في الوسط

شادي رزق

14 فبراير  .   7 دقائق قراءة  .    167

في الوسط

في وسط المدينة، إنه يوم الأربعاء منتصف الأسبوع، وحوالي منتصف النهار، وقت الظهيرة، وقت ذروة ازدحام الناس والسير.
خاصةً وأن الطقس كانونيّ بارد، السماء مختفية خلف غيوم رمادية كئيبة، تنذر بسقوط المطر، في المدينة التي طالما تفاجأت بالمطر، وسرعان ما تطوف أزقتها ببضع زخات وقطرات ماء هاربة بالخطأ.
هنا، تبدأ المارة بالاستعجال، والتدافع، وتبدو على وجوههم علامات الاستعداد للعنف، فتتفتح عيونهم وتتسع حدقاتهم وتتسارع أنفاسهم، ويتقدّم رأسهم مع جذعهم العلوي على عجالة خطاهم، فتلوح شحنات العدائية في مفاصل الصقيع.
كل هذا، للحاق بالمواصلات، والاختباء تحت سقف سيارة أجرة تقلّهم إلى منازلهم بعد يوم مضني، لا يختلف بشيء عن سواه، إلا اسم اليوم وتاريخه وكثرة الهموم.
هذا المكان، هو مركز انطلاق للحافلات بكافة اتجاهات المدينة، حيث يعتبر مركز تجمّع تقريبا لكافة الشرائح والتصنيفات والتقسيمات الاجتماعية، عدا فئة يختلف كثيرون على حجمها وعددها، هم الطبقة الغنية أو كما يطيب لي وصفها بالمستغنية، ولا أعني بالكلمة حديثي الغنى، بل من كلمة استغناء. ولست بصدد تبرير قصدي إن كنت أعني به سلبا أم ايجابا.
اقتربت من المكان متخذاً كل ما استطعت من الاحتياطات تجاه البرد، وتفادي العنف والوقوف في المشاكل، والنشل، والأهم دقة وسرعة الحركة باختيار الباص والصعود إليه.
لكني جفلت لوهلة، فالمشهد العام يوحي بتدافع المساجين للخروج لحظة إعلان جرس التنفس، أي الخروج لفناء الحبس. أي إن جاز التعبير قرع جرس الباحة في المدرسة.
لا لا، المشهد يشبه أكثر مشفى الأمراض العقلية، ولكن في الأفلام حين يصورون جناحاً خرج عن السيطرة، بدأ النزلاء بالركض جيئة وذهاباً وكأنهم اضاعوا السبيل.
وصارت الأفكار برأسي شبيهة بالخارج، هل أصعد، أم أعود سيرا على الأقدام، أم أخاطر بأخذ سيارة أجرة وادفع الثمن لبقية الشهر.
خطرت لي فكرة، واعتقدت أنها ستكون حركة فريدة وذكية. ذهبت بخطوات جاسوسية، متسللا بين الجموع، لأصل إلى الباص الثاني، الذي ينتظر دوره بعد ذاك الأشبه بحلبة المصارعة. السائق خمسيني، حنطي شاحب، لم يحلق لحيته منذ آخر مرة استحم فيها. شاهد نظرتي التوسلية وأنا أقف عند الباب المقفل، ملوحا له بالرجاء، مغلقا عيناي نصفهما وضامّا كتفاي ورافعا إياها لأخفي رقبتي، بشيء من تذلل طفولي.
في لحظة، باغت السائق شعور بالنشوة، وأخذ يجوب بمخيلته أنه مدير عام أو ضابط أو ربما ملك تحوطه الجواري والخدم. وأهم فكرة راودته، أن أمر حياتي كله بيده، وكأنني موظف حكومي ينتظر توقيعه على تقاعدي. كل ما يجول في خاطره إحساس بالسطوة عليّ.
ليصحو فجأة، لكن بشكل يشبه العجلة التي داهمها مسمار، وذاب كالجبن على النار، وذبل كما شخصية كرتونية في برامج الأطفال بالثمانينيات، ومد يده اليسرى للضغط على الزر الأتوماتيكي ليفتح الباب، وكأنه يقطف وردة شامية من سور بستان.
تعجّبت أيما تعجب، وانفرجت أساريري شاعراً بالحنان، وسامحته بحق كل الهوّة الوجودية الشاسعة التي تفصل بيننا. ظنّاً مني أن روحاً لمسته ليصعدني، حيث ارتاح لمظهري الذي يبدو عليه الترتيب والأناقة.
لكن للأسف لا، إنه التستوستيرون يا عزيزي، فأنا لم انتبه لوصول فتاة يافعة وقفت بين خلفي وإلى جانبي، لتومئ له برغبتها بالصعود. هنا تنحيت جانباً لها، بابتسامة جانبية ساخراً بها على نفسي، مطلقاً زفرة عالية من أنفي على شكل ضحكة.
صعدت الشابة، وهمّ السائق بإغلاق الباب المزعج، فبادرته الصبية بلطف "لو سمحت يا عم، دعه يصعد، إننا معاً" رأيت نار غضبه عليّ في عيونه جلية. وبصوتٍ متزن أجابها "تكرمي" والتفت نحوي وكأنه ألقى القبض علي وقال "اصعد بسرعة، قبل أن نبتلي بأحد غيرك".
لا أدري حقيقة ما الذي فعلته له، أو إن كان يعرفني قبلا وسبق واخطأت بحقه ووجد فرصته للاقتصاص مني!!
على كل حال انحنيت برأسي للسمراء الغريبة، وهممت للدفع عن كلينا. وذهبت للجلوس بجانبها وتشكرت لطفها وشكرتني لأني دفعت بطاقة الباص عنها.
جلست بأدب ولملمت جسدي كي لا أزعج حتى أفكارها، كنت أتحرق لأتعرف بها، وكان يبدو عليها ذات الرغبة.
بينما كنت استجمع أفكاري لإيجاد طريقة، إذا بالأبواب تفتح بقوة معلنة السماح للركاب بالهجوم داخل الحافلة، ارتعبت جداً، وصارت دقات قلبي كالفهد اللاهث خلف غزالة، لا أدري لما كل هذا الخوف بغتة؟ ضحكت هي وأخفت فمها بيدها اليسرى، التي وهي ترفعها نحو فمها، أصابت طرفي الأيمن. وهكذا وصلني تيار أشعلني راحة.
كان لابد من أن أقول لها أني أحببتها، فأجاب صوت من رأسي بالله عليك يا هذا، ما هذا؟ ليأتي صوت من يدي، دعك منه ومدّ يدك وألقي عليها السلام، واترك علي أمر بقائي بيدها.
مددت كفي معلنا "أنا غريب"، ودون تردد "وأنا زينة". قلت شكراً، فالآن صار للغريب زينة. ردّت عفواً، كيف يبقى غريباً من وجد له داراً؟
وتوقف الكلام، ودارت عجلات الحافلة المكتظة متثاقلة، وسط ازدحام، لأول مرة يكون غير مزعج. وكما وعدتني يدي بقيت في ذاك الكف النحيل، الأسمر، الباهت، الصغير في وسطه، ذو الأصابع الطويلة، المطلية بالزهري الفاتح، المشغولين بعناية ناعمة.
هدأت بعد هذه المعركة، رغم أني ما زلت واعياً لمراقبة كل تفاصيل المشهد العُنفي من حولي، ولكم الشراسة التي يتعامل الناس بها مع بعضهم. وبقيت أذناي تسترق ما يتناهى إليها من أحاديث الركاب، التي كانت بأسرها تصرّح عن امتعاض واستياء ومقت لكل ما يعيشونه من ضغوط فاقت حد الكآبة.
لوهلة جنونية، تخيلت أني وقفت وسط الحافلة وأنا ممسك بيدها، وصرت أصرخ بهم قائلاً: "أحبكم، أحبكم جميعاً، أشعر بألمكم، وجع كل واحد منكم يمرّ بي. أتريدون لأنفسكم راحة بعد هذا التعب؟ أحبوا ذواتكم، وأحبوا بعضكم بعضاً، تسالموا، كونوا قنوات للطف واضبطوا ترددكم على الهداوة. لما كل هذا الغضب والعنف يا سادة، لما تفرغونه ببعضكم تباعا كما حال السلسلة بكل اتجاهاتها. أينما التفتنا نلقى منازعة ومنازلة ليفوز الأقوى، نشبه حرب الآلهة التي تعتقد موقنة أنها تمتلك كل المعرفة وختمت آخر مرحلة. أيها الناس، يا أبناء التراب، تذكروا نقصكم، واقبلوه، لا تخافوا منه، ليس كشيء سيء بل على أنه سبيل للتقدم في المعرفة. الخوف ينبت مخالب في تواصلنا، والحرية تنبت بشرة سلامية كالتي في يدي. نخاف أن نكون خيّرين أو أن نختار الخير حتى، لأنه بات يسوّق له على أنه خنوع، ضعف، ومهانة. متى هكذا كان؟
نصطاد الأخطاء بكل أنواع وأدوات الصيد، وننمي الموهبة لتصير حرفة وامتهاناً لسوانا. نتربص بكل آخر، ناطرين هفوة، لنحولها إلى قضية ورواية، وعلكة بين أنياب آكلي سمعة البشر.
أنادي كل جميل تبقى فيكم، بعد أن شوهتكم الحضارة الخداعة، تلك الحداثة التي عوض أن تجمع وتقرّب، فرّقت وباعدت. عوض أن تساعد الإنسان، جلبت على نفسها العار.
أنادي حماسكم الغافية، افيقوا قبل أن تتحول لغيبوبة، لا تكونوا مرجع أحكامكم ومصدر قيمكم وجوهر الأخلاق، كلا. احتكموا إلى المثل والفضائل العليا والعامة. ولا تُقنعوا وتقنّعوا أنفسكم على أنكم مركز هذه الدائرة، نحن لسنا إلا غرباء ومارّة آتين برسالة، وكم جميل أن نعتني بفحوى كل عبارة برحلة هذه الرسالة.
أحبكم، أحبوا بعضكم".

وإذا بصوت يأتي من الخلف "أنزلني على اليمين لو سمحت" حينها أدركت أنني كنت مستغرقاً بأحلام اليقظة، وأنني كدت أصل إلى وجهتي، حيث المكان الذي عليّ النزول فيه. فلا يدٌ تمسك بيدي، والفتاة السمراء زينة كانت قد نزلت قبل بضع محطات لا أعلم عددها أو أين هي. وتحسست يديَّ فوجدتهما قابضتين بقوة على كتاب صغير، وباردتين جداً حدّ الزرقة. لم يسمع السائق طلب الراكب، فطلبت منه أن يتوقف لينزل السيد العجوز، فهاجمني السائق بقوله: "لماذا تصرخ فيَّ؟ أتظنني أصم، منذ ان صعدت إلى الحافلة وأنا منزعج منك". دون أن أنبس بحرف، تحول المكان لصالة متناحرة، وانقسم الركّاب بين مؤيد لي، ومناصر للسائق. 

وأنا ما زلت مستهجناً ما يدور حولي من منافسة، لما كلُّ هذا الاحتقان؟ لماذا ذهبت يا صاحبة اليد الجميلة؟ ترى أين أنت يا زينة؟ كيف لي أن أحفظ نفسي؟ وجدتها! سأهبط من تلك الحافلة وأترك ما فيها لمن فيها. 

قبل الموقف المحدد، تركت الباص وأعلنت رحيلي عن هذا الخط، وأنني لن أكرر هذا الخطأ، بركوب الحافلة مهام كان السبب. 

في طريق الوصول نحو البيت، تذكرت مسترجعاً كثيراً من القصص والأحداث التي أمرُّ بها، لأجد النتيجة وأنا أضع المفتاح في الباب، دخلت ووقفت أمام المرآة هازّاً برأسي، باسماً، يا لها من حافلة كبيرة، بعجلات مربّعة، تؤلمنا عند كل نقلة، وعند كل موقف وتوقف.

لن أخرج من البيت كثيراً، فبعد كل رحلة في هذه المدينة الحافلة، والحافلة المدينة، لابد من نوبة شقيقة، وها أنا أوثّق بعضها بعد زوال آخر خروج وآخر هجمة.

وتبقى زينة، أجمل من أن أصفها.

  6
  9
 4
مواضيع مشابهة
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال
Rolan Tayarah
13 فبراير
لا أعرف ماذا يمكن للمرء أن يعلق على، أو ينفعل مع، هكذ نص ... هذا نص مجنون.. واذا كانت الشقيقة ستفضي لهكذا جملة عن زينة.. فأهلا بالشقيقة...
  1
  2
 1
Rolan Tayarah
13 فبراير
لم أرتو من تعليق واحد.. هاك هنا .. تدافع الناس الهستيري، ينعكس بطريقة مثيرة في تدافع الأفكار والتعابير والصور في حبكة النص، ليصير النص بكليته، حركة تدافع تجاوزت الصورة الحسية، لتُجسّد ذاتها في حركة النص ذاته.. هناك جنون حقيقي في حركة الكلمات ... الجملة الأخيرة صاعقة جمال بعد كل تلك الملحمة المجنونة..
  1
  2
 1
لينا شباني
14 فبراير
نصكَ المجنون هذا، أعاد لذاكرتي مسرحية "ركوب الباص" اليومية التي اقترفتها ذات زمنٍ فائت، بين منزلٍ بعيد وعمل عقيم في المدينة، مردوده الوحيد... صداعٌ نصفي، يخلفني ساخطة على العمل وعلى "عصفورية" اسمها "باص". وكأنني كنتُ معك في الباص، لا بل وكأنكَ تصف كلَ "باص" حملني مع قطيعٍ بشري عائدٍ إلى ملجئه بعد نهارٍ مجنون. الفرق بيننا... انك خسرتَ "زينة... تك" ذات شرود، أما أنا فكنتُ أخسر صوابي، ولا شيء غير صوابي. نصكَ جامح الجنون، راقي الجمال... وزينتكَ الفكاهية للنص، أجمل من أن توصف.
  1
  3
 2
عادل الديري أستافيف
15 فبراير
يا سيدي حتى زينة المسالمة كان لينتهي المطاف بها يومًا ما صارخة مزلزلة كباقي الركاب، ولن تنفع نعومة أناملها عندما ستلوح لك بسبابتها مهددة. ما إن تغادر البيت حتى تتنازل تلقائيا عن حقوقك في السلام والطمأنينة، ولكن هذا هو صليبنا، الخروج من البيت هو قدرنا…
  1
  2
 1