# غاندي ومنهج اللّاعنف.

- Writer: اسمهان الشعبوني
- Published: 2021-01-18
- Topic: كتبٌ وكتّاب
- URL: https://mirdad.app/articles/399/غاندي-ومنهج-اللّاعنف
- Source: Mirdad (mirdad.app), an Arabic writing and reading platform. Every piece is reviewed by an editor before it is published.

***هل هو منهج
صالح للبشريّة الموجودة اليوم؟*** 

  **اللّاعنف لدى غاندي هو العيش في محبّة دائمة.
ومن يصل إليها يكون له إشعاع هائل يمنحه قوّة تأثير غير مرئيّة على الآخر. لكنّ زعيم
حركة تحرير الهند ومنهجه في اللّاعنف يتعرّضان اليوم، كما تعرّضا كذلك عندما كان
غاندي على قيد الحياة، إلى النقد.** 

      "إنّ
دين اللّاعنف ليس مجعولا للأولياء الصالحين فحسب، بل هو جُعِل لعامّة النّاس
أيضا".  هذا ما كتبه الزّعيم الهنديّ،
مهندس كرمشند غاندي، في صحيفة "الهند الفتاة" سنة 1920.  

  هذا الرّجل السياسيّ الفريد من نوعه، زعيم
حركة تحرير الهند، والذي حثّ شعبه على الوقوف أعزل في وجه المستعمر الانجليزيّ
المسلّح، صار رمزا لمنهج وفلسفة اللّاعنف في العالم. 

  ورغم أنّه تأثّر كثيرا بالكاتب الروسيّ ليون
تولستوي الذي ربطته به صداقة ومراسلة كثيفة، وبالكاتب الإنجليزي جون روسكين، إلّا
أنّ أسس اللّاعنف لدى غاندي تبقى دينيّة بحتة وتجد جذورها في الهندوسيّة. 

      *** ******الأسس الروحانيّة والدينيّة لمنهج اللّاعنف لدى غاندي*** 

  ينطلق الماهاتما
غاندي من المبدأ الروحانيّ المعروف ب"الموكشا"، أو ما يسمّى أيضا ب"النيرفانا"،
وهو تحرّر الإنسان للوصول إلى مرحلة الحقيقة. ويجب هنا فهم الحقيقة بالمعنى الصوفيّ
للكلمة، أي المرحلة التي يصل إليها المريد عندما يتحرّر من قفص شهواته الإنسانية
ويدخل في حالة معرفة تامّة بالله وتواصل معه. وهو يصبح عندئذ حسب المعتقد
الهندوسيّ في حالة محبّة دائمة. ويَعتَبِر غاندي أنّ من يصل إلى مثل هذا المقام، فهو
لا يستطيعُ أن يمارس العنف على غيره، سواء كان عنفا جسديّا أو لفظيّا أو في
الأفكار أو المشاعر.  

  لذلك كان غاندي يكرّر دوما أنّ اللاعنف هو
الأخ التوأم للحقيقة، وينادي من الناحية العمليّة بتطبيق مبدأ
"الأهيمسا" الهندوسيّ، الذي يعني الرحمة بالكائنات وعدم إلحاق الأذى بها.
فيدعو إلى مواجهة العدوان المسلّح دون سلاح في المقابل، كما يدعو إلى "الساتیاغراھا"
وھي مقاومة الاستبداد من خلال العصیان المدنيّ وعدم التعاون مع المستبدّ. 

  لم يكن غاندي يعتبر نفسه فيلسوفا بل " شخصا مثاليّا
عمليّا" a practical idealist 
، ولذلك قال:
 "لن أنتظر أن تعترف الهند بإمكانية
إعمال الروحانيات في الحياة السياسية. أنا أنتهج هذا المنهج مباشرة." فتجربة اللاعنف
التي قام بها غاندي، هي بالفعل أوّل تجربة تحمل طريقة معرفة الله من مجال الفرد
إلى مجال المجموعة، وتحديدا إلى المجال الاجتماعي والسياسي. 

      ***منهج غاندي من خلال خطاباته
وحواراته في كتابه "لا عنفي"*** 

  لقد جُمِّع عدد من خطابات وحوارات غاندي بين سنتي 1920
و1948 في كتاب تحت عنوان "لا عنفي"[1].
وفي مواقع عديدة من هذا المؤلَّف، يسأله أشخاص هنديّون وآخرون أجانب عن مدى نجاعة
منهج اللاعنف الذي ينادي به في ظرف النصف الأول الحافل بالحروب من القرن العشرين. 

      ولئن كان الزعيم الهنديّ يقرّ بأنّ وصول الجماهير إلى
اعتماد مبدأيْ اللاعنف والأهيمسا –  فعلا
ولا قولا فقط – هو شيء صعب، إلّا أنّه لم يكن يحيدُ عن منهجه. كان يبرّر ذلك أوّلا
بأنّ هناك بداية لكلّ شيء. وثانيا بأنّ من ينتصر بقوّة السيف إنّما ينتصر لفترة وجيزة
سيرى فيما بعدها سقوطه. وثالثا بأنّه لا يمكن للإنسان إلّا أن يمتثل لقوّة الله
التي هي قوة محبّة. ويعتبر غاندي أنّ من يعيش في المحبّة الدائمة، له إشعاع هائل
يمنحه قوّة تأثير غير مرئيّة على الآخر، ومن ذلك كان اللّاعنف قوّة لا ضعفا.  

      ***تناقضات ونقائص منهج اللّاعنف لدى غاندي*** 

  في أكثر من نصّ من كتاب "لا عنفي"، نجد أسئلة
عديدة تَطرح على غاندي تناقضاته، مثل مشاركته إلى جانب الحاكم البريطاني في إخماد
ثورة الزولو أو في الحرب على البورز بجنوب إفريقيا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن
العشرين، وهي تعيب عليه ذلك حتى ولو اقتصرت مشاركته على العمل كعنصر من فرق سيارات
الإسعاف. فيجيب غاندي قائلا إنّ وعيه كان يملي عليه آنذاك أنّه مواطن من مواطني
الإمبراطورية البريطانية وأنّه يجب أن يساهم في الحفاظ عليها. 

      طُرح السؤال أيضا مرارا على غاندي بخصوص كيفيّة دفاع شعب
عن نفسه مع احترام مبادئ اللّاعنف تجاه غزاة مسلّحين. وكانت إجابته مثلا بخصوص
العدوان الإيطالي على الحبشة أنّ الشعب الذي يجد نفسه مهدّدا بالغزو، إن اعتمد
اللّاعنف، فإنّه لن يبقى للغزاة ما يغزوه. سوف يجدون أرضا بدون شعب في حين أن ذلك
ليس الهدف من العدوان الإيطالي، وذلك ما سيجعل العدوان في حدّ ذاته يندثر. ويجيب غاندي
أيضا في عدّة لقاءات له، من يسألون عن وجاهة استعمال العنف من قبل امرأة تتعرّض للاعتداء،
فيمنع حتّى في هذا الموقف استعمال العنف وحمل السلاح. إنّ غاندي يذكّر دوما أنّ الانسان
اللّاعنيف سيفضّل الموت في مثل هذه الحالة على العنف، وهو دوما إنسان مستعدّ لكي
يموت. 

      ليست مواقف غاندي في التخلّي عن العنف مواقف مرتخية، أو منادية
باللّاعنف فقط كي يحظى باستحسان الإعلام أو الرّأي العامّ. إنّها مواقف متشدّدة
تقتضي لتطبيقها أن يكون المرء على حالة قصوى من التجرّد والابتعاد عن ماديّات الحياة بأنواعها. 

      اليوم، وكما هو شأن كلّ شخصيّة بارزة تتعرّض بعد شهرتها للنقد،
تعلو عديد الأصوات المنتقدة لغاندي بمشاركته في الحربين المذكورتين سابقا، كما أنّها
تشهّر باحتقاره لسود البشرة في جنوب إفريقيا في عدّة مواقف، وحتّى بحياته الجنسيّة
التي لم تكن على ذلك القدر من النقاء الذي قد نتخيّله. 

      هكذا يبدو أنّ حتّى رجلا مثل غاندي، لم يكن سوى إنسان
غير معصوم من الخطإ. عاش تطوّرا في فكره وفي روحانيّاته خلال حياته، ولم يستوفِ
دوما معايير التقييم الطهوريّ، بل تحوّل من شابّ مؤمن بقضية شعبه فقط إلى رجل
انحاز خلال كهولته إلى احترام للإنسانية دون تفرقة بين الأجناس. 

      ***هل اللّاعنف منهج صالح للبشريّة
الموجودة اليوم؟*** 

  ربّما كان منهج غاندي في اللّاعنف ناقصا أو غير صالح
للوعي السائد اليوم لدى البشريّة، ولقد اختبر غاندي ذاته هذا النقصان، إذ ذهب
ضحيّة للعنف، حيث وقع اغتياله من قبل متطرّف هندوسي بتاريخ 30 جانفي 1948. لكن
كما قال الزعيم الهنديّ نفسه، لا بدّ من نقطة بداية في تطوّر الوعي البشريّ نحو
الحقيقة. ولئن صار اللّاعنف اليوم معيارا هامّا في صنع الرّأي العامّ بخصوص التحرّكات
الثوريّة والاحتجاجات، فإنّ ذلك حتما من مآثر نضالات غاندي. بقي الآن طريق طويل
للبشريّة كي تعتمد اللّاعنف في كلّ لحظة من لحظات الحياة اليوميّة. 

  [1] M.K. Gandhi, *My
Non-Violence*, compiled and edited by Sailesh Kumar Bandopadhaya,
Navajivan Publishing House, 1st ed. 1960, 2nd ed. 2012, 373 pp.
