في غرفة المعيشة

شادي رزق

24 فبراير  .   8 دقائق قراءة  .    340

في غرفة المعيشة

في بيت بسيط، يشبه الكثير من بيوت الطبقة المتوسطة، لا تتجاوز مساحته المئة متر مربع، غرفة المعيشة تشكل الجزء الأكبر منه، تتداخل فيها أنماط من متعددة من التصاميم، بسبب تكرار الإصلاحات بالبنية الإنشائية، في كل مرة بزاوية حسب الضرر الحاصل. فالجدران مثلاً مزينة بأشرطة الكهرباء الممددة بشكل خارجي، منها لإنارة اللدات، بسبب انقطاع الكهرباء لساعات غير معدودة، وأخرى لخط الأنترنت الدخيل على البيت بسبب الحداثة التي تفرض نفسها دون ممانعة، وأيضا الأقدم منها الأشرطة الخاصة بالإضاءة البيضاء (النيون)، التي سادت في فترة الثمانينات. لون الطلاء تحت التمديدات الخارجية، سُكريّ ذو لمعة، خفت بريقه بسبب عوامل الفقر والزمن، تبدو بأماكن قليلة محاولات ترقيع على إصابات بسبب ضربة بالسلّم غير مقصودة، أو علامات خلّفها ظهر الأريكة.
طقم الجلوس، ذو قماش غامق، تبعاً لنظرية أنه يستطيع التحمل أكثر من حيث ظهور علامات الاتساخ والاهتراء. خشبه أصابته أكزيما الزمن وتقشّر وبدت عليه آثار جراح تشبه شكل أظافر قطة على يد طفل يلاعبها.
أما بقية أجزاء الغرفة فهي أكثر حداثة، بسبب فترة التقسيط التي تمتع بها موظفي القطاع الحكومي على بعض الأجهزة الإلكترونية والكهربائية، على شكل اقتطاعات على ما يسمونه الراتب الشهري.
وما لا يمكن نسيانه هو لوحة عرس الأب والأم في مطلع أيام الصور الملونة. وعلى الحائط الثاني لوحة كانفا من عمل يد الأم أيام الصبا، تصوّر فتاة من العصور الوسطى في حديقة أحد القصور، محاطة بإطار ذهبي محفور ومعتق. تتغنى بها ربة المنزل في كل فرصة، في حين أن الأبناء كل واحد يتمنى أن يضع مكانها لوحة تناسب ذوقه.

في الشتاء ثلاث أنواع من وسائل التدفئة، صوبيا المازوت، ودفاية الغاز ومثيلتها الكهرباء، للمداورة بينهم جميعاً حرصاً على مصادر الطاقة غير المتوفرة. مع انتشار لأغطية الصوف لكل واحد. وفي الصيف مروحة كهربائية ومروحة تعمل على البطارية. وكأنك تشعر أغلب الأوقات أن كل أمتعة البيت في هذه الغرفة. 
فواحدة من أكثر الصفات التي ما زالت تجمعهم، بشكل غير منظور ومعترف به علانية، هي أن كل واحد من أفراد الأسرة كلما استلقى على الكنبة الطويلة، طار محلقاً في مخيلته على أجنحة أحلام اليقظة، وهو يقوم بإعادة هيكلة هذا البيت القديم، وإنزاله على وضع الاسمنت وإعادة الكسوة والتقطيع، ورحلة التجديد نحو منزل جميل عصري مريح، خالي من كل هذه الألوان والروائح التي تفوح منذ أكثر من أربعين عاماً، بين الستائر وأقمشة الفرش ومساند الظهر ووسادات الأسرّة. وفي الأصوات التي تصدرها مفصلات الأبواب عند كل حركة.
الابنة الصغيرة، هند، في مقتبل العمر، جميلة الوجه، مجتهدة في جامعتها، لطيفة، محبوبة من جميع صديقاتها، طالما تخاطب نفسها، كيف سيكون رد فعل أهل الشاب الذي تحبه حين يأتون ليطلبوا يدها؟ وتأخذ الاسئلة المتكاثرة برأسها تزيد من امتعاضها تجاه البيت. وتنتظر كل لحظة للخروج من المنزل نحو الجامعة والعمل ولقاء الأصدقاء. لا تجد مكانا لها أو من يفهمها في بيتها، أمها دوماً تعاملها كوالدتها، بمعنى أنها لا تشعر أنها تتقرب منها كصديقة حتى لو بداعي معرفة أسرارها. 
أما الأخ الأوسط، داني، الدائم التلميح المبطن لعدم رضاه عن الحالة الاقتصادية للعائلة وخجله من دعوة رفاقه إلى منزله الصغير الذي لا يمكنه أن يتسع للعبة شدة يوم الخميس مع رفاقه. هؤلاء الذين يحسد كلّاً منهم على منزله الحديث والكبير الذي يحظى فيه كل فرد من العائلة بغرفة مستقلة مع تجهيزاتها. فهو دائم التعب بسبب المقارنة التي يقتات ذهنه عليها. التي تجعله مستمر الشكوى  والانتقاد والامتعاض على مسمع أمه الصامتة بألم، فهو لا يتجرأ على هذه الألفاظ أمام والده، الذي سوف يخصمه بزورة دون الحاجة للتفوه بكلمة.
الابن الأكبر، هاني، يبدو حسن المطلع، قليل الشكوى، كثير الأدب، مَرضيّ لوالديه، ينفّذ كل الطلبات مع ابتسامة تطلب الشكر، يعتني بإخوته الأصغر ودائم الاهتمام بتفاصيل حياتهم، رغم أنهم لا يحبّون هذا الدور الذي يلعبه معهم، لإحساسهم الدائم بأنه تمثيل لكسب المطامع، التي لا يعلمون ما هي أصلاً، هذا إن وجدت طبعاً.
في حين أن هاني كلما دخل غرفة المعيشة هذه، تحوّل داخلياً ليشبه إخوته، فتجتاح رأسه أفكار أكبر من الإصلاح والتجديد والتوسيع. فجلّ ما يتمناه دون أن يفصح هو أن يأتي إليه والده ويطلبه ليجلسا معاً كرجلين ناضجين، كبار السن والعقل، ويباشر أبو هاني الكلام، يا ابني يا هاني، ها أنت قد كبرت وأصبحت رجلاً أرفع رأسي به بين الناس، واذكر أنني وأمك تكلمنا عن هذه اللحظة التي نحن فيها الآن يوم ولادتك في المشفى، حين دمعت عيناي وقلت لها هل سيأتي يوم ونراه عريساً ويجعل منا جداً وجدة؟ وها هي الأيام يا قرة عيننا دارت لنكون هنا وأنا أخبرك أنني وأمك قررنا أن نبيع المنزل الغالي على قلبنا بغلاتكم أنتم الثلاثة، وهكذا سنشتري ثلاث منازل صغيرة في الريف الأقرب للمدينة، وبهذا أكون قد ضمنت مستقبلك أنت وداني، وبيت صغير لنا ننهي فيه أيامنا أمك وأنا التي بدأناها هنا.
تغوص عينا هاني دموعاً ويتوقف الكلام أمام هذه المشاعر المختلطة التي ضمناً يطغى عليها الفرح، ويخفي ملامحه الحزن خجلاً.

وينتقل هاني إلى حلم اختيار البيت ومكانه ومساحته وهيكله الداخلي وإطلالته، وهل ستقبل الفتاة التي يحبها عن بعد بسبب قلة حاله، بالسكن في بيت صغير على أطراف العاصمة دون سيارة. وكم من عام سيحتاج لتوفير ثمن سيارة صغيرة، وتكاليف العرس وشهر العسل وسواها.

ويتخلل الأفكار حسرته على والديه. وأنه بسببه سيضطران لترك هذا المنزل. ليصحو متذكراً أن هذه الانفعالات لا تتعدى كونها أحلام وشرود شاب وأمنيات رجل من طبقة لا تقوى على التمني حتى.

فلا يحلم أن يمتلك منزلاً بتعبه، ولا والده سيبيع المنزل، ولا أمه تملك ذهباً لتعينه. ويا لها من حلقة مفرغة تعصف فيها الأفكار بسرعة كالزوبعة، لتخمد بعد لحظات وكأنها شمس الصباح تغزو الصحراء بعد ليل بارد.
ويبدو أن كل شيء ينتهي حين يحل المساء كل يوم، حين يعود أبو هاني من دوامه الثاني في عمله الإضافي، ويدخل إلى منزله الذي لا يعجب أحداً سواه، ويتجه نحو المطبخ ليلقي التحية على رفيقة العمر ويقول لها كل يوم في ذات الوقت عافاك الله أنت تتعبين من أجلنا كثيراً، تستدير هدى لتنظر إليه وهو متعب، ليس بسبب جهد الوظيفة وساعات العمل الطويلة، بل بسبب الوضع والعمر، قائلة له سأبقى على وعدي لك بأنني كل يوم سأحبك أكثر، يا غاسل تعبي بحنانك.

يتحرك سعيد بأرضه دون أن يخطو، يخجل وتنكمش الكلمات ويتذكر أول لقاء لهما، ويقول لها جهزي العشاء ونادي الشباب ريثما أنهي حمامي وأرتدي بيجامتي لنجلس معاً، ويكمل بنبرة هازئة، لنستمع منهم على آخر أخبار هذه الأيام.
لا تقلق جميعهم بانتظارك في غرفة المعيشة.
ما إن يطل على أولاده، لتقفز هند لتقبّله بعد الحمام مستمتعة برائحة عطر الغار وتجلس جانبه بغنجها المعتاد.

ويبادره داني الوسطاني بالسلام أهلا بالحجي الحبيب، كيف حال يومك يا كبير، ليبتسم أبا هاني ويهز برأسه ويقول حمداً لله، إلى متى ستبقى تكلمني كأحد أصدقائك يا ولد.
وينظر نحو ولده الكبير، بعينه الدافئة، فيسبقه هاني قائلاً يعطيك العافية بابا.
ويأكلون معاً في نفس الغرفة، ويشربون الشاي بعد العشاء، وكل يخبر قصة لا تشبه شيئاً مما كان يجول في خاطره. حياتهم تدور أحداثها في هذه الغرفة.

غرفة فيها أعوام، تراكمت فيها سحب من الأمنيات والتوقعات، سنوات تتأرجح بين عالم الواقع ودنيا الخيال.
الوحيدة هدى التي تعلم كل الوجوه التي تتردد في هذه الغرفة وتعاين داخلها وترى الخارج. وتفهم كل واحد منهم، ويغلبها الحب والصمت وعدم المقدرة. وتوقن أنه سيأتي يوم قريب، تعود لتكون مع سعيد وحدهما، كما بدأت أيامهما منذ حوالي الأربع عقود. لتصبح كل أفكار الأولاد الذين كبروا في هذه الغرفة لوحات غير منظورة، يتذكرونها حين يأتون ليزورا البيت الأبوي يوم الجمعة مع عائلتهم الجديدة. ويخبرونهم بأيام الطفولة وكيف كانوا يدرسون ويلعبون ويتشاجرون على التلفاز هنا. وتبقى أفكارهم الماضية أسراراً شخصية لا أحد يعرفها كما يظنون، إلّا قلب الأم المكوي.
في غرفة المعيشة تدور رحى حياتين ومعالم شخصيتين لكل واحد من العائلة، الأبناء الذين من جهتهم يتمنون التغيير، والوالدين الغارقين من جهتهم بعدم الجدوى. فهي ليست مجرد غرفة في كل بيت، بل تلافيف أفكار تتقاطع مع بعضها بشكل غير منظور، تشحن الأجواء إلى حين، ويكفي حضن واحد ليعيد الرشد للجميع.
وأما باقي تفاصيل الغرفة، فكلنا نحياها.

  5
  5
 1
مواضيع مشابهة

21 فبراير  .  1 دقيقة قراءة

  0
  9
 0

06 يوليو  .  3 دقائق قراءة

  1
  7
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال
لينا شباني
16 مارس
يا لها غرفة، تمتد على طول عالمنا العربي. حيث المنازل مسرح الأحلام، وأوضاع الوطن مقبرتها. كعادتكَ دوماً شادي، تصور الواقع بانسيابية وجمال.
  1
  1
 2