# كواكب وأقمار

- Writer: جاد ونوس
- Published: 2021-03-07
- Topic: قصصٌ وروايات
- URL: https://mirdad.app/articles/867/كواكب-وأقمار
- Source: Mirdad (mirdad.app), an Arabic writing and reading platform. Every piece is reviewed by an editor before it is published.

 في مدينة أعطت للزمان لساناً رطباً وقالت له انطق فأومأ ما أنا بناطق على أرضك، كانت أطنان من الأسماك الصغيرة وأشياء أخرى لا تُرى تفرغ في ساحات المزاد القذرة والعصارة السوداء تواصل الصب في البحر محولة إياه لسد من الأحماض والسخام. استيقظت أرض المسافات القصيرة والجماجم المحنطة نحو الجنوب، مدينة تزرع التماثيل الذهبية فوق الحور المقطوع وتقايض العيون بالمحار الفارغ. الشوارع المزركشة بتلال القمامة على أطرافها تستعد لاستقبال الضوء الأول ومخلوقات لا تملك من حواسها الخمس إلا الشم والتذوق. ترتفع الشمس ببطء والأمواج ما تزال ترمي الحبال والسلالم علها تتخطى السور وتغمر ألواح الأبجدية المنقرضة.

 

كان سِوار مستلقياً على سريره الأزرق في غرفته التي تختنق جدرانها بلوحات آحادية اللون وصور حيوانات مفترسة ومجسمات متدلية بسلاسل معدنية، النوافذ مفتوحة إلى حدها الأقصى وباب الغرفة ينفتح وينغلق تلقائياً بحسب اتجاه وشدة الهواء. ينظر إلى خريطة الرطوبة في السقف ويحدث نفسه بصوت مسموع: "­فضاء يعج بالكواكب والأقمار واللون كحلي مخملي مضطرب كأنما ريشة رسام جلغمت المسام، مجسات من الضوء الأحمر الليزري تتدلى من الظلام القماشي وتخترق البصلة السيسائية لكائنات تعيسة يائسة... ليس من أحد غيرك يا سِوار يعرف قيمة الخيال السائل".

 

ينهض من السرير. يغسل وجهه ويقتل البكتريا المزدهرة طوال الليل في فمه وأسنانه. يتجه نحو غرفة النحيب الزجاجية ويتسمر عند الباب.

 

زارا: وجه أبيض لبني، شامات منثورة على الخد الأيسر وجبين واسع، تجلس على كرسي متزعزع القوائم مسندة ذراعيها إلى طاولة بلاستيكية مموجة ببقايا السكر اليابسة وبقع على شكل وجوه، عينان شاردتان وأنف يشبه حبة القهوة. يتراقص خيال ذبابة كبيرة على حائط الغرفة وهي تنطح الزجاج المجلد في محاولة يائسة للدخول. تقول زارا بعد أن تنبّهت لوجود سِوار. "الخارج مجرد بقعة مملة ومكتشفة ولا بد لسفنها من أن تلج إلى الداخل حيث الحقيقة والذهب، ولكم ستكون الصدمة باردة وثلجية حين تدرك أن الغرفة كالخارج سراب وباطل". تصنع زارا شقا في النافذة وتدع الحشرة تنسل منه. يسألها سِوار إن كان كل شيء على ما يرام فلا تجيب. يشعر بسخافة السؤال، ثم يطرحه على نفسه. "لا شيء". يدير ظهره لها ويتحسس أكوام الطمي والطين المتيبسة حول قلبه. "وصل اللون الأصفر إلى الحلق وتحولت الدورة الدموية إلى مد وجذر. الجديد بات حذاءً وقناعاً وزياً تنكرياً عند القديم. والحياة صارت نفقاً للتشوه والموت اللئيم".

 

راحت أصوات صاخبة يصحبها هدير ثقيل مزعج باحتلال الفراغ، وهي تنصِبُ الصحن الاسمنتي لبرج تجاري ضخم في الشارع المجاور.

 

يرتدي ثيابه ويهبط إلى الواقع معدوم الملامح. يشتري القهوة ويسير بلا وجهة محددة نحو الشجر الأخضر أينما رآه. يراقب الناس تمشي، تهرول، تركض، تلهث، تجلس، تموت وتتمعج تحت مدحلة الذل وكرات الخوف الطاحن للعظام. "ما بالها هذه الجغرافيا مشلولة لا تتحرك! الناس يعلمون الحقيقة ولا ينطقون، ينظرون إلى الكواكب بطرف أعينهم ولا يشيرون إليها. قدر الأرواح أن تكون عنفة للزوابع لا أعشاباً يابسة، والكلمات أسماك قرش لا رسالة محشورة في بطن الزجاجة. مجسات من الضوء الأحمر الليزري تتدلى من الظلام القماشي وتخترق البصلة السيسائية لكائنات تعيسة يائسة. متى تسقط التفاحة في بلادنا؟ وإلى متى تحكمنا مقصلة اللافعل والتأجيل؟".

 

بعد زمن من التيه والسير بلا بوصلة يجد نفسه بجوار البحر. يرخي عجيزته إلى الحائط الحجري القصير ويرمي كوب القهوة الورقي رمية بعيدة نحو سلة المهملات. لقد انهزم. منذ أن بدأت النيازك والكويكبات تهدد رأسه بالدمار وهو يدرك ذلك. لطالما قال له عشرات الأشخاص عبارات مثل: "نعول عليك الكثير يا سِوار، تمتلك بين كتفيك صندوقاً عجيباً فلا تهدر محتوياته، الإنجازات العظيمة خلقت لك وهي قدرك يا سِوار، منذ أن نظرت في عينيك أول مرة رأيت الموهبة الصافية وعلمت أن لك مستقبلاً باهراً". حتى زارا التي باتت تمقته اليوم كتبت له على الصفحة الأولى من الكتاب الهدية "إلى الذي وقفت حائرة لأصف ما أحب فيه... إلى من أحببته كله وأحببت....". ولكنه انهزم. وطوال سيره لم ير بهجة واحدة، حتى الأشجار التي عشقها كانت تدب على جذوعها وتعبر أمام عينيه بيضاء سوداء بيضاء سوداء كيعسوب خسر ألوانه وأجنحته المتداخلة وبات دودة زاحفة.

 

تأخذ الشمس مكاناً حساساً في السماء وتبدأ بنز لهب النار على المدينة المحترقة أصلا. يحسم سِوار أمره مقرراً الذهاب إلى ميناء الصيد والنزهة القريب من مكان وقوفه. يقفز كالجندب من ظل إلى آخر، هرباً من قرص السماء النووي. يصل إلى بوابة المينا الواسعة وتستقبله أول ما تستقبله صورة هائلة لشخصية كاريكاترية مهيبة تنظر بحزم ولامبالاة وتشير بسبابتها إلى القوارب والسفن. يتمعن سِوار بالصورة لبعض الوقت ويلاحظ أنها مغلفة بعناية وتلمع من شدة النظافة، بينما الأرض حولها تغرق بالقمامة والأوساخ. يعبر البوابة والحرارة تصهد من الزفت وبقايا المقصورات الحديدية المتآكلة. يجول ببصره ماسحاً أرض الميناء وأكواخ الصيانة والزوارق المحالة إلى التقاعد والحيّد الصخري الذي يجلس عليه الصيادون من الفجر حتى الفجر. يضع اللسان الصخري نصب عينيه ويتجه نحوه، وفي الطريق إليه يرى مجموعة من الجرذان السمينة تتناهش على أمعاء دجاجة خلفها ورائه أحد الصيادين بعد أن كان يطعّم شباك الصيد بها. "الجرذان اللعينة" يتمتم. يصل أخيراً إلى المكان المنشود، ينتقي صخرة مستوية ويسترخي عليها. البحر أمامه صفحة ملساء لا لون أزرق فيها تطفو عليه الفضلات وبقع الزيت والوقود.

 

يخرج سِوار منديلا من جيبه ويمسح العرق عن جبينه ورقبته. يستأذن الرجل الجالس بقربه للحصول على جرعة ماء. يشرب ويعيد الزجاجة إلى سلة القش الفارغة إلا من العجين وبعض الطعوم النتنة.

 

"كيف حال الرزق يا عم".

 

"الحال كما ترى، نصطاد الملح" يقول الرجل دون أن يلتفت لمحدثه. يسحب خيط الصيد ذي البكرة بسرعة ورشاقة، يضع طعماً جديداً ويرمي السنارة بخفة إلى أبعد نقطة ممكنة.

 

يتأمل سِوار وجه البحر اللزج، بينما قشعريرة باردة تضرب يديه ومحيط صدره. يفكر "هذه الجثةُ تحفر عميقاً في التربة. ترمم قبرها وتطيل أظافرها وتفقأ عينيها كبذور الأكيدنيا، تحشو وسادتها وتدثر نفسها بالصوف والأكفان. ما فائدة آلاف السنين إن كان الوطن بلا أحلام؟ وما نفع الأحلام إن كانت في بئر بلا دلو؟ وكيف نبني الحياة الجديدة وعود الثقاب لا يشتعل؟".

 

يسرح ببصره نحو خط الأفق ويشعر أن له قروناً جالساً على نفس الصخرة. يثب واقفاً ويقول للرجل بفرح وصوت مبحوح "اليوم سأصعد، اليوم سأصعد إلى القمر مشياً على الأقدام، اليوم سأصعد".
