شادي رزق

في بيت بسيط، يشبه الكثير من بيوت الطبقة المتوسطة، لا تتجاوز مساحته المئة متر مربع، غرفة المعيشة تشكل الجزء الأكبر منه، تتداخل فيها أنماط من متعددة من التصاميم، بسبب تكرار الإصلاحات بالبنية الإنشائية، في كل مرة بزاوية حسب الضرر الحاصل. فالجدران مثلاً مزينة بأشرطة الكهرباء الممددة بشكل خارجي، منها لإنارة اللدات، بسبب انقطاع الكهرباء لساعات غير معدودة، وأخرى لخط الأنترنت الدخيل على البيت بسبب الحداثة التي تفرض نفسها دون ممانعة، وأيضا الأقدم منها الأشرطة الخاصة بالإضاءة البيضاء (النيون)، التي سادت في فترة الثمانينات. لون الطلاء تحت التمديدات الخارجية، سُكريّ ذو لمعة، خفت بريقه بسبب عوامل الفقر والزمن، تبدو بأماكن قليلة محاولات ترقيع على إصابات بسبب ضربة بالسلّم غير مقصودة، أو علامات خلّفها ظهر الأريكة.
طقم الجلوس، ذو قماش غامق، تبعاً لنظرية أنه يستطيع التحمل أكثر من حيث ظهور علامات الاتساخ والاهتراء. خشبه أصابته أكزيما الزمن وتقشّر وبدت عليه آثار جراح تشبه شكل أظافر قطة على يد طفل يلاعبها.
أما بقية أجزاء الغرفة فهي أكثر حداثة، بسبب فترة التقسيط التي تمتع بها موظفي القطاع الحكومي على بعض الأجهزة الإلكترونية والكهربائية، على شكل اقتطاعات على ما يسمونه الراتب الشهري.
وما لا يمكن نسيانه هو لوحة عرس الأب والأم في مطلع أيام الصور الملونة. وعلى الحائط الثاني لوحة كانفا من عمل يد الأم أيام الصبا، تصوّر فتاة من العصور الوسطى في حديقة أحد القصور، محاطة بإطار ذهبي محفور ومعتق. تتغنى بها ربة المنزل في كل فرصة، في حين أن الأبناء كل واحد يتمنى أن يضع مكانها لوحة تناسب ذوقه.

في الشتاء ثلاث أنواع من وسائل التدفئة، صوبيا المازوت، ودفاية الغاز ومثيلتها الكهرباء، للمداورة بينهم جميعاً حرصاً على مصادر الطاقة غير المتوفرة. مع انتشار لأغطية الصوف لكل واحد. وفي الصيف مروحة كهربائية ومروحة تعمل على البطارية. وكأنك تشعر أغلب الأوقات أن كل أمتعة البيت في هذه الغرفة. 
فواحدة من أكثر الصفات التي ما زالت تجمعهم، بشكل غير منظور ومعترف به علانية، هي أن كل واحد من أفراد الأسرة كلما استلقى على الكنبة الطويلة، طار محلقاً في مخيلته على أجنحة أحلام اليقظة، وهو يقوم بإعادة هيكلة هذا البيت القديم، وإنزاله على وضع الاسمنت وإعادة الكسوة والتقطيع، ورحلة التجديد نحو منزل جميل عصري مريح، خالي من كل هذه الألوان والروائح التي تفوح منذ أكثر من أربعين عاماً، بين الستائر وأقمشة الفرش ومساند الظهر ووسادات الأسرّة. وفي الأصوات التي تصدرها مفصلات الأبواب عند كل حركة.
الابنة الصغيرة، هند، في مقتبل العمر، جميلة الوجه، مجتهدة في جامعتها، لطيفة، محبوبة من جميع صديقاتها، طالما تخاطب نفسها، كيف سيكون رد فعل أهل الشاب الذي تحبه حين يأتون ليطلبوا يدها؟ وتأخذ الاسئلة المتكاثرة برأسها تزيد من امتعاضها تجاه البيت. وتنتظر كل لحظة للخروج من المنزل نحو الجامعة والعمل ولقاء الأصدقاء. لا تجد مكانا لها أو من يفهمها في بيتها، أمها دوماً تعاملها كوالدتها، بمعنى أنها لا تشعر أنها تتقرب منها كصديقة حتى لو بداعي معرفة أسرارها. 
أما الأخ الأوسط، داني، الدائم التلميح المبطن لعدم رضاه عن الحالة الاقتصادية للعائلة وخجله من دعوة رفاقه إلى منزله الصغير الذي لا يمكنه أن يتسع للعبة شدة يوم الخميس مع رفاقه. هؤلاء الذين يحسد كلّاً منهم على منزله الحديث والكبير الذي يحظى فيه كل فرد من العائلة بغرفة مستقلة مع تجهيزاتها. فهو دائم التعب بسبب المقارنة التي يقتات ذهنه عليها. التي تجعله مستمر الشكوى  والانتقاد والامتعاض على مسمع أمه الصامتة بألم، فهو لا يتجرأ على هذه الألفاظ أمام والده، الذي سوف يخصمه بزورة دون الحاجة للتفوه بكلمة.
الابن الأكبر، هاني، يبدو حسن المطلع، قليل الشكوى، كثير الأدب، مَرضيّ لوالديه، ينفّذ كل الطلبات مع ابتسامة تطلب الشكر، يعتني بإخوته الأصغر ودائم الاهتمام بتفاصيل حياتهم، رغم أنهم لا يحبّون هذا الدور الذي يلعبه معهم، لإحساسهم الدائم بأنه تمثيل لكسب المطامع، التي لا يعلمون ما هي أصلاً، هذا إن وجدت طبعاً.
في حين أن هاني كلما دخل غرفة المعيشة هذه، تحوّل داخلياً ليشبه إخوته، فتجتاح رأسه أفكار أكبر من الإصلاح والتجديد والتوسيع. فجلّ ما يتمناه دون أن يفصح هو أن يأتي إليه والده ويطلبه ليجلسا معاً كرجلين ناضجين، كبار السن والعقل، ويباشر أبو هاني الكلام، يا ابني يا هاني، ها أنت قد كبرت وأصبحت رجلاً أرفع رأسي به بين الناس، واذكر أنني وأمك تكلمنا عن هذه اللحظة التي نحن فيها الآن يوم ولادتك في المشفى، حين دمعت عيناي وقلت لها هل سيأتي يوم ونراه عريساً ويجعل منا جداً وجدة؟ وها هي الأيام يا قرة عيننا دارت لنكون هنا وأنا أخبرك أنني وأمك قررنا أن نبيع المنزل الغالي على قلبنا بغلاتكم أنتم الثلاثة، وهكذا سنشتري ثلاث منازل صغيرة في الريف الأقرب للمدينة، وبهذا أكون قد ضمنت مستقبلك أنت وداني، وبيت صغير لنا ننهي فيه أيامنا أمك وأنا التي بدأناها هنا.
تغوص عينا هاني دموعاً ويتوقف الكلام أمام هذه المشاعر المختلطة التي ضمناً يطغى عليها الفرح، ويخفي ملامحه الحزن خجلاً.

...

24 فبراير   .  8 دقائق قراءة

  5
  5
 1

في وسط المدينة، إنه يوم الأربعاء منتصف الأسبوع، وحوالي منتصف النهار، وقت الظهيرة، وقت ذروة ازدحام الناس والسير.
خاصةً وأن الطقس كانونيّ بارد، السماء مختفية خلف غيوم رمادية كئيبة، تنذر بسقوط المطر، في المدينة التي طالما تفاجأت بالمطر، وسرعان ما تطوف أزقتها ببضع زخات وقطرات ماء هاربة بالخطأ.
هنا، تبدأ المارة بالاستعجال، والتدافع، وتبدو على وجوههم علامات الاستعداد للعنف، فتتفتح عيونهم وتتسع حدقاتهم وتتسارع أنفاسهم، ويتقدّم رأسهم مع جذعهم العلوي على عجالة خطاهم، فتلوح شحنات العدائية في مفاصل الصقيع.
كل هذا، للحاق بالمواصلات، والاختباء تحت سقف سيارة أجرة تقلّهم إلى منازلهم بعد يوم مضني، لا يختلف بشيء عن سواه، إلا اسم اليوم وتاريخه وكثرة الهموم.
هذا المكان، هو مركز انطلاق للحافلات بكافة اتجاهات المدينة، حيث يعتبر مركز تجمّع تقريبا لكافة الشرائح والتصنيفات والتقسيمات الاجتماعية، عدا فئة يختلف كثيرون على حجمها وعددها، هم الطبقة الغنية أو كما يطيب لي وصفها بالمستغنية، ولا أعني بالكلمة حديثي الغنى، بل من كلمة استغناء. ولست بصدد تبرير قصدي إن كنت أعني به سلبا أم ايجابا.
اقتربت من المكان متخذاً كل ما استطعت من الاحتياطات تجاه البرد، وتفادي العنف والوقوف في المشاكل، والنشل، والأهم دقة وسرعة الحركة باختيار الباص والصعود إليه.
لكني جفلت لوهلة، فالمشهد العام يوحي بتدافع المساجين للخروج لحظة إعلان جرس التنفس، أي الخروج لفناء الحبس. أي إن جاز التعبير قرع جرس الباحة في المدرسة.
لا لا، المشهد يشبه أكثر مشفى الأمراض العقلية، ولكن في الأفلام حين يصورون جناحاً خرج عن السيطرة، بدأ النزلاء بالركض جيئة وذهاباً وكأنهم اضاعوا السبيل.
وصارت الأفكار برأسي شبيهة بالخارج، هل أصعد، أم أعود سيرا على الأقدام، أم أخاطر بأخذ سيارة أجرة وادفع الثمن لبقية الشهر.
خطرت لي فكرة، واعتقدت أنها ستكون حركة فريدة وذكية. ذهبت بخطوات جاسوسية، متسللا بين الجموع، لأصل إلى الباص الثاني، الذي ينتظر دوره بعد ذاك الأشبه بحلبة المصارعة. السائق خمسيني، حنطي شاحب، لم يحلق لحيته منذ آخر مرة استحم فيها. شاهد نظرتي التوسلية وأنا أقف عند الباب المقفل، ملوحا له بالرجاء، مغلقا عيناي نصفهما وضامّا كتفاي ورافعا إياها لأخفي رقبتي، بشيء من تذلل طفولي.
في لحظة، باغت السائق شعور بالنشوة، وأخذ يجوب بمخيلته أنه مدير عام أو ضابط أو ربما ملك تحوطه الجواري والخدم. وأهم فكرة راودته، أن أمر حياتي كله بيده، وكأنني موظف حكومي ينتظر توقيعه على تقاعدي. كل ما يجول في خاطره إحساس بالسطوة عليّ.
ليصحو فجأة، لكن بشكل يشبه العجلة التي داهمها مسمار، وذاب كالجبن على النار، وذبل كما شخصية كرتونية في برامج الأطفال بالثمانينيات، ومد يده اليسرى للضغط على الزر الأتوماتيكي ليفتح الباب، وكأنه يقطف وردة شامية من سور بستان.
تعجّبت أيما تعجب، وانفرجت أساريري شاعراً بالحنان، وسامحته بحق كل الهوّة الوجودية الشاسعة التي تفصل بيننا. ظنّاً مني أن روحاً لمسته ليصعدني، حيث ارتاح لمظهري الذي يبدو عليه الترتيب والأناقة.
لكن للأسف لا، إنه التستوستيرون يا عزيزي، فأنا لم انتبه لوصول فتاة يافعة وقفت بين خلفي وإلى جانبي، لتومئ له برغبتها بالصعود. هنا تنحيت جانباً لها، بابتسامة جانبية ساخراً بها على نفسي، مطلقاً زفرة عالية من أنفي على شكل ضحكة.
صعدت الشابة، وهمّ السائق بإغلاق الباب المزعج، فبادرته الصبية بلطف "لو سمحت يا عم، دعه يصعد، إننا معاً" رأيت نار غضبه عليّ في عيونه جلية. وبصوتٍ متزن أجابها "تكرمي" والتفت نحوي وكأنه ألقى القبض علي وقال "اصعد بسرعة، قبل أن نبتلي بأحد غيرك".
لا أدري حقيقة ما الذي فعلته له، أو إن كان يعرفني قبلا وسبق واخطأت بحقه ووجد فرصته للاقتصاص مني!!
على كل حال انحنيت برأسي للسمراء الغريبة، وهممت للدفع عن كلينا. وذهبت للجلوس بجانبها وتشكرت لطفها وشكرتني لأني دفعت بطاقة الباص عنها.
جلست بأدب ولملمت جسدي كي لا أزعج حتى أفكارها، كنت أتحرق لأتعرف بها، وكان يبدو عليها ذات الرغبة.
بينما كنت استجمع أفكاري لإيجاد طريقة، إذا بالأبواب تفتح بقوة معلنة السماح للركاب بالهجوم داخل الحافلة، ارتعبت جداً، وصارت دقات قلبي كالفهد اللاهث خلف غزالة، لا أدري لما كل هذا الخوف بغتة؟ ضحكت هي وأخفت فمها بيدها اليسرى، التي وهي ترفعها نحو فمها، أصابت طرفي الأيمن. وهكذا وصلني تيار أشعلني راحة.
كان لابد من أن أقول لها أني أحببتها، فأجاب صوت من رأسي بالله عليك يا هذا، ما هذا؟ ليأتي صوت من يدي، دعك منه ومدّ يدك وألقي عليها السلام، واترك علي أمر بقائي بيدها.
مددت كفي معلنا "أنا غريب"، ودون تردد "وأنا زينة". قلت شكراً، فالآن صار للغريب زينة. ردّت عفواً، كيف يبقى غريباً من وجد له داراً؟
وتوقف الكلام، ودارت عجلات الحافلة المكتظة متثاقلة، وسط ازدحام، لأول مرة يكون غير مزعج. وكما وعدتني يدي بقيت في ذاك الكف النحيل، الأسمر، الباهت، الصغير في وسطه، ذو الأصابع الطويلة، المطلية بالزهري الفاتح، المشغولين بعناية ناعمة.
هدأت بعد هذه المعركة، رغم أني ما زلت واعياً لمراقبة كل تفاصيل المشهد العُنفي من حولي، ولكم الشراسة التي يتعامل الناس بها مع بعضهم. وبقيت أذناي تسترق ما يتناهى إليها من أحاديث الركاب، التي كانت بأسرها تصرّح عن امتعاض واستياء ومقت لكل ما يعيشونه من ضغوط فاقت حد الكآبة.
لوهلة جنونية، تخيلت أني وقفت وسط الحافلة وأنا ممسك بيدها، وصرت أصرخ بهم قائلاً: "أحبكم، أحبكم جميعاً، أشعر بألمكم، وجع كل واحد منكم يمرّ بي. أتريدون لأنفسكم راحة بعد هذا التعب؟ أحبوا ذواتكم، وأحبوا بعضكم بعضاً، تسالموا، كونوا قنوات للطف واضبطوا ترددكم على الهداوة. لما كل هذا الغضب والعنف يا سادة، لما تفرغونه ببعضكم تباعا كما حال السلسلة بكل اتجاهاتها. أينما التفتنا نلقى منازعة ومنازلة ليفوز الأقوى، نشبه حرب الآلهة التي تعتقد موقنة أنها تمتلك كل المعرفة وختمت آخر مرحلة. أيها الناس، يا أبناء التراب، تذكروا نقصكم، واقبلوه، لا تخافوا منه، ليس كشيء سيء بل على أنه سبيل للتقدم في المعرفة. الخوف ينبت مخالب في تواصلنا، والحرية تنبت بشرة سلامية كالتي في يدي. نخاف أن نكون خيّرين أو أن نختار الخير حتى، لأنه بات يسوّق له على أنه خنوع، ضعف، ومهانة. متى هكذا كان؟
نصطاد الأخطاء بكل أنواع وأدوات الصيد، وننمي الموهبة لتصير حرفة وامتهاناً لسوانا. نتربص بكل آخر، ناطرين هفوة، لنحولها إلى قضية ورواية، وعلكة بين أنياب آكلي سمعة البشر.
أنادي كل جميل تبقى فيكم، بعد أن شوهتكم الحضارة الخداعة، تلك الحداثة التي عوض أن تجمع وتقرّب، فرّقت وباعدت. عوض أن تساعد الإنسان، جلبت على نفسها العار.
أنادي حماسكم الغافية، افيقوا قبل أن تتحول لغيبوبة، لا تكونوا مرجع أحكامكم ومصدر قيمكم وجوهر الأخلاق، كلا. احتكموا إلى المثل والفضائل العليا والعامة. ولا تُقنعوا وتقنّعوا أنفسكم على أنكم مركز هذه الدائرة، نحن لسنا إلا غرباء ومارّة آتين برسالة، وكم جميل أن نعتني بفحوى كل عبارة برحلة هذه الرسالة.
أحبكم، أحبوا بعضكم".

وإذا بصوت يأتي من الخلف "أنزلني على اليمين لو سمحت" حينها أدركت أنني كنت مستغرقاً بأحلام اليقظة، وأنني كدت أصل إلى وجهتي، حيث المكان الذي عليّ النزول فيه. فلا يدٌ تمسك بيدي، والفتاة السمراء زينة كانت قد نزلت قبل بضع محطات لا أعلم عددها أو أين هي. وتحسست يديَّ فوجدتهما قابضتين بقوة على كتاب صغير، وباردتين جداً حدّ الزرقة. لم يسمع السائق طلب الراكب، فطلبت منه أن يتوقف لينزل السيد العجوز، فهاجمني السائق بقوله: "لماذا تصرخ فيَّ؟ أتظنني أصم، منذ ان صعدت إلى الحافلة وأنا منزعج منك". دون أن أنبس بحرف، تحول المكان لصالة متناحرة، وانقسم الركّاب بين مؤيد لي، ومناصر للسائق. 

...

14 فبراير   .  7 دقائق قراءة

  6
  9
 4