وإيلامي بهروبها المستمرّ من بين سطور قصّتي، تماماً كما يعصى الإمساك بماء النبع بين أصابع اليد. كُنّا "غريبَين وليل، صدفة واجتمعوا"، قضيا ساعةً من الزمن كانت كفيلةً بنكئ جراحٍ ما اندملت أصلاً، ساعةٌ لا تختصرُ ما مُنِعَ عنّي مجدداً قولُهُ فيها سوى كلماتٌ بصوت الفنانة جوليا بطرس:

"بكرا شي نهار بحكيلك هالخبرية                      

عن يّلي صار وعن هالحلم بعينيّي

قصة مشوار وحدا بيعزّ عليّي                           

بكرا شي نهار بحكيلك هالخبرية                       

قلبي واحتار ناوي يحكيلك عني                        

شويّة أفكار ما بعمرن طلعوا مني                      

وعن هالأسرار مافي داعي تسألني                     

لحالي بقلّك هنّي.. بكرا شي نهار"                      

لستُ متأكدةً إن كنتُ تمنيتُ لهذه الساعة أن تطول علّي أتمكنُ من استعادة دور الرّاوي لقصّتي، أو أنّي تمنيتُ أن تُسحب ورقة يوم 13 تشرين الثاني/نوفمبر من رُزنامة التّاريخ إلى غير رجعة لثِقْل وقع اللقاء على نفسي تماماً كثقل وقع اعتداء مسرح الباتاكلان على نفوس من حضروه. لقد وقعتُ مجدداً ضحيةً لهذه الشخصيّة، فأسكتَتني لحظةَ قررتُ الخروج عن صمتي، وهربَتَ شيئاً فشيئاً من بين أصابع يدي ومن ناظري حتى أعادتني مرّةً أخرى إلى حضرة الغياب بحِمْله المضني. وحتى لقاءٍ ثانٍ لربّما من غير المقدّر له أن يحدث، لا تبارحُ مسمعي تتمّة الكلمات:

"وين بلاقيك بكرا بحطّك بالصورة                     

وبلوّن فيك أيامي بفيّا ونورا                             

رُوح وخلّيك ضلّك عِينيي زورا                        

بس هالمرة محضورة                        

بكرا شي نهار..."

لم يكن ليُعيدَني إلى حواسّي سوى نشازُ صفّارات القطار تعلن بلوغي وُجهتي، فكانت لبرهةٍ طاغيةً على صوت فيروز يصدح في أذني:

"شو بيبقى من الرواية

شو بيبقى من الشجر

شو بيبقى من الشوارع

شو بيبقى من السهر

شو بيبقى من الليل

من الحب من الحكي

من الضحك من البكي

شو بيبقى شو بيبقى

...

بيبقى قصص زغيري

عم بتشرّدها الريح..."

  3
  5
 0
مواضيع مشابهة
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال