# قِصّةُ قِصّةٍ

- Writer: شادي رزق
- Published: 2021-01-27
- Topic: تجارب شخصيّة
- URL: https://mirdad.app/articles/450/قِصّةُ-قِصّةٍ
- Source: Mirdad (mirdad.app), an Arabic writing and reading platform. Every piece is reviewed by an editor before it is published.

يومٌ ماطرٌ بغزارة، وكأن السماء تعوَض كل ما فاتها منذ
بدء انحباسها الشتوي. وتحت مظلته السوداء بدأت معركة البحث عن مواصلات للعودة إلى
المنزل بأقل الخسائر الممكنة من البلل. وبالطبع هذه العملية الشاقة تحتاج لسير على
الشارع عوضاً عن الرصيف، كي يتمكن من اصطياد سيارة تقلّه إلى مقصده، وهنا معركة
أخرى بين كرّ وفر هرباً من رشقات إطارات السيارات التي لا تحمي منها المظلة، وقفزاً
فوق برك المياه المتناثرة بين فتحات الشارع والتي تسلل داخل الحذاء لتجمّد
القدمين، وتحوّل طريقة المشي إلى حالة البطريق. 

  لكن؛ فجأة يتحفز العقل ليبحث عن صور جميلة يعزّي بها
نفسه في وسط هذا الوصف وعتمة الشوارع، فلا يجد إلا أن يراقب قطرات الماء على أضواء
السيارات والباصات الكبيرة والأبخرة التي تلاحق فوهات السيارات لتصطدم بقطرات
الماء ويلعبا معاً فواحدة تتبدد بالجو والأخرى ترتطم أرضاً، آخذة من بعضها شذرات كما
من عطر عاشقين امتزج بعد عناق في الخفاء. 

  هذه الاختلاجات بين الصورة والحالة والواقع ومحاولة
تخطيه، يتبدد بلحظة وعي يحرّكها ما تبقّى صاحياً من ذهنك، عبر إرساله إشارات للجسد
المُبتل، تُشعره بالتهديد كمنبه الصباح، ليخاف حتى من ظلّه المتكسر على خطواته في
الماء، ويتشكل لديه إحساس دائم بأنه ملاحق ومهدد من المارّة ليسبقه أحد على عربة،
ومن الرشقات المائية ومن الهواء الذي يسحب المظلّة عنه. فيزول كل ما حوله ويبقى
الاضطراب سيداً. 

  إلى أن تُفرج الأسارير للحظة حين يجد ضالته بتلك العربة
الصفراء للأجرة، فيعتريه شعور جميل بالأمان وكأنه وصل إلى البيت. ويعود ليصحو على
أنه سيستقل تلك السيارة رغم أنه يعلم أنه بسبب هذا الطقس سيدفع ضعف الأجرة للسائق
الذي يتحكم الآن بمستقبل انتظاره هنا. ويقرر بجرأة أن يصعد ويفاصل ليحصل كالمعتاد
الاحد الأدنى من الخسائر. ولرفع المعنويات بإمكانية تحقيق إنجاز ما يبدد شيئاً من
حالة القلق.  

  نعم، أتت سيارة الأجرة بعد طول انتظار، ركب الشاب إلى
جانب السائق المسن، وكلاهما شارد العينين، وكلٌّ ينتظر الآخر أن يبادر بالحوار، فالطريق
طويل، وبالطبع بعد جدال الأجرة الذي حُسم سريعاً لمصلحة السائق. 

  إذا بجرس جوال الشاب يرنُّ، وبدت عليه ملامح التردد بين
أن يجيب أو لا، ثم بطرف عينه تفحص المكان حوله وقرر الإجابة.  

  وكان الكلام يدور حول رواية أو قصة بين انتهت أم بعد في
أواخر فصولها، والوقت المحدد وتجاوزه، وهو حول قرار اسم القصة وصورة الغلاف، وكان
الشاب يضبط انفعاله ويجيب بلطف وبعين حالمة يرى الكتاب وبعين حزينة وكأنها لن تره. 

  ما إن أغلق هاتفه، سأل الشاب السائق أن يهديه سيجارة في
حال لا يمانع التدخين في السيارة. وبلهجة طرافة ودعابة أجاب الشيخ أعطيك بشرط! قال
له أمرك. رد الشيخ أن تخبرني:  

  -       
ما هي قصة رواية
محكومون؟ 

  -       
فابتسم الشاب ونظر بوجه
الشيخ الجميل والصادق، وقال: بدأت القصة مع الكاتب، كنت صغيراً وكنت أرى خالتي
والتي مازالت تحضّر أطروحة الدراسات العليا، بحكم أننا كنا نعيش ببيت أهل والدتي
مع الجدين والبقية، وكنت قد بدأت أتكلم بضع كلمات كأي طفل!! وأهله في قمة السعادة يرونه أذكى طفل في العالم، وكنت أذهب إليها وأجلس معها على طاولتها المتواضعة وأردد
دا يا دا (اسمها كما تمكّنت من لفظه) ألم بدي ألم (أي بلهجة الطفل أريد قلماً). 

  -       
ومنذ ذاك اليوم بدأت
قصته باكتشاف العلاقة بين الألم والقلم، أليس كذلك؟ قال الشيخ 

  -       
نعم، هكذا أخبرني بعد
أن عرف ذلك عندما كبر بالطبع. 

  -       
هل تعرف عنه أيضا
أموراً أخرى؟ 

  -       
أجل، أخبرني ذات مرة
طرفة تجعلك تعرفه أكثر بين سطورها. في يومه الأول بالمدرسة، أوصلته والدته، التي
يرى فيها الحياة مجتمعة من السماء إلى دركات ما في الأرض. كان الأطفال كعادتهم
يبكون ويتعلقون بأهلهم ولا يريدون الجلوس وراء مقاعد الصفوف. ولا تعلو إلا أصوات
البكاء ومشهد أيدي الأطفال ممتدة تريد العودة لالتقاط يد الأمهات، والمعلّمات يحاولن
بشدة غصب أفواههن على ضحكة، دون طائل، فالنهاية أن الأهل سيذهبون والأطفال سيبقون
تحت رحمة حقيقة الأساتذة!! ولكن الممتع والغريب كان كما أخبرته والدته لاحقاً وكما
كان يفرح لكل مرة تذكر فيها القصة لتعزز شعوره بالنجاح، أنه حين وصل إلى صفه مباشرة
ودون سابق إنذار أفلت يد أمه التي يعشقها، وذهب وحده بخطى ثابتة ليجلس خلف كرسيّه وفي
المقعد الأول الذي يتحاشاه الأطفال، وأخذ وينظر إلى حبيبته الأبدية ويقول: (بدي
انجح، هيه هيه، بدي انجح، هيه هيه). 

  -       
إلى متى بقيت صداقتكما؟ 

  -       
مازالت وباقية، لماذا
تسأل؟ 

  -       
أريد أعرف أكثر عن قصة
الرواية 

  -       
حسناً، سأخبرك باختصار
كما هي القصة الحاضرة والغير الموجودة. 

  -       
كيف؟ لم أفهم! 

  -       
في أحد أيام الشتاء
الداخلي، كنا معاً، كان فرحاً وقد كان أنهى روايته الأولى والأخيرة، التي كان يكتبها
على أوراق منفصلة غير مرقمة، وليس على دفتر متماسك ومترابط، وكنت دوما ألومه
وأطالبه بتبيّضها رسمياً. لكنه أحب عبثه وعبثها، إلى أن وفجأة وكما هو حال غدر
الشتاء، هبَّت ريح قوية في رأسه، بعثرت أوراق روايته في أرجائه، فصرت أساعده
بلملمة الأوراق التي كان من المستحيل أن يعاد ترتيبها كما كانت، فتحولت إلى ضجيج.
وكان تارة يبكي بدمع دون صوت، وتارة يستكين مرتاحاً للقدر، مستسلماً بلا مشاعر.  

  -       
ثم ماذا؟ 

  -       
ما إن استجمع الصدمة،
إذا بالمطر يهطل فجأة أيضاً على خراب الأوراق، فسالت الكلمات على بعضها وتلونت
الصفحات بين أزرق الحبر وسواد أمطاره. رأيت عيناه جامدة كأن عليها ثلج، وعلى جنب
ثغره طرف ابتسامة ساخرة. 

  -       
ماذا فعلت له أنت؟ 

  -       
صار هو يتكلم ويتكلم
ويرغي ويزبد، جُملة وراء جملة، كل شتاء رأسه أصبح يخرج عبارات غير مفهومة كمصير
روايته. ثم بدأ يبوح بحقائق غريبة وكأنها نبوءات ويتأوه، ويقول أنا أعرفكم، وأعرف
عنكم، الويل للصمت، الويل للكذب، الويل للهرب. 

  -       
عذراً منك، أنا سألتك
ماذا أنت فعلت؟ 

  -       
كنت أنظر إليه وكأنه
لوحة تشبه زمن النهضة تحمل داخل إطارها تفاصيل تمتد إلى أطراف الحائط خارجها، كلما
هدأ قليلاً يعود ليرفع ويفتح يديه ويقول لماذا؟ مع كتفين مضمومين إلى رأسه
المشتعل، ثم يردف ويقول مَن؟ ويستكين ليعاود وما النفع؟ 

  -       
ما بك يا سيد، أنت أنت ماذا
فعلت؟ 

  -       
ما بك أيها الشيخ،
لماذا لا تريد أن تفهم أنت؟ أم أنك فهمت وتخاف على نفسك من أن تكون أن أيضاً بطل من
أبطال الرواية؟ أتعلم أنني ما أتيت مرة إلى نفسي ووجدتها على حالها؟ هل عُدتَ أنتَ
مرة إليك؟ منذ متى استقلت من المحاولة وصرت تهرب لسؤال الآخرين من الركاب حولك طول
النهار. 

  -       
على رسلك يا بني، ها قد
شارفنا على الوصول، أين تريد أن تنزل بالضبط؟ 

  -       
سامحني يا عم، وشكراً
لك، هناك عند البيت الذي على الناصية 

  -       
قبل أن ترحل وقد لا
نلتقي ثانية، فرحي بِكَ كبير لأنك على الأقل ما زال هناك ما يهزّك، من اليوم أعدك
أنني سأزور المكتبات بشكل يومي إلى أن أجد اسم روايتك واشتريها وأقول للركاب أن
الكاتب صديقي. 

  -       
دفع الأجرة، ونزل
مغموراً بالماء بين المطر والدمع. 

  قد يتبع....!!
