# رحلةُ ولادة

- Writer: مهدي زلزلي
- Published: 2021-03-07
- Topic: قصصٌ وروايات
- URL: https://mirdad.app/articles/861/رحلةُ-ولادة
- Source: Mirdad (mirdad.app), an Arabic writing and reading platform. Every piece is reviewed by an editor before it is published.

بقلم مروة رزق من مشغرة - لبنان

لم يكن أمرُ ولادتي سَهلاً. رِحلتي بين العالمَين كانَتْ مختلفةً كثيراً عن رحلات أصدقائي، وعمَّا أخبَرَتْنا بِهِ الجدّاتُ هُناك.                                                                                                         

اللحظةُ لا توصفُ، بل تُعاش فقط.. سَيَصعب عليَّ شرحُها، ولكنني سَأحاول.                                       

يَكادُ عقلي الصغيرُ لا يفهمُ أسرارَ الحملِ والولادة، ولا يستطيعُ التعاملَ مع كلّ الأحداثِ التي عشتها أثناء هاتين العمليّتين العظيمتَين، وكلّ الذكرياتِ التي أختزنُها ولا أستطيعُ الإفصاح عنها لأنَّ أحداً لن يفهمَني.               

يبتسمُ الواقفون فوقَ رأسي. يقومون ببعضِ الحركات. أضحكُ، فتصبح ضحكتي إنجازاً بالنسبة إليهم. لو كانَ باستطاعتي أن أحدّثهم عن إنجازاتي الخاصَّة، عن بطولتي في الوصول، وعن معاناتي في رحلةِ الولادة.       

كانَتْ أمّي أثناء فترة حملِها بي مندهشةً تماماً، وكانَتْ دهشتُها تزيدُ مع كلّ مرحلةٍ وتطوّرٍ للجنين، كانتْ تحاولُ أن تفهمَ كيفَ تحملُ روحاً أخرى بداخلِها. أسمعُها في الداخلِ، لكنَّني منشغلٌ في استيعاب فكرة انتقالي من عالمٍ واسعٍ مليء بالأصدقاء إلى حيّزٍ ضيق ومظلمٍ يغمُرُهُ الماء، ومع الوقت، وجدتُ في أُمّي المواساة، فكنتُ كلَّما شعرتُ بالضيقِ نَقَرتُ على جدارِ بطنِها الداخلي، فربَّتَت عليَّ من الخارج.                                         

قبلَ أن أنتقلَ إلى رحمِ أمّي كنتُ في عالمٍ يجتمعُ فيهِ كلُّ مَن سَيأتون إلى الحياة، هناك نكون كلنا معاً لكننا نعبُرُ في أوقاتٍ مختلفةٍ، صديقي المفضَّل ذَهَبَ قبلي بِسَنةٍ. أعتقد أنَّه نَسيني الآن، لكنَّنا سنلتقي يوماً. هذا مؤكَّد، فقد تعاهَدْنا على ذلك.                                                                                                       

وبمحاذاةِ عالمِنا هناكَ عالمُ الجَدّات، أو عالمُ من كانَ في الحياةِ وانتقل منها، أو بمفهوم البشر "مات"!

مَضَتْ الشهورُ التسعةُ في رحمِ أُمّي، وبعدَما اعتدتُ الظلاَم وَصوتَ النبضِ، حانَ وقتُ الخروجِ. سَأشتاقُ لـ "ريما" كثيراً، وسأبقى أحبَّها حتى ألتقيها مجدَّداً حينَ تولد بعدَ ثلاثِ سنواتٍ في مكانٍ ما.                          

بَدأَ انقباضُ الرحم، وَكَم شَعَرتُ بالأسى على أمّي، وبالدهشةِ أيضاً. إذ كَيفَ لها أن تحتملَ الألم؟ لكنَّها كانتْ منشغلةً عن الألمِ بمحاولة فهم كيفيّة خروجِ الروحِ من الروح.                                                       

كانَتْ الجدّةُ قد أخبَرَتْني أنَّنا نخرجُ الى الحياةِ من خلال ممرٍّ يَدفعُنا إليهِ انقباضُ الرحم، ومنه نَرى أوَّلّ خيوطِ الضوء، لكنّ ذلك لم يحصل، وكانَتْ تلك الانقباضات تعصرُني تارةً وتصفعُني تارةً أخرى، والتفَّ شيءٌ ما حول عنقي وكاد أن يخنقني، فأخرجوني من فتحةٍ كبيرةٍ في أعلى الرحم، ليدخلَ الضوءُ كلَّهُ في عيني ويُحرقني..                                                                                                               

وفيما أنا أنتظرُ أن تستقبلني أمّي وتضعني على صدرِها فأسمع نبضَها، حَمَلتْني يدانِ غليظتانِ، ووُضِعتُ على لوحٍ وسكبوا فوقي الماء، حاولتُ مِراراً إخبارَهم أنَّني منزعجٌ، فلم يفهمَني أحدٌ. أنا أيضاً لم أفهم ما يقولون. لم أكن قد تعلمتُ لغتَهم بعد كي أفهم سببَ عبوسِهم وانقباضِهم.                                                         

في تلك الليلةِ، كان يجبُ أن أكونَ في مكانٍ دافئٍ، تلامسُني يدا أمّي بحنانٍ، لكنَّهم مدَّدوني وَحيداً في صندوقٍ زجاجيّ باردٍ موضوعٍ في مكانٍ مظلم، خفتُ كثيراً وشَعَرتُ بالوحشةِ والقلقِ وانعدامِ الأمان، افتقدتُ الأصدقاءَ والجَدَّةَ، وعتبتُ كثيراً على الأمّ التي ترَكَتْني أقضي ليلتى الأولى في صندوقٍ زجاجيّ يشبِهُ التابوت. سَيَمرَّ وقتٌ طويلٌ قبل أن أعلمَ أنّ نصيبَها كان صندوقاً آخر لا يختلفُ عن "كوفازي" في شيءٍ سِوى أنَّه خشبيّ.             

وكانَتْ ليلتي الأولى في الحياةِ كالليلةِ الأولى في الموت.
