# فِي المَقْهَى مُخْبِرٌ مُتَقَاعِد ..

- Writer: عامر علي ابراهيم
- Published: 2022-02-05
- Topic: قصصٌ وروايات
- URL: https://mirdad.app/articles/4327/فِي-المَقْهَى-مُخْبِرٌ-مُتَقَاعِد
- Source: Mirdad (mirdad.app), an Arabic writing and reading platform. Every piece is reviewed by an editor before it is published.

 قصّة قصيرة من أدب الواقع :

بقلم عامر علي إبراهيم .

رفيق دراسة لم ألتق به منذ غيّرت مقرّ إقامتي بسبب إلتزاماتي المهنيّة علم إني بالحيّ

فدعاني إلى جلسة بإحدى مقاهيه العتيقة الّتي كان لنا بين أركانها سهرات صيفيّة لا تنسى .

كان لقاء فكهجيّا بامتياز، تبادلنا فيه المزاح كما في السّابق البعيد . الحنين و الذّكريات ، أثّثا أغلب ما استعدناه ممّا مضى من الطّرائف التي حدثت لكلينا في الحيّ الذي ألِفنَا و ألفْناهُ بكلّ ما فيه من محاسن و مساوئ لا قدرة لنا على نسيانها و لا إعادة خلقها . الحيّ صار بعضا منّا لا ينفصل عنّا و لا ننفصل عنه . مهما ابتعدنا و انتقلنا سافرت معنا الذّكريات و مهما تغيّر حالنا ظلّ بالبال عبق الحنين لا يختفي حتّى ننتهي ..

غير بعيد عن مجلسنا ، بأحد أركان المقهى رجل بائس يعاني من إرتعاش ظاهر ، وعدم توازن بمكوّنات وجهه ،لا شكّ إنها من آثار صراعه مع المرض . مظهره يدعو كلّ من لا يعرف قصّته إلى الشفقة و الرّأفة . يجلس لساعات وحيدا يتمتم بكلام لا يسمعه غيره ، يتأمّل الوجوه ببلاهة : الداّخل للمقهى و الخارج منه كأنه يقرأ على صفحاتها تاريخه الخاصّ أو يستعيد من خلالها حكايات لا يعرفها غيره . لكنّ مخلّفاتها كانت من صنيعه .

لا أحد ممّن بالمكان يعيره الإهتمام أو ينتقد تصرّفه الغريب هذا . إعتاد روّاد المكان على طباعه الغريبة حتّى صاروا لا يرونها مزعجة . الشخص الوحيد الّذي يتبادل معه بعض الحديث أحيانا صاحب المقهى حين يمازحه بسؤاله الخبيث :

ـ ما الحال اليوم ؟ فيجيبه بحصيلة اليوم . ـ خصام بين حريفين و اربعة فناجين تكسّرت و كرسيّ انخلعت ساقه فرمى به النادل في الزاوية هناك . أمّا الّذين لم يسدّدوا ما استهلكوا فكلّ اسمائهم في ورقة صغيرة يدسّها في يده بعد أن يضع صاحب المقهى دينارا واحدا و يأمر له بكوب آخر من مشروب القهوة ، ثمّ يدلف إلى المقصورة ليكمل حديثا آخر مع العملة .

أحد من يدرك حقيقته كلّها من العاملين هناك قال لنا مازحا :

ـ " لقد كان من جماعة بو ستّين وكارطة الّذين احترقوا فاحيلوا على شرف المهنة فصار من جماعة دينار و قهوة " .

ضحكة هستيريّة لم اتمكّن من كبح جماحها جعلت النادل ينفجر قائلا :

ـ " أيّ شرفٍ تراه قد يحضى به إبليس ؟ و هل تتقاعد عن عملها الأبالسة ؟ "

صديقي إلتفت إلى الواصف فالموصوف ثمّ استدار ليقول كلاما عرفت ممّا ارتسم على وجهه أنّه لا ينتمي لصنف الفكاهة الّذي كنّا نتبادله قبل لحظات قليلة و لا نكتفي منه .

ملامح صديقي المازحة تغيّرت فجأة و ارتسمت مكانها أخرى تبدو مزيجا من الألم و الغضب و الخذلان .. تذكّرت أنه كان من ضحاياه السّابقين فبادرته بالكلام :

ـ لقد نالك من الشيطان سوء . أعرف ذلك و أفهم عودة المشاعر المنسيّة إليك الآن ، فليس أصعب من تجاوز الأذيّة و نسيان مخلفاتها شيئا يا صديقي.

أجابني في استرسال و بصوت يغلب عليه الأسى :

ـ أجل .. لقد نال كلّ العائلة منه كلّ السّوء .

كنّا نراه الصّديق المقرّب و كان يرانا الفريسة الهادئة الّتي سيغنم من وراء بيعها الغنائم ..

أكل معنا خبزنا و شرب ماءنا ، شاركنا قهوتنا و حليبنا و فطور صباحنا وكوب الشاي مساء.

كان شقيقي يراه صديقا أخا لم تلده أمّنا . أبي و أمّي كلاهما كان يناديه " يا بُني ". سمع كلامنا على براءتنا و شاركنا جلساتنا العائليّة . لكنّه كان الذّئب الّذي لم ينتبه له الحمل . أحصى علينا أنفاسنا ، كلّ أصدقائنا ، كلّ من دخل بيتنا، كلّ من شاركنا فرحا أو همّا كان هدفا لعينيه و اذنيه و مزاج قلبه المريض .

افترى علينا كلّ الإفتراء و تسبّب في ظلم لا ينسى لعائلتي مدّة طويلة .

لم أجد ما اخفف به عن صديقي غير واقعة حدثت لي مع هذا المخبر بعد أن فاحت رائحته في الحيّ و صار مكشوفا . فقلت :

ـ سأعلمك بشيء يعجبك و يشفي بعض جراحك . لقد نلت لك منه ذات مرّة .

قال متهكّما : لا أعتقد أنّك نلت من إبليس حقّا، و مع ذلك هات ما عندك لنرى .

ـ اسمع يا صديقي إن الصّدف أحيانا تلعب الدّور الأهم .

أنا كغالب سكّان الحيّ أتحاشاه منذ عرفت حقيقته كما يتحاشى كلّ عاقل بلاء الطّاعون . فلم أكن ممّن يشاركونه مجلسا أو يتبادلون معه حديثا . لا أترك له فرصة ولوج عالمي الخاصّ أبدا وكان ذلك إتقاء لشرّه لا غير . لكنّ صدفة وضعتني في مواجهته ذات ليلة صيفيّة مقمرة حين عدت إلى منزلي مرهقا و مهموما بسبب حالة والدي الصحيّة . لم أتمكّن من المرور بسيّارتي لأن شاحنة رُكنت بشكل سيّئ وسط الطريق كانت تفرغ حمولة لبضاعة مهرّبة في مستودع المخبر، سيقوم لاحقا بتوزيعها خارج المسالك القانونيّة . و تلك طريقة لمكافئة بعض المميّزين في أداء الوظيفة القذرة باجتهاد و تفان . طلبت من السائق التصرّف بوضعيّة الشّاحنة حتّى أتمكّن من المرور فاستجاب لطلبي معتذرا . غير أنّ صاحب المستودع لم يعجبه الأمر و تصوّر أنّ الفرصة مواتية ليجعلني أرى عنتريّته أمام جماعة الحيّ الساهرين أمام منازلهم . فانبرى صائحا :

ـ هل تريد أن نستدعي لك فرقة التشريفات لتمرّ ؟

لكني لم أجبه و مررت في هدوء دون أن أنظر إليه ، فلم يجد غير الصياح و الشتم قائلا " لا أعرف ماذا يظنّ نفسه هذا القليل الأدب و التربية " . حينها أجبته بسؤال بسيط و بصوت سمعه الجميع :

ـ هل تقبل التحدّي ؟

ـ نعم أنا اقبل و أتحدّى الجميع .

ـ الأمر بسيط ، لنسأل معا كلّ سكاّن الحيّ السّاهرين هناك : من أقذر النّاس بهذا الحيّ ؟

صمتَ حين سمع ضحكات هنا و هناك حيث الساهرين يتابعون المشهد و لم يجب لكنّي واصلت الكلام بصوت عال :

ـ سيقولون المُخْبِرُ المفتري بلا شكّ .

انصرفت في حال سبيلي و سمعته يحدّث زوجته الّتي إلتحقت به : رأسي ... رأسي .. دم رأسي يغلي ..سأجلط . .. آه .. رأسي يا .أهل الحيّ إشهدوا .

بعد مدّة بلغني إنه اصيب بجلطة دماغيّة فعلا . قررت أن أزوره . نعم فعلت و تمنيّت له الشفاء من كلّ قلبي . لست ممّن يحاسبون من يسقط

إنّه يملك حقّ الجوار. رغم تسبّبه في أذيّة أغلب الأجوار .

صمت صديقي و لسان حاله يقول كلاما آخر ..

 "بو ستين  و كارطة : مصطلح محلّي  يعني قيمة المكافئة الشهريّة  و كارت الشحن الهاتفي  للتبليغ الاستعجالي "ـ 

   
