# شبابيك

- Writer: Ola Shams
- Published: 2021-03-15
- Topic: تجارب شخصيّة
- URL: https://mirdad.app/articles/961/شبابيك
- Source: Mirdad (mirdad.app), an Arabic writing and reading platform. Every piece is reviewed by an editor before it is published.

 منذ اللحظة الأولى التي حطت بها قدماي على أراضي هولندا المنخفضة، لفت انتباهي منازلها ذات الشكل المميز. تصميم

المنازل في هولندا والذي يذكّر كل من يراها بتلك البيوت التي اعتدنا رسمها في طفولتنا. مربع يحمل مثلثاً  ذو سقف قرميدي
وله نافذتان على كلا الطرفين يتوسطهما باب المنزل الرئيسي. ويمتد أمام البيت طريق متعرج يصل بامتداده لضفة نهر جميل
يقع على الطرف المقابل من المنزل. لمن يعرف هذه المنازل عن قرب سيتفق معي أن الأجمل في هذه المنازل هي النوافذ
العريضة المنبسطة على مستوى نظر المارة. والتي تستقبلك بانشراح عند مرورك بجانبها. تروي لك حكاية عن الذي يعيش في
هذا المنزل.
تبدو تلك النوافذ كواجهة المحلات عند مرورك بجانبها من الطرف الخارجي منها، كبيرة وواسعة ولماعة ومكشوفة. أغلب
النوافذ مرتبة وأنيقة وتحمل طابعاً شخصياً مختلفاً باختلاف أصحابها. ومن شدة اهتمام الناس بنوافذهم فإنهم يضعون لمساتهم
الشخصية عليها والتي تساعدك على فهم شيء عنهم شخصياً. وكأنها رسائل مبطنة. يزودونها بتفاصيل تلفت انتباهك. هذه
التفاصيل التي يزودون بها نوافذهم ستساعدك على معرفة ميولهم السياسية مثلاً أو انتمائهم الديني أو العرقي وقد تدلك على
معرفة أصولهم التي ينحدرون منها. قد تجد هناك من يضع ستارة خفيفة تمنع العيون المتلصصة عن المنازل ليلاً لكنك لن تراها
منسدلة في أغلب الأوقات وإن وجدت.
كنت أتساءل دوماً عن السر الذي يدفع الهولنديين لترك نوافذهم مفتوحة بهذا الشكل دون وضع حواجز أو ستائر قد تخفي
المنزل من الداخل؟! إلى أن أدركت أن نوافذ الهولنديين تشبههم إلى حد كبير. بعد انتقالي لهولندا واحتكاكي بالسكان
وانخراطي بمجتمعهم أدركت كم هم واضحين ومكشوفين كما نوافذهم. لا يخفون مشاعرهم وإن كانت ستزعجك، ولن يتنازلوا
عن رأيهم وإن كان رأيهم لا يناسبك، ويعتمدون على الصدق والوضوح والصراحة في تعاملاتهم. والثقة هي المعيار الذي
يعتمدون عليه في ثقافة الصدق التي يتبعونها.
وتعيد إحدى الدراسات التي قرأتها ، صراحة الهولنديين الزائدة إلى جذورها القديمة ، التي تمتد إلى الحركة الكالفينية، نسبة إلى
جون كالفن، أحد رموز حركة الإصلاح البروتستانتي، التي انتشرت في هولندا في القرن السادس عشر. على الرغم من أن
الغالبية العظمى من الهولنديين الآن لا يؤمنون بأية ديانة، بحسب الإحصاءات الرسمية! إلا أن إقرار المذهب الكالفيني قديماً أن
المسؤولية الفردية هو السبيل للخلاص من العالم المليء بالخطايا، وهذا يتحقق من خلال محاسبة النفس، والصراحة التامة،
والرصانة ، ونبذ 'المتعة'. وفي الوقت نفسه يفرض عليهم الاستمتاع بالثروات . واستمرت هذه الثقافة بالانتقال جيل بعد آخر
ليهوى الهولنديون فكرة الوضوح وما يصاحبها من شفافية.
كوني ابنة ذاك المجتمع الشرق أوسطي فأنا أعي تماماً الاهتمام بتفاصيل المنازل هناك والاهتمام بالستائر كان من
الأولويات. ستائر تزدان بها غرف المعيشة وغرف النوم والمطبخ أحياناً. طبقات القماش الفاخرة والمنسدلة من السقف والتي
تصل لتغطي جزء من الأرض في بعض الأحيان بشكل مبالغ فيه كنوع من أنواع الفخامة المتكلفة. عدا عن سعرها الباهظ ، فقد
كان هناك مبالغة دائمة بتصميم هذه الستائر. كلما كانت أكثر تعقيداً وتكونت من طبقات أكثر، كلما كانت من النوع المفضل
والمرغوب به أكثر. استمعت للنقاشات التي تدور عن أحدث التصاميم للستائر وعن أشهر المحلات التي اشتهرت بتفصيلها
وتجهيزها. وأجلس مستغربةً من نقاش صديقاتي المقبلات على الزواج عن المبالغ والأفكار المطروحة لشراء تلك الستائر.
منذ ذلك الوقت اتخذت قراراً ضمنياً سارعت بالبوح به وتنفيذه في منزلي بعد ذلك ، بأن أقوم بوضع أبسط أشكال الستائر أو
من الممكن الاستغناء عنها كلياً. المنازل في دمشق تملك نوافذ جميلة ولكنها دوماً مغطاة من الداخل بأكوام من الستائر التي
تعدم وجودها. كنوع من الحشمة والحفاظ على خصوصية الأفراد داخل البيوت. ولكن أن تصل تلك الخصوصية لوضع أنواع
من الستائر على شرفات المنازل كفرض نوع من أنواع حماية الخصوصية كان شيئاً مبالغاً به.

كل من واكب المرحلة التي عشت بها في قطر قبل انتقالي إلى هولندا، يعلم عن معاناتي بنوافذ المنازل هناك. فالمنازل في قطر
تملك معظمها نوافذ صغيرة غير قابلة للفتح بشكل كامل. وذلك لعدم حاجتك لفتحها بذاك الطقس الصحراوي الحار جداً
ولإستخدامك المكيفات على الدوام. على مدار سنوات حياتي الطويلة هناك والتي امتدت لعقدين من الزمان فقد لاحظت أنه
كلما تطور العمران هناك ، كلما انحسرت أحجام النوافذ في البيوت. الشبابيك تقلصت بالحجم والاتساع ، وقد تفتقدها في بعض
الغرف أيضاً. أعجَب من تفكير المهندسين الذين قاموا بتصميم تلك البيوت الخالية من النوافذ في أغلب غرفها!
خلال المدة التي قضيتها في قطر كنت استيقظ صباحاً لأبحث بعيّني عن خيوط الشمس المتسللة من شباك الغرفة الصغير
ليصل إلي خجولاً، حيياً. أعيش في بلاد الشمس وأبحث بها عن أشعتها المحبوسة خارج جدران منازلنا. كنت أتحسر لفقدان
الاستمتاع بتلك النعمة التي يجهلها من تعامل معها بهذا الكم من الاستخفاف بالرغم من وفرتها لدينا. شعرت دوماً وكأن هناك
حاجز يفصل ما بين السماء ومنزلي. شبابيك بلا روح ، لا تجذبك لاكتشاف ما تخفيه داخلها.
في منزلي الهولندي ذو السقف القرميدي والواقع بجانب قناة مائية تحمل جسوراً صغيراً ، امتلك نوافذ واسعة وعريضة
ومكشوفة أيضاً، حملّتها تفاصيل دمشقية لتدل على أصولي السورية. أمضيت عامين في ذلك المنزل دون أن أضع ستائر
لغرفة المعيشة وبعدها اكتفيت بوضع ستارة شفافة مزخرفة كنوع من أنواع الزينة التي قد استخدمها ليلاً عند الضرورة. أضع
بجانب النافذة مقعدين مواجهين له لأستمتع دوماً برؤية السماء التي يوصلني مداها بسماء الذين أحبهم.
كلما جلست على مقعدي المجاور للنافذة فكرت كيف أن حياة مجتمعاتنا العربية تشبه نوافذ البيوت في سورية. آلاف الحواجز
التي تفصلنا عن هذه الحياة الواسعة، وآلاف الأغطية التي تخفي عن عيوننا الحقيقة الواضحة للعين المجردة، وآلاف الستائر
التي تمنع الضوء من أن ينير حياتنا. وكنوافذ بيتي القديم في قطر والتي تمنع الآخرين عن رؤيتنا ، وتأسرنا داخل إطار صغير
يحجب الرؤية أكثر مما يساعد عليها، وتساعدنا على اخفاء كل شيء عن ثقافتنا وديننا وميولنا وتوجهاتنا، وكأن ما يشغل بالنا
دوماً  كيف سنخفي هويتنا عن الآخرين. أفتقد الآن للشمس التي يندر تواجدها في أوروبا ، وإن وجدت فهي لا تشبه شمسنا
التي اعتدت عليها. ولكنني أسعد برؤية السماء من نافذتي وأدرك منذ أن امتلكت مثل هذه النوافذ الكبيرة وغير المغطاة
بطبقات من الستائر بأن حدودي الآن أصبحت أبعد من هذه السماء.
