الكتبُ، حاملات الرُّوح٣ دقائق
الكتبُ، حاملات الرُّوح
كتبٌ وكتّاب

الكتبُ، حاملات الرُّوح

Faten Fouaany
Faten Fouaany · ٣ دقائق قراءة · ٢٤ مشاهدة
الكتبُ، حاملات الرُّوح
Faten Fouaany

01 يناير  .   3 دقائق قراءة  .    24

يعتريني يقينٌ أنَّ الكاتب يبقى مرتبطًا بكتبه مهما توالَدَت أعدادها أو كَثُرَت ترجماتها وإن كان الكِتاب خَلقًا، كلُّ خَلقٍ تُنفخُ فيه الرُّوح وكلُّ روحٍ لا يتركها خالقها. يراها أينما تذهب، يناديها وتناجيه، يرعاها وتحفظُ ذكراه. تضيءُ له، على رفّ المكتبة، شمعةً وتدعوه لزيارتها. من يعلمُ ما يُمْكِنُ لتلك الكتبِ المغلقة مع أسرارها الدّفينة أن تفعلَ؟ مَنْ يسمع صلواتها وتمائمها؟ مَن يعي ما يمكنها استحضاره من العالم الآخر؟ قوّةُ الكلمات لا تضاهيها قوّة فكيف إذا كان مَن كتبها من خيرةِ صُنّاعها.

يقولون أنَّ البيوت الطّاهرة تزورها الملائكة أمّا تلك الّتي تُعشِّشُ فيها العتمة فهي مرتعٌ للشّياطينِ، تصولُ وتجولُ في رحابها. الدّايم يمرّ على كلّ بيتٍ صالحٍ ليلة الغطاس والأئمّة والقدّيسون يحضرون كلّ المجالس الّتي تُحيي ذكراهم. البيوت، حسبَ نواياها تُرزق، من ُزياراتٍ ماورائيّةٍ إمّا مُبارِكةً، إمّا لاعنةً.

زياراتٌ من نوعٍ آخرَ ومن صنفٍ فاخرٍ، تحصلُ للبيوتِ الّتي تضعُ كتبًا على رفوفها. زياراتٌ ليست بِحُسبانِ أحدٍ ودون معرفةٍ بأنّ الكُتّابَ يتوافدونَ أفواجًا أفواجًا إلى كلّ بيتٍ يحضن كتبهم.

لا بدّ من أنّ جبران قد رستَ سفينته عند كلّ بيتٍ يحضنُ "النَّبِيِّ" وتركَ شيئًا من حقيقته في إحدى زواياه. ما مِن شَكٍّ أنّ ميخائيل نعيمة قد "أُدْرِجَ" من باب قبره الصّخريّ الَّذِي أوصى بأن يبقى مفتوحًا وهامَ على "بيادره" يقطفُ حصادها. ينادي كتابُ "الغريب" كاتبه فيأتي ألبير كامو هائمًا على وجهه، يدخلُ البيوت من أبوابها صارِخًا بأهلها: "الكذب ليس انعدام الحقيقة بل المبالغة فيها. " وتدخلُ سيمون دو بوفوار بِخُطًى واثقة، تُلاعبُ السيجارةَ بين أصابعها، ثمّ تسحبُ أنفاسها حتّى آخرها. تلاحقُ بنظراتها تسلسل الكتبِ على الرّفوف باحثةً عن "الجنس الآخر" وعندما تجده، ترسمُ ابتسامةً ساخرةً على وجهها وتهزّ برأسها فرِحَةً راضيةً وعبارة إليزابيث بادنتر تطنُّ في أذنيها: " بالفعلِ، أنتنَّ مديناتٌ لي، يا نساء العالم. "

نعتقد بأنّ توفيق يوسف عوّاد سيقدم وهو "يجرُّ رجله العوجاء وعلى وجهه بقعٌ من الغبار المزمن"، هو غبار القنبلة الأهليّة الّتي مزّقته إلى أشلاء ولكنّه يأتي ببذلته الأنيقة وبنيته الشّامخة وشعْرِهِ المُسرَّح، ينفضُ بعصبيَّةٍ عن كتبه الغبار لكأنّه لا يطيقه ولا يحتمل رؤيته ويرمقُ بنظرةِ المُسائل قائلًا: " أنا لم أكتب هذه القصص عَبَثًا بل هي الحياة الّتي عشتها. "

المكتبة هي أكثر بُقَعِ الأرض ازدحامًا وأرقاها تجمُّعًا وذاك الصّمتُ الّذي يسود أرجاءها ما هو سوى خدعةٍ بصريّة بصيريّةٍ تنطلي على أصحاب قِصَرِ الرّؤية. شراءُ كتابٍ بمثابةِ إرسال دعوةٍ إلى كاتبه والنّوم، وهو يغفو في الأَسِرَّةِ، اعترافٌ بالحبّ ما بعده اعتراف. الويلُ، كلّ الويل إن اعتقد الياس أبو شبكة أنَّ قارئةً جميلةً قد هدهدَتْ كتابه "غلواء" في دفء أحضانها " فيأتي الأرضَ لكي يحبّها".

حذارِ التّعامل مع الكتب، حذارِ الرّسائل الّتي نمرّرها إلى كُتَّابها دون أن نعلم.

#كتب  #كتّاب  #قراءة  #حبّ

أنهيت القراءة

كيف وصلك هذا النص؟

2أثار تفكيري
2لمس قلبي

لا تعليقات بعد

  2
  2
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال