ماذا تريد أن تكتب اليوم؟
أهلاً بكم
"

مرداد

"، مِنصَّة تَواصُلٍ اجتِماعيٍّ
مُخصَّصةٌ للثَّقافة والفنّ والعلم والأدب.
قد يهمّك
قد يهمّك

.

11 فبراير . 1 دقيقة قراءة

كرنفال الموت

كرنفال الموت

.

11 فبراير . 1 دقيقة قراءة

  0
  0
  0
  • أرسل تقرير
  • إخفاء هذا المقال
  • إخفاء مقالات هذا الكاتب

.

09 فبراير . 5 دقائق قراءة

مثلث الغواية لإياد جميل محفوظ

مثلث الغواية لإياد جميل محفوظ

.

09 فبراير . 5 دقائق قراءة

  0
  0
  0
  • أرسل تقرير
  • إخفاء هذا المقال
  • إخفاء مقالات هذا الكاتب

.

23 يناير . 5 دقائق قراءة

الرصد المشهدي المتأني المستقصي للتفصيلات في مجموعة زبيدة لرولا حسينات

الرصد المشهدي المتأني المستقصي للتفصيلات في مجموعة زبيدة لرولا حسينات

دراسة نقدية
الرصد المشهدي المتأني المستقصي للتفصيلات
                      في
مجموعة (زبيدة) القصصية
للأديبة الأردنية رولا حسينات
بقلم : حسن غريب
كاتب روائي ناقد مصري

إن قصص (زبيدة) للكاتبة والمبدعة الأردنية رولا حسينات  (تهدد وتتوعد) القارئ بالشعر , فمن خلال قراءتي للقصص أكتشفت أن للعنوان دلالة خفية لا تبدو إلا بعد الاطلاع على محتوى الكتاب فالقص عند كاتبتنا ليس سردا والسلام إنما هو عبارة عن وجه والخلف أو القفا  هو وجه آخر فبعد قراءة القصة تتوقف وتقول :"آه هناك حكاية أخرى تطل من بين السطور فللمشهد ظله والظل يروي رواية قد تكون مخالفة للظاهر" وهذا ما يذهب إليه الشعر ' فالقصيدة البليغة هي التي تمتد بظلالها خارج معناها المكتوب على الورقة فتخلق أبعادا وايحاءات وتؤدي إلى سبل شتى.
إذن كاتبتنا المذهلة رولا حسينات مالت في قصصها إلى الشعر وبالتالي سلكت سبيلا شاقا يتلخص في الصعب الممتع ' لأن السهل الممتنع لا يقود إلى الشعرية عكس ما روجنا له طيلة عقود.
فالشعر لا يأتي بالسهل أبدا ' وتقرأ عناوين من المجموعة القصصية التي وردتني ( زبيدة) ( غرباء في البحر) ( غياب ) ( قطار الثامنة) ( لعنة البحر) الخ.....
ومنذ العنوان تجد رغبة فادحة في قراءة القصة تنفتح شهوتك وتتهيأ وترى أنك امتلكت أجنحة تستطيع بها التحليق فتدخل أو تطير إلى فضاء القصص فتسرح كل شيء على أشعر ما يرام إنك في بستان علوي مزدحم بالضوء ' حتى إذا أنهيت القراءة شعرت بأنك مازلت تريد المزيد وأن الكاتبة رولا حسينات  شوقتك وذوقتك قليلا فتعيد القراءة رغبة منك في الارتواء المستحيل .
إن المبدعة رولا حسينات تعمدت مع سبق الاصرار والترصد وباضمار بليغ أن تكتب قصصها بشاعرية ' أو تكتب قصائدها مستعينة بالسرد وأن تغري القارئ بأنثوية متسلطة تسلط ما تعسل من كلمات والمعاني داخل أسلوبها الأنثوي البالغ.
هذا هو عالم رولا حسينات القصصي ' وربما لأنها مبدعة أديبة شاملة  ومارست القراءة بكثافة وتعرف من أين تدغدغ القارئ فقد أبدعت قصصا مثمرة ومثيرة . 
إن مجموعة ( زبيدة ) هي قصص تحتفي وتدلل القارئ فيشعر وهو يقرأ أنه مدلل ونوع الدلال ثراء ورقي لغتها الرصينة والمهبطة والموجعة أحيانا . 
«هل نسمي أدب المرأة بأدب نسائي أم أدبا مؤنثا؟ فالمرأة العربية تكتب أدبا قد يكون جيدا متقدما وقد يكون متخلفا ولكن هذا لا يناقش، لأن حركة النقد في بلادنا العربية لا تزال قاصرة وبعيدة عن فهم وتقسيم الأدب الجيد الذي تكتبه المرأة»(1). 
قد يصعب مشاركة المؤلف كتاباته من القراءة الأولى. ولهذا وجب أن تكون هناك قراءة ثانية وثالثة، حلا للاشكاليات التي قد تواجهنا في فهم ما يبغيه المؤلف من نتاجه. خاصة إذا كان الكاتب يعالج قضايا إنسانية بحتة. تتعلق بالمصير في ظل صور متعددة مركزة أشبه ما تكون في حقيقتها كشفا لأسرارنا. فنجد أنفسنا منغمسين ومشاركين في تجربة المؤلف التي تتراءى لنا مثل نبع ماء صغير نتتبع تدفقه بهدوء وبطء، فنراه يشقّ الأرض ويفيض ليتحول إلى نهر جار، ينقلنا عبر حلم يقظة نعيشه لحظة القراءة، إلى عالم واسع مليء بمتاهات ومشاريع وحقائق فنتمنى أن لا ينتهي الكتاب.
في مجموعتها القصصية (زبيدة) تضعنا المبدعة رولا حسينات أمام عتبة دلالية يمكن الانطلاق منها إلى عالمها القصصي المتفرد والمكون من خمس قصص قد انتقيتها انموذجا بين يدي من عدة قصص أخرى مررت عليها .
وتكمن هذه العتبة في تحديد نقطة البداية «وهي اختيارها ضربا من الكتابة فيها مغامرة ورحلة إلى قيعان النفس البشرية، تنطلق فيها من ذاتها لتتجاوزها إلى ضمير الإنسان  عامة وهمومه وأوجاعه »(2) وهذه ميزة المبدع المتمرس. فقد استطاعت رولا وبالتقاطاتها الدقيقة للواقع اليومي أن تلج داخل نفوسنا وتحرك مشاعرنا لترغمنا على المشاركة الفعلية، فنرى أنفسنا نتألم أن صادفنا مشهد مؤلم، ونفرح أن غمرت السعادة أحد الشخوص، وقد نذوق المرارة ولوعة الترقب، ننصت لهمس أرواح الكلمات وكأننا أمام طقس مقدس. حياة مليئة بالالم والمصاعب، نقلتها إلينا رولا أو نقلتنا إليها. فترانا نودع مسراتنا وأحزاننا وبطواعية لحكايات البحر / الغياب والصحراء ، نتعاطف، ننهار، نبكي، في أجواء ومعاناة مكلّلة برؤى فلسفية اجتماعية، هي استكمال لقاموس الإنسان العربي وما يعانيه يوميا من سطوة وقهر وبطش ، «أراهم على أن كتابات الإنسان العربي سيلتقي حتما، مهما اختلفت مساراته في محور واحد وهو معاناة الإنسان المثقف في المجتمع اللا مثقف»(3). وقد نجحت المبدعة رولا حسينات في إيصال رؤيتها كاملة ، الذي يعتبر لاي كاتب أشبه بالسيرة الذاتية، يستطيع توظيفها بالشكل الذي يريد وحسب أسلوبه في الطرح، من خلال التدرج في المستوى الحكائي لرؤيته، ويمكن القول بشأن المحاولة إنها تثبيت تكرار ذاتي لتجربة فنية عميقة التجربة في الكتابة.
الكاتبة رولا تروي كل شيء، وتثير الاهتمام، كأنما ليس هناك متسع لها في مجاميع مقبلة، لا أقول... يجب تطبيق نظرية جبل الجليد للروائي ارنست همنغوي حرفيا، حين شبّه القصة القصيرة بجبل جليد عائم وسط البحر، لا يظهر منه سوى قمته، حيث يختفي أكثر من ثلثيه تحت الماء، بل من المستحسن على القاص ان يستفيد بصورة ما من الاختصار والتكثيف والصقل، مما يزيد من عنصري القوة والبناء في المتن الحكائي وكذلك إبراز سمات خاصة للاسلوب. وإن من الأهمية تجنب لعب دور الكاتب العليم الذي يتحدث بلسان بعض الشخصيات وخاصة الرئيسة. فالمرأة في كثير من الأحيان عند رولا تصبح حمّالة لأفكار الكاتبة، فنحس بالتعاطف والدفاع والتفكير... وكأننا أمام محامية او داعية حقوقية من أجل نصرة المرأة , وإبراز دورها في المجتمع، والمطالبة بحقوقها، فجاءت القصص أنثوية أحيانا ، فنرى «امرأة واحدة تتبادل الحضور في كل القصص. امرأة اسمها زبيدة كنبات بري... يختزن التجربة» (4). وهي بهذا تولي اهتماما كبيرا وربما مبالغا فيه بنساء القصص «وإذا كانت أغلب شخصيات رولا مثقفة تتكلم بعربية فصيحة فإن الشخصيات الأخرى الامية تتكلم بدورها لغة فصيحة أو قريبة من الفصحى» (5). انحياز عاطفي وفني من خلال رسم الشخصية وطريقة تفكيرها وتحركاتها داخل اطار القص، حتى لو كانت هذه الشخصية ثانوية ولا تظهر إلا في مقطع قصير، مثل زبيدة ابنة بائع النحاسيات في قرطبة  في قصة (زبيدة) التي شاركتها الحزن حين جعلتها (حمدونة ابنة زرياب ) تتعلم وتتدرب على فن العزف والغناء (   كان تعارفهما في حلقات عزف العود التي كانت تقام في المدنيات في قرطبة، حيث تعلمهن حمدونة ابنة زرياب فن الغناء والعزف... وحمدونة كانت من أبرع من أتقن الغناء والعزف على العود، فجعلت بنات قرطبة يقصدنها...) .
. وكذلك في قصة (قطار الثامنةوالنصف) فاللغة المستخدمة شعت حرارة وتدفقا إنسانيا كبيرا اغرق القصة بشحنة من العاطفة والمداراة غطت الشخصيتين المريضتين (الشاب المريض ) و (عم فتحي سائق القطار) وأضفت مسحة من الحزن عليهما. أما الشخصيات الرئيسة فكان لها حصة الأسد، (   شاب مثلي بهذه المواصفات في الوجه، وغيرها الكثير أخفيه تحت ثيابي الرثة...ربما استطعت ستره ولكني لم استطع احتمال آلامه؛ الكبد الطحال والمرارة تهيج بجوقة واحدة تدعكني ولا تتركني...مما جعلني أفيق على كابوس اسمه الموت، يلاحقني مع كل إغماضة عين، ولم يكن أمام مسكين مثلي أثقلته الحياة بفواتيرها إلا أن أبقى منصتا للأحياء، أعيش معهم وأعجن بمعجنهم...عم فتح الله سائق القطار، أعادني لنفسي ...
قال لي: سترى الحياة، لا تضع نفسك في قارورة ليكتشفك أحد، فربما مت قبل ذلك... ).
    ، دون الشعور بأن هذا (الشاب ) هو بشر وله أحاسيس ومشاعر وحقوق وعمق في الحياة، ورؤية غنية لا يستغنى عنها في المعادل الحياتي. فنقرأ في قصة (الغياب): «ونفس طاهر تحلق في سماء فاطمة وقد فاض غيمها بالصدقات والحب، لم تصل أيٍّ منها إلى صيوان أسماعهم، بل انزلقت قبل أن تغترف منه شيئاً، لم يكن أمام الحاضرين سوى أن تتململ أجسادهم المشوية من الشمس الضاربة أسافينها فوق رؤوسهم، والنساء من بعيد يرقبن تلك الجنازة المهيبة التي أوغرت في نفوسهن حقداً دفيناً لتلك التي أغاظهنَّ حبُّ الحاج طاهر لها في حياتها، تمنت كل واحدة منهن في نفسها أن تكون لها جنازة مهيبة وقلب زوج يسجنها فيه.
وبقيت نظراتهن ترقب كل صغيرة وكبيرة، وهن يزممن الشفاه، ويمددنها مع انتفاضة من الذراعين، وتقليب للكفين. الكحل الذي لم يتقاطر مع دموعهن الحبيسة ظل يوقظ الحجر ». نلاحظ أن المرأة (الغياب عن الزمن والحياة ثم الموت الفعلي لفاطمة) أسعد حظا وأكثر جرأة وقدرة على الانجاز، حين نقارنها بالمعلمة في قصة (غرباء في بحر الموت ) بالرغم من أن عبدالوهاب يشم رائحة الروث النتنة  ، فهو في ألم مستديم وحيرة تطاردها بين استحالة هروب الارهابين وافلاتهم من الجيش المصري في سيناء وسقطوهم قتلى بعد ذلك، فنقرأ: « ولأول مرةٍ يبتعد كل هذه الكيلومترات التي قطعها بالسيارة، ثم راكبًا ثم ماشيًا ثم عابرًا الأنفاق
المرصوفة بالحجارة السوداء، الأوتار الطويلة أو التي كان يظنها طويلة، هي التي كان يسيرها على الأقدام في الغيطان والمزارع. قبيلةٌ من الهزائم التي تسكنه والتي تنبت فيه روائح كريهة، ثرثرته ومبالغته في وصف نفسه، بأنّه الأفضل، المغامرات، المقامرات التي قام بها، ومنها كان فراره، هواجسٌ قدمها الحاج عبد الوهاب لبسيوني على طبقٍ من ذهب... تلك المطاردة التي قام بها الجيش المصري في سيناء، ولكنهم لم يستطيعوا القبض عليه، بل وسقط الكثير من أولئك الجند قتلًا بالرصاص، لم تغب هذه الحادثة عن باله، ويحلف بالله بأنَّ رائحة الروث مازالت عالقةً بجسده يشتمها كلما سكنت الريح. ثرثرة عبد الوهاب لا تعنيه، حتى حقيقة أولئك الجنود، الذين قتلتهم رصاصات المهربين التي يتمت أُسرًا يعولها هذا الجندي أو ذاك أو أيتامًا يعيلهم بعد وفاة أبويين... ». وفي قصة (لعنة البحر ) نقرأ فكرة سانتياغوعن المشهد اليومي الذي يراه لكنه يكتشف كل مرة شيئا جديدا , وهنا تأتي المبدعة  رولا بحزم تنقذ البطل من مأزقه اليومي في عرض البحر ، حيث تقوم بمساندته وتشجيعه على مواصلة الحلم وتحقيق الرغبة في الوصول الى الحرية المبتغاة فنقرأ: « المشهد اليومي الذي لم يصب سانتياغو بالملل، بل يرى فيه كل مرة شيئا جديدا ودرسا لم يدركه من قبل...وهو ما يجعله يبقي ناظره معلقا فيه، وهو يرقب امتلاء شبكته الملقاة في عرض البحر وحيدا بقاربه الذي تغمزه الشمس قبيل الفجر على استحياء، وهي يمني نفسه لو أنه يجمع ذلك المال الذهبي الذي تلقيه إليه وحده في عرض البحر، وتبقى النسور الصغيرة والمنحدر الصخري الذي تملأه الشجيرات الخضراء المقزمة هي ما تشعره بأن هناك من يشاركه أمنيته في جمع هذا الذهب...وقد بدت بيوتا ملائمة لتلك النسور في بناء أعشاشها ووضع بيوضها، وهي تتأمل الأسماك تلهو في امتداد صفحة البحر الملاصقة للسماء في أكثر المساحات المائية هدوءا من البحر الكاريبي...». أما في قصة (غرباء في بحر الموت) فنقرأ((يرقب كل ما حوله، ويرقبه آخر دون أن يدري طيلة الطريق يقلب هذا المتطفل الذي سيحشر أنفه في كعكته. هل سيكون ذراعه اليمين؟
ما يريده أن يكون كلمح البصر في إتمام صفقته المعتادة، خمسون سلاحًا رشاشًا وذخيرةً، عددًا من القنابل، رأس الحربة اسم كبير على هذا الغرِّ، وهو برأيه أحمق و فارغ العقل، لا يدري لِم خيل إليه ذلك؟!، ربما من وصف خيرية له، وهي تتمايل كأفعى تتراقص من السلال. الشيخ فوزي ملك الصحراء، وبوصلتها الرملية، لا يحب الوجوه الجديدة، لا يحب اللعب في مصلحة العمل، لِم لا يكون مخبرا أو مندسا؟...
أيٍّ كان هو لا يرتاح له، الشيخ فوزي أيضًا رغم أنه ملك الصحراء وإخطبوط السلاح، لا يعتبر نفسه تاجرًا، ولا يهوى إثارة الفوضى حوله، بل يريد أن يعيش بسلامٍ فوق صفقات السلاح... هو بنظره ليس تاجرًا، وليس مسلحًا، إنّما موردٌ للأسلحة، بالتأكيد هناك محركٌ له خارج اللعبة أكبر منه، وهناك أذرعٌ كثيرةٌ تدعمه ويهمها وجوده وبقاؤه حتى يأتوا بآخر ليحرقوا ورقته...
مع امرأة تتمايل كأفعى تتراقص من السلال ومعرفة وعلم الشيخ فوزي ببواطن الأمور وبوصلته للصحراء والقصة تسرد معاناة الذين يعيشون في الصحراء القاحلة ومرارة الحياة أيا كانت بها مناصبهم ومرتباتهم القيادية سواء شيخ أو قائد عسكري ففي كل الأحوال فهو في سجن كبير أيا كانت بها من ملذات الحياة  « كانوا واقفين وكأن على رؤوسهم الطير، يمدون أعناقهم إلى الأفق الموصد أمامهم، لم يعرفوا من الرائحة المكتومة رائحة النهار، ورائحة الليل كلاهما اختلاطا معا، ولم تعلق  في تلك الشعرات النابزة من أنوفهم. - أتجاوزت الشمس كبد السماء؟
الوقت قد قارب من الغروب وقرص الشمس بأعينهم مازال في كبد السماء، ورائحة العرق تعبق  أنوفهم، صمتهم كان كفيلًا بأن يمنحهم متسعًا من الوقت، لتحمل وقتًا إضافيًا من ساعات الوقوف متلاصقين، سيقانهم التي تتمدد فيها العروق الرقيقة » ويستمر المونولوج بمستوى فكري واحد، كما في القصص الاخرى، غايته إظهار قدره التحمل  الى أن تنطفئ حياتهم في الصحراء  بعد صراع اتسعت مساحته « وفي هذا القبر الأسمنتي قتلة تتلاصق ظهورهم مع المقاتلين...تحوم علامات الاستفهام في رأسه بين القاتل والمقاتل، كلاهما يحمل سلاحا، وكلاهما يسرق الأرواح، والأبرياء يقتلون بعينيه الضيقتين ». وفي قصة (غياب) حيث مراسيم العزاء التي أتمها الشيخ محمد والشيخ طاهر لا يلوي شئ وهو يتفتق حزنا  : « كان وقت الزوال الذي أتمّ فيه الشيخ محمد مراسيم الجنازة والحاج طاهر لا يلوي على شيء، لم يكن ليستطيع إبقاء الفلاحين ينتظرون تحت وهج هذا اليوم الصيفي الحار وقد دفنت فاطمة وانتهى الأمر… الحزن الذي يخيم على قلبه لم يكن بسبب رحيل فاطمة الطيبة، ولكن بسبب الحاج طاهر الذي يتفتق حزناً على حاله رغم حسد الكثيرين الذين لم يذرفوا دمعة على امرأة » والتدخل واضح من قبل القاصة في بناء الشخصية والكلام نيابة عنها، وهي بهذا تُلبس شخصياتها أزياء حسب بيئتهم وتنسب اليهم أسماء وتقدم لهم اعمارا ثابتة، لكنها تنسى ان تحدد درجة وعيهم بما يناسب مستواهم الفكري والعمري والبيئي. وفي قصة (لعنة البحر ) يوحي لنا العنوان بالمأساة الموضوعة المطروحة، فلم تترك لنا رولا ولو نافذة واحدة للاضاءة او لتنفس هواء قد يترك نهاية مفتوحة للنص. فالقصة محاصرة منذ سطورها الاولى كأنها حلم الوسواس يصعب تحقيقه، حيث انتشار وسط الجبال والتلال الطرق الضيقة وسط بحر هائج الذي لا ينبت فيه غير الألم والقهر وحرق الاعصاب، فالحوار لدى رولا «يكتسب صفة البوح المأساوي، حيث ينبع من الرغبة المحبطة»(6). للقاصة الراوي الشخصيات الحياة المحيطة المليئة بالبؤس والخوف والفقر).. وتنتشر فوق الجبال والتلال البعيدة في الشق الثاني من الطريق الضيق المعبد أشجار الصفاف. وتبقى بيوتهم من القش بالفقراء العالقين فيها، تصحو منذ ساعات الفجر الأولى لتجلب المؤن ومتطلبات الحياة ممن حولها من الشواطئ البعيدة التي تفصلها عنهم أسيجة حديدية ذات أشواك عريضة.
». القصة تعتمد على جدلية الحضور الغياب، المتمثل بشقاء الرجل  (سانتياغو) وفي قصة المجموعة وعنوانها الرئيس (زبيدة) نقرأ الأسئلة ذاتها واستمرارية البحث عن أجوبة لها، وتأتي نهاية القصة معلقة، دون الوصول الى حل لاشكالية الفتاة الجميلة التي تعلق بها الكثيرون ، التي قضت  أحلى سنين عمرها بين عملها في الغناء والعزف بقرطبة وقلب الحسن ابن الوزير الذي تعلق بزبيدة هو سطوة الرجل الاب السلطة الاجتماعية العليا العقدة لدى رولا « لم تكن الآذان ما شرعت وحسب بل قلب الحسن ابن الوزير، تاجر العطور الشهير في قرطبة رغم صغر سنه، لتلك الفتاة الرائعة الجمال، حتى أدرك أنه متيم بها، مفتون بعالم اسمه زبيدة، انتظارها كان واحدا من سننه، دقات قلبه تدق مع خطواتها الرقيقة، ويخيم بعينيه فوق كرسيها كما تلك الشجرة العتيقة التي تحتضن الطيور وفراخها...
»،
إن المبدعة رولا حسينات  لم تترك للشخصية حريتها في انسيابية الحدث، ففرض الوصايا بدا واضحا في أكثر من مقطع مما وسم القصة بترك النهاية للتملقي                                               .
الخاتمة
من الملاحظ ان المبدعة رولا حسينات  انتهجت طريق الرصد، للعلاقات الاجتماعية المتوترة أو المشوهة بين الرجل والمرأة. بحكم القضايا المطروحة، عبر نماذج شعبية هي الاقرب الى ذهن المبدعة رولا حسينات. اذ استطاعت ان تتكلم عنهم او يتكلمون عنها، عبر صوت موحد ألقى بظلاله على كل ما وقع تحت نظر الكاتبة، من عادات وتقاليد المجتمع الغنية بالشواهد الاعمق اثارة والتي تميزت بها القصة الواقعية. فجاءت القصص ذات طابع حيوي قريب لاهث ذو أفكار واسعة جدا، اقتربت من البساطة برغم الاحداث الممتلئة بالكثير من التفاصيل والمعتمدة في أغلب الاحيان على الذاكرة أو التاريخ أو أحلام اليقظة « ويلتقيها بين الأشجار وتحت بريق متسلل من قرص قد احمر خجلا...
لم لا يمتطي معها جواد الأحلام ويحلقان إلى ما فوق السحب؟ إلى  روحانية الكون الرحب...
وجنونه فيها لم يجعله يستطيع الابتعاد عنها...
حبها في قلبه اشتعل ولن يستطيع مهما حاول إطفائه... ليس ذنبه أن يحب فتاة من البسطاء! ليس عيبا أن يحب الغني فقيرة...
لن يجادل في فقه مرّ عليه دهور، وعُدَّت قصصه ضربا من الفشل، سيدنو منها ويركع عند قدميها، لن يعيبه الركوع ...
أليس العاشق أسير من يعشق؟
فليكن الحب آسره...
فليسجن وراء تلال سبع...
ولتُسجر بحار من وراءها بحار...
ولتدك الأرض...
ولينبذ بعيدا...
وليترك معه زجاجة من ريح الحبيب...
» (7). عموما إن ما تناولته القاصة في مجموعتها بلغتها الشاعرية عالية الستوى وعمقها اللغوي الرصين والمتين ينسجم والطموحات المبتغاة والرغبات المرجوة المخبأة داخل الأمنيات. لذلك نرى أن ما كتبته هو مرآة ما بداخلها من هموم وأسئلة شائكة نقلتها على ألسن شخصيات القصص . أو بالأحرى ان الكاتبة وجدت مسوّغا لايصال أفكارها وبطريقة مبسطة الى ذهن أبسط قارئ.
وبتحديد نماذج من قصص المبدعة الأردنية رولا حسينات فهي كاتبة لها تاريخ وسيرة أدبية عظيمة   وهذا تعريف بشكل يميزها :                ((نبذة عن السيرة الذاتية))
رولا حسينات
كاتبة أردنية
27-9-1976
بكالوريوس إدارة أعمال تقدير جيد جدا
جامعة اليرموك
الأردن
رولا حسينات أديبة وقاصة وروائية وباحثة أردنية، كاتبة في وزارة الثقافة الأردنية، عضوة في اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين، منظمة العفو الدولية واتحاد الكتاب والمثقفين العرب و سكرتير التحرير في مجلة الأدب والفن ومدونة في مدونات الجزيرة وكاتبة في الحوار المتمدن وغيرها كثير، عاشقة لفنون الأدب والبحث وتجريد الأشياء على حقيقتها ثم كسوتها بلون آخر أكثر تشويقا وإبداعا، أسعى لتغليب النظرة الإيجابية في طرحي لأي قضية وأحاول جاهدة أن أضع الحلول الممكنة وطرحها بأسلوب يحكمه المنطق والعقلانية والموضوعية، لا أتحيز في كتاباتي لفئة دون أخرى وقضايا المرأة تشغل جزء مهم من النتاج الأدبي خاصتي، غير أني أميل إلى بيان أماكن ضعفها وبخاصة مع شريك الحياة...لي العديد من الإصدارات غلب عليها النشر الالكتروني لارتفاع تكلفة النشر الورقي، ومنها قوت لاجئ مجموعة قصصية صادرة عن العبيكان الرقمية، رواية أنكيدو وهي رواية تجمع بين الخيال العلمي والرعب وقد أصدرت عبر دار الحكاية العالمي، وهي قيد النشر الورقي في الأردن بإذن الله في داركانثا للبحوث والدراسات، ورواية الدفين للأطفال وهي تحكي عن معاناة أسرة فلسطينية من جراء الاحتلال الصهيوني لفلسطين، ولي مجموعة قصصية بعنوان جاردينيا وهي من إصدار دار زين للنشر الورقي القاهرة وفي طريقي لنشر رواية ظلال هاربة في مصر إن شاء الله ...أكتب في العديد من المواقع الإعلامية المهمة والتي لها وقعها لدى القارئ العربي مثل مدونات الجزيرة، جريدة دنيا الوطن المصرية، الحوار المتمدن، مجلة الأدب والفن، وغيرها من المنصات الأدبية والسياسية الراقية. قمت بمبادرة غرد داخل السرب معا ضد التطرف والإرهاب...
ولدي مسابقة في الأدب النسوي تحمل اسمي (مسابقة الأديبة الأردنية رولا حسينات في الأدب النسوي).
وقريبا مبادرة تمكين إن شاء الله تعالى...
ومسابقة القصة القصيرة المسجلة صوتيا مع الكاتب المبدع هايل المذابي ومجلة الأدب والفن...من أحلامي أن أحصل على لقب أفضل كاتبة عربية وأن أحصل على وسام الإنسانية.
الجوائز:
مسابقة القصة الومضة العالمية للعام الأول مجموعة قصصية قصيرة جدا (عبرة)2014تأهلت للمرحلة الأولى فازت بجائزة التميز
مسابقة شعراء من أجل التغير مسابقة القصة للتغير المناخي في اللغة الانجليزية..2014-2015 وقد رشحت للنشر.
قصة بعنوان (المهاجر) لمسابقة مدونة صبري رضوان وقد فازت بالمركز الأول المستوى الأول وتم توزيع الجوائز في قصر ثقافة الفيوم يوم 6/ 2/2014
مسابقة التكية 2015 مجموعة قصص قصيرة جدا رشحت للتصفية النهائية
مسابقة زحمة كتاب الدولية بمجموعة قصصية للأطفال2015-2016  فزت بالمركز الرابع في أدب الطفل
قصة ذكريات صامتة2014... زحمة كتاب المركز الأول في القصة القصيرة.
مسابقة باكثير للقصة القصيرة 2015 وقد فازت قصة مدينة الأشباه بالمركز الرابع.
عضوة في تجمع ناشرون تجمع أدبي عربي..وقد فزت بلقب فارسة الموقع
وفزت مسابقة أوتار في الإلقاء دون مؤثرات صوتية2015
مسابقة دار حفد لأفضل مقال عربي 2015..المركز الثالث
فزت بمسابقات دار حفد للنشر الالكتروني في مجالي القصة القصيرة جدا والشعر الفصيح2015 والمقالة العربية-04-18
مسابقة ألف قصة وصحوة للكتاب العرب قصة قصيرة  نشرت باللغات الانجليزية والعربية والاسبانية 2015Arabian stories
جائزة البتانة للقصة القصيرة رشحت قصتي منعرجات النسيان من المجلس الأعلى للثقافة المصري2016
فزت بجائزة النشر مع مركز إنسان golden pen2015 بالمركز الثاني
مسابقة حروف منثورة بمقال الرأي وقصة قصيرة 2015-12-10 وقد فزت بالمقال على مستوى الوطن العربي..
مسابقة واحة الأدب برعاية رابطة الأدباء الكويتيين...المركز الثالث في القصة القصيرة على مستوى الوطن العربي دورة يونيو 2016
مسابقة زحمة كتاب للقصة القصيرة 2016
مسابقة جولدن بن 2016 المركز الثاني
جائزة جريدة صدى مصر الإخبارية في مسابقتها الأدبية في المقال 2016 ونلت المركز الثالث.
جائزة أفضل نقد أدبي لرواية في قلبي أنثى عبرية 2016
المركز الثالث في دورة فؤاد نصر الدين للقصة القصيرة مركز لوتس للدراسات 2016
فائزة في مسابقة صالون نجيب الثقافي في القصة القصيرة المنفردة لما فوق 30 سنة
فائزة في القصة القصيرة جدا مع وكالة خبر الإعلامية 2017
فائزة في القصة القصيرة المركز الأول في ترانيم للإبداع الأدبي بدورتين متتابعتين والمركز الرابع في الخاطرة.
فائزة بالمركز الأول في مسابقة مجلة نبض القلم الادبية2017
فائزة مع دار الزيات للنشر والتوزيع بالنشر مناصفة في القصة القصيرة2017
المركز الثاني في مسابقة الأديب ماهر عبد الواحد في القصة القصيرة.
المركز الثالث في مسابقة جمعية مسافرون (travelers media ) للإنتاج السينمائي في القصة القصيرة...مصر
مسابقة دار ضاد للنشر والتوزيع مع أفضل 55 كاتب عربي...
المركز الثاني في مسابقة القصة القصيرة لتجمع الأدب والإبداع  على مستوى الوطن العربي...مشاركة في...
سلسلة الرواد
مشاركة في دراسات وشهادات مهداة للكاتب

...

.

23 يناير . 5 دقائق قراءة

  0
  0
  0
  • أرسل تقرير
  • إخفاء هذا المقال
  • إخفاء مقالات هذا الكاتب

.

23 يناير . 5 دقائق قراءة

مرايا الوعي وتواشج الانسياب في همس النوايا

مرايا الوعي وتواشج الانسياب في همس النوايا

دراسة نقدية
مرايا الوعى و تواشج الانسياب
فى مجموعة
(( همس النوايا ))
للقاصة المغربية (( فاطمة بوذيان ))
بقلم / حسن غريب احمد
كاتب و ناقد
=================================

اسمها : فاطمة بوزيان – كاتبة و قاصة مغربية فى عمر الزهور ،وصلنى منها بالبريد مجموعتها القصصية " همس النوايا " و هى مطبوعة عام 2001 بمساهمة من المجلس الإقليمى للرياضة و الثقافة و الشؤون الاجتماعية بمدينة الحسيمة بالمغرب الشقيق و المجموعة صادرة عن شركة بابل للطباعة و النشر بالمغرب يشمل الكتاب و الذى من القطع المتوسط عدد أربع و عشرون قصة قصيرة و هى على النحو التالي : 
( طحين ليلة شبه بيضاء – إحالات صباحية – مسودات قضية – بيض بلدى – الذى صار أذنا – لقطات بالأبيض و الأسود – جنة الضفة الأخرى – بياضيات البياض – أثناء شرب القهوة - عائد و لكن – همس النوايا – قمر الليل – تداعيات غارقة فى العتمة )
صباح الخير – أمشى ، فى شوارع جسدى يمشى البحر – شبق الأوراق – إدراك – استدلال – ككل المرات ، مع اختلاف كبير – عراء المرايا – سعد حى السعد – كما تطير العصافير – ما كان مؤجلاً و بقى المتعة التى أجدها فى كتابات " فاطمة بوزيان " ، حين استسلم إلى قراءتها ،تقترب من المتعة التى أجدها فى قراءة كتابتها الجملية و الفريدة أحيانا ، و لا فارق كبيرا بين اُثنين ، ففاطمة بوزيان القاصة التى تكتب هى فاطمة بوزيان الحكاءة التى تحكى لك من قلبها ، فلا نملك سوى الإنصات إليها ، و الاندماج فى العوالم المذهلة التى تقودك إليها ، و التى لا يمكن أن تجد لها مثيلاً إلا فى كتابتها ، و لا أجد بين كاتبات المغرب المعاصرات ، هذه السنوات ، من يضارع فاطمة بوزيان فى بلاغة القص التى ترد فتنة المتلقى على الشفاهى و العكس صحيح بالقدر نفسه ، فتدنى بين الطرفين إلى حال من الاتحاد ، حال يمكن أن يتحول الحكى الكتابي إلى فن ، عصرى تماماً ، و القص الكتابي إلى سرد عضوى شفهى ، يستثمر الإمكانات الشفاهية للحكى على مستوى العلاقة بالقارئ و الموروث الذى يجمعه بالكاتب ، و آية ذلك ما نراه فى كتابتها من إمكان أن ننطق الجملة المكتوبة نطقاً عامياً ، أو فصيحًا ، دون أن يتأثر المعنى أو يختل ، ومن غير أن نضطر إلى تغيير كبير فى الكلمات و التراكيب و فى الوقت نفسه تمتزج الكلمات و التراكيب العامية بالفصحى فى المكتوب امتزاجاً يستقر بلاغة العامية ، و يضفي على الفصحى سلاسة الجمل الشعبى وعفويته .
و يحدث ذلك فى المنطقة الإبداعية التى تتحاور فيها الأنواع ، و تتآلف اللهجات ، و تتقارب المتباعدات ، و تعثر المختلفات على ما يجمع بينها فى علاقات مفاجئة من القرب فتنقش الكتابة على الصفحات سهلة ممتنعة ، غاوية مغوية ، تفضى بالقارئ إلى عوالم زاخرة بالإحساسات البصرية والسمعية و الشمية و اللمسية و الذوقية التى تصوغ للقص علاقاته التخيلية و التخييلية فى الوقت نفسه ، أى تلك العلاقات التى تدفع القارئ إلى أن يكون طرفًا فاعلاً فى عملية استقبال القص شفاهة و كتابة ومجموعة " همس النوايا " تنطلق من خلال رؤية تجريبية فى القص ، و اللغة هى محورها ، و أساس جماليات نصوصها ، و يكمن المضمون التى تجسد الكاتبة فاطمة بوزيان من خلال رؤى رمزية و غرائبية و انطباعية حول الواقع بما يحمل من تأزمات ، و ممارسات مهترئة ، و ايضا بعض هواجس الذات ، و بوح الأنثى بما يحتويه عالمها من تجارب خاصة و المجموعة تحتوى على عدد لا بأس به من قصص يتراوح حجمها ما بين صفحة أو عدة صفحات ففى قصة " همس النوايا " التى تحمل اسم المجموعة تلح الأسئلة ، و تتوارد علاقات الاستفهام على وعى الساردة لتفصح عن الذات التى يدور حولها تساؤلات فى كل الاتجاهات ، و ما هى " همس النوايا " هذه التى يسمع إليها كلما حدث شئ غير مألوف فىالناحية .
" ها هو ينطقها بالتعلثم الذى تمرن عليه ، السيد ( م ) واقف من ان المرأة تثنى بالرجل الخجول ..
مساء الخير 
سألها عن أحوالها – سألته عن أحواله ، قالت إنها عادية ، قال لا جديد تحت الشمس 
متى أراك ؟ 
مستحيل ، أنت تعرف التقاليد 
ألم تخرجى مع أحد من قبل ؟ 
شهقت فى غضب بلهجة حادة صرخت "اسمع يا أستاذ ، إذا كنت قد قبلت فكرة التعارف فلا يعنى هذا أنى من النوع إياه ! ص 40 ، 41 من قصة " همس النوايا " 
إن هذه التساؤلات التى تطرحها الكاتبة فى هذا النص ، قد يتواجد فى نصوص أخرى ، و لكن بطريقة مغايرة ، و لكننى اعتبره هو عتبة النصوص كلها : 
" تقدمت إليه سيدة ، سألته عن الثمن ، أجاب فشهقت : 
لاوه واش هذا بيض و لا آفوكا ؟ 
لم يفهم و قال : 
راه بلدى مش رومى 
من قصة " بيض بلدى " ص 21 
تجسد الكاتبة خلال ألف عام تمر على خيالات ربما تجسد الواقع / ربما هى استعادة للماضى فى ظلال الحاضر ، إن خيالات العائد تحمل معها هواجس الأمل .
إن العبثية التى تخترق بها فاطمة بوزيان نصوصها ، و الغموض الذى يلف هذه النصوص برموز تعبر بها عن مضامين و قضايا الواقع ، و لكن من خلال لحظات تأزم تجتاح الإنسان فى كل وقت وفى كل مكان ، و هموماً نجده فى قصص " صحيحة ليلة شبه بيضاء " 
" أثناء شرب القهوة " – قمر الليل – ما كان مؤجلاً و بقى " 
و تعد مجموعة " همس النوايا " من المجموعات القصصية التى تطرح التساؤلات و الحوارات معبرة عن هواجس الذات ، و عن الواقع الملغز فى الأحيان .
لذا فنحن ننتظر منها ولادة مجموعتها القصصية الثانية كى تحتفل بصك شهادة ميلادها جميعها و التى ننتظرها بلهفة و شوق عارم .
نحن ننتظر من القاصة المغربية فاطمة بوزيان الكثير خاصة أن مجموعتها هذى تحمل بعض الجوانب الإنسانية المطلة من النسيج العام لقصص المجموعة ، وبعض الجوانب بها رامزة لبعض المفارقات السياسية و الاجتماعية المعبرة عن واقع ما يدور فى الحياة من جوانب متهرئة و زيف و قهر اجتماعى .
لقد حرصت الكاتبة على ألا تطل بنفسها من خلال السرد و تركت النصوص تشى بما تحمل من رؤى و أفكار ومضامين تعبر عن مدلول ما يدور فى الحياة و الواقع من ممارسات ، كما أنها حملت الشكل فى بعض النصوص جوانب غرائبية فى التعبير الغرض منها تجسيد الرمز ومحاولة بلورة الرؤية فى واقعية يسيطر عليها بعض الغموض الموظف داخل بعض النصوص لإبراز بعض سلبيات المجتمع وتهرئاته ، و لاشك أن التكثيف و التقطير فى التعبير القصصى الذى احتفت به فاطمة بوزيان قد جاء متوافقاً فى بعض النصوص مع ما يحمل من رؤى و دلالات ، بينما فى اعتقادى قد جانبها الصواب ، فى بعض النصوص التى كانت تحتاج إلى استطراد فى العرض ، و كان بتر الحديث بنهائية غير متوقعة فى بعض هذه النصوص قد أفقد الحدث بعضاً من بريقه و لمعانه ، و اعتقد أن هذا الاستطراد و تعميق الحدث أكثر من ذلك سيكون للوصول به إلى منطقة الإقناع والتأويل خاصة فى النصوص التى تحمل جوانب إنسانية فى مضمونها العام ، و التى تتشكل فى الوقت نفسه من رؤى عبثية فى الشكل القصصى للنص .
إن مجموعة " همس النوايا " للقاصة المغربية فاطمة بوزيان زاخرة باللقطات القصصية لمواقف إنسانية حميمة ، تفيض بالدفء البشري الذى يغمر وجدان تلك الشخصيات المفرقة فى إنسانيتها و التى تختارها فاطمة بوزيان بحس أنثوى يتلفت إلى المعانى الكامنة فى داخل كل منا ، و التى تحرك بشكل عفوى تصرفاتنا و تحكم مواقفنا و تصدر ردود أفعالنا.
و هنا نرى الرؤية أكثر عمقاً فى مجموعة " همس النوايا " لفاطمة بوزيان ، و التجريد أكثر تعميقاً ، و الاكتناز أقوى ، حيث تمتزج لغة المجاز بلغة الواقع ، و لعل هذا النمط للكاتبة تبقى عليه قريحة المبدعة فندرك كنه الرعد و البرق فى جماليات قصص " همس النوايا " .

...

.

23 يناير . 5 دقائق قراءة

  0
  0
  0
  • أرسل تقرير
  • إخفاء هذا المقال
  • إخفاء مقالات هذا الكاتب

.

23 يناير . 3 دقائق قراءة

جدلية العلاقة بين الناقد والأديب

جدلية العلاقة بين الناقد والأديب

جدلية العلاقة بين الناقد و الأديب.

يقول الناقد والأديب د.حسين رحيـّم الحربي: قبل أن نناقش علاقة النقد بالأدب لابد لنا أن نشير إلى أن وجود الأدب سابق لوجود النقد، وقد يوجد الأدب ولا يوجد نقد، كما في الشعر الجاهلي مثلاً، فقد بلغ الشعر ذروته وأوجه والنقد يكاد يكون معدوماً أو لا يذكر في تلك الحقبة الزمنية. وقد يعزو البعض تأخر النقد عن الأدب بقولهم إن الأدب ظاهرة عاطفية تعبر عما يختلج في نفس الإنسان وما يعتريه من عواطف، وبذلك يكون الأدب رد فعل عاطفي، أما النقد من وجهة نظرهم فهو حالة عقلية منطقية في كثير من أوجهها وظروفها. وفي هذا يقول الأستاذ الدكتور عصام قصبجي؛ أستاذ النقد في جامعة حلب -رحمه الله-: «إن الثقافة العقلية تفسد البديهة الشعرية، لأنها تفتح أمام الذهن أكثر من سبيل، وتضع أمامه أكثر من احتمال، فيحار الشاعر بين التعبير والتفكير، أما البديهة فإنها تبرز ما يجيش في طبع المرء قبل أن تمسه حدة العقل»، فحسب وجهة النظر تلك يكون سبب ازدهار الشعر في العصر الجاهلي مثلاً هو البداوة التي لا تُحمّل الإنسان كثيراً من أعباء الحياة، وتشغل تفكيره بأمور عديدة، وعلى العكس تكون ولادة النقد، التي هي إحدى إفرازات الحياة المدنية، وتعدد سبلها، حتى في المأكل والمشرب والملبس.
ما قلناه سابقاً عن ازدهار الشعر الجاهلي لا ينفي وجود النقد في العصر الجاهلي لكنه كان نقداً انطباعياً بعض الشيء من طرف، ومن طرف آخر يعتمد على المُثُل والأعراف السائدة في مجتمع ذلك الزمن، ونتذكر ما يقال عن صومعة كانت تُضرب في سوق عكاظ للنابغة الذبياني حيث يأتيه الشعراء ويضعون ما جادت به قرائحهم بين يديه.
وفي العصرين الجاهلي والأموي كان الشعراء هم من يتصدر منابر النقد، ومن يتصدى لمهمة النقد يجيد نظم الشعر في الغالب وإن لم يكن شاعراً. ثم تطور هذا الأمر إلى أن أصبح النقد علماً يُدرس، ولم يعد الناقد بالضرورة هو الأديب. ومن وجهة نظري علاقة النقد بالأدب علاقة تكاملية إبداعية من كلا الطرفين، وليست علاقة تنافر وتضارب، وتصيد الهفوات والزلات، وقد يكون الناقد مبدعاً كما الشاعر أو الأديب، أو قد يتفوق عليه أحياناً إن كان ناقداً حصيفاً، يمتلك مخزوناً معرفياً كبيراً. وبرأيي أن علاقة الناقد بالقارئ أهم من علاقة الناقد بالأديب، لأن الأديب عندما أبدع منجزه الأدبي لم يضع في الحسبان أن هناك من سيأتي ويدرس ما كتب دراسة نقدية ليبين مواطن القبح والجمال في نتاجه. الناقد بالنسبة للقارئ في أكثر الحالات صديق حميم يمسك بسراجه ويمشي أمامه ليدله على جماليات معينة في النص قد يغفل عنها أو يمر عليها سريعاً لولا وجود الناقد، بل إن وجود الناقد في حياة القارئ يستفزه إيجابياً في كثير من الحالات فيعمل عقله فيما يقرأ ويطلق على النص أحكاماً نقدية في أحايين كثيرة تكون منطقية وواقعية. لا نريد أن نقول بأن علاقة الأديب بالناقد هي سمن على عسل وبرد وسلام دائماً، بل أحياناً تصل إلى حد الخصومة، والشخصنة، ويتعدى الأمر احتراف النقد أو الأدب، لكن وجود هذه الحالات الفردية لا يشكل ظواهر عامة، أو لا ينسحب على علاقة الأديب بالناقد بشكل عام.
التأثر بالعلاقة الشخصية
إن كان الناقد محترفاً في نقده، ويحترم ما يقوم به، ويقدر القراء والجمهور، فسيكون نقده حينها أقرب إلى الموضوعية والمهنية، يحاول تحييد عواطفه وذاتيته أثناء تناوله لقطعة أدبية، ويتعامل معها قدر الإمكان بشكل مجرد، بغض النظر عمن كتبها، وبذلك ينصب اهتمامه على النص فقط، دون الالتفات للكاتب، وهذا ما يسمونه في النقد الأدبي (موت الكاتب). لكن النقد ليس علماً معيارياً كالفيزياء والكيمياء، على الرغم من أن له قواعده وأدواته وأصوله، لكن الذاتية تدخل فيه من بعض الزوايا من حيث ثقافة الناقد وقدرته على استكناه بواطن النص. لكن بعض النقاد يـتأثرون عند تناول نص ما إما بعاطفة أو بعلاقة شخصية مع الكاتب فتصدر أحكامهم انطباعية ذاتية لا تخضع لمنطق الحياة والنقد معاً، ويحاولون إبراز جماليات مزعومة ليس لها وجود في العمل الأدبي أصلاً، وقد يفعل بعض النقاد ذلك من باب المجاملة، أو كضرب من التشجيع. وقد رأينا بعض الأعمال التي انبرى لها نقاد بالتطبيل والتزمير، وأشادوا بعبقرية كاتبها وأن مستقبله واعد، لكن تلك الأعمال كانت كفقاعة صابون أو صرخة في واد سرعان ما اختفى أثرها. وقد يشعر بعض النقاد بالإحراج فيجامل كاتباً أو أديباً، خوفاً على علاقة شخصية معه أو مراعاة لمشاعره. وهنا يجب أن يتبنى النقاد مقولة إن الصراحة في النقد لا تفسد للود قضية، لأن الناقد تقع عليه مسؤولية أخلاقية أمام القارئ؛ فيكون الناقد كمن يسقي العطشان كدراً وطيناً ويحاوله إقناعه بأنه زلال صافٍ. من تلك الزاوية يجب أن يفهم الأدباء أن مهمة الناقد هي ليست مدح ما تنتجه أقلامهم، وإظهار السمات الجمالية فقط، بل تتعدى ذلك إلى الإشارة لمواطن الخلل والضعف، ومطلوب من الكاتب أو الأديب ألا يتوقع كل ما يصدر عنه هو كلام فوق النقد والتصويب، وأن النقاد والقراء سيتلقفون نتاجه دون تمحيص. لكن رغم كل ذلك مازال المشهد النقدي والأدبي يعاني ضعفاً بسبب اعتبار العلاقة الشخصية بين الناقد والأديب أولوية أهم من موضوعية النقد. والنقد الأدبي –بحسب رينيه ويليك– إنشاء عن الأدب, وبالتالي فهو يعنى بتوصيف الأعمال الإبداعية ودراستها وسبر أغوارها وتقويمها ما استطاعَ إلى ذلك سبيلاً.
أما من ناحية الإجابة عن سؤال مفاده: هل اقتصر النقاد الأكاديميون على تناول ما يصدر عن المؤسسة الثقافية الرسمية؟ فبالإمكان القول إن انكماش الحركة النقدية الإبداعية الموضوعية، أدى إلى قلة الأعمال الأدبية الإبداعية الحقيقية المتفردة على الساحة الأدبية، وهذا بدوره أدى ببعض النقاد إلى إجازة نصوص سطحية تخلو من الهم السياسي والإنساني والاجتماعي، ولا تناقش قضايا قومية أو وطنية، ولا تعتبر لبنة في بناء الإبداع بل هي نصوص تعاني من ركاكة في اللغة وضعف في البناء الفني، وتعتمد على الإثارة الحسية. وانبرى نقاد ينتمون إلى مؤسسات نقدية معينة لتزكية هذه الأعمال التي لا ترتقي بذوق القارئ ولا تضيف له شيئاً جديداً، أو تقدم له متعة حقيقية كبعض أعمال عمالقة الأدب العربي. لكن بالمقابل هناك من النقاد المبدعين المجيدين، وإن كانوا قلة؛ من أمثال الناقد المغربي الأستاذ الكبير سعيد يقطين الذي يحاول أن يؤسس لنظرية فكرية ونقدية عربية جديدة تتسق مع روح ثورة عصر العولمة التي تجتاح العالم، ويحاول أن يعيد ألق الثقافة العربية الذي خفت بعض الشيء. وقد كان لي شرف المشاركة مع الدكتور يقطين في مؤتمر النقد الرابع في مدينة الرياض، حيث أتحفنا بإبداعه على مدى يومين هي عمر مؤتمر النقد، وكان صريحاً وجريئاً في آرائه أثناء تناوله بعض النصوص الأدبية، والنقدية أيضاً، أي ما يُسمى بنقد النقد.
أدعياء النقد
لقد دخل إلى مضمار النقد بعض الناس الذين لا يمتلكون خبرة أدبية أو لغوية أو حتى ربما فكرية، ظناً منهم أن من لم يستطع أن يكون أديباً بإمكانه أن يكون ناقداً، متناسين أن النقد في كثير من الحالات هو أصعب من إبداع نص أو قطعة أدبية. فراح هؤلاء ينشرون في الصحافة المكتوبة والإلكترونية ويمجدون كتّاباً وكاتبات يتوق معظمهم لسماع كلمة إطراء كتبت عنه، لأنه دخل المشهد الأدبي صدفة، أو بثقة بالنفس في غير محلها. هؤلاء (النقاد) اعتمدوا النقد الصحفي منهجاً، حيث إن معظمهم لم يطلع على أصول النقد وتطور مناهجه ونظرياته. هؤلاء ومن شاكلتهم خلقوا نوعاً من غياب الوعي النقدي الهادف، مما أفرز أعمالاً أدبية هزيلة. يقول الناقد سعيد يقطين: «إن العجز ليس في النقد ولا في المنهج البنيوي ولا في النص الأدبي، بل هو في قرارة أنفس هؤلاء النقاد الذين جنحوا إلى الكسل، وبدؤوا يميلون إلى الابتسار بدل النظر العميق إلى الظواهر الأدبية برؤية جديدة وروح متجددة».
أخيراً نقول إن للنقد دوراً مهماً ومحورياً في تعزيز المستوى الأدبي الراقي ورفع شأن حركة الثقافة. فالنقد يعتبر إحدى أهم ركائز الأدب وأهم المقومات والمؤثرات الفاعلة في الحركة الأدبية، وهو إرادة واعية ومنهج يستطيع به الناقد تصحيح مسار حركة الأدب والتأثير فيه. لأنه يضمن عدم الانحراف والتجاوز في مسار الحركة الثقافية ويضمن استمرار الإبداع وتجدده، من خلال موضوعية تامة تبتعد عن المجاملة والمحاباة أو التملق.
ندرة الطرح الموضوعي
ويبين الناقد طاهر الزهراني أن العلاقة بين الناقد والأديب تختلف بحسب الوعي والنضج والمرحلة الظرفية، فقد يكون الناقد في نظر الأديب مجرد متطفل، وقد يكون الأديب في نظر الناقد فاشل قليل دربة، لكن العلاقة في الوسط الثقافي العربي والمحلي يشوبها نوع من عدم الارتياح. إلا في حالة وجود علاقات قد تعطي بعض الرضا أحياناً.
وعما إذا كانت العلاقة الشخصية بين الأديب والناقد تنعكس بالضرورة على النقد يقول: ربما، لكن الغالب ما تكون ملوثة بالمحاباة، وهذا للأسف ملاحظ جداً، وغالباً ما تكون مكشوفة وجالبة للغثيان. أما النقد والطرح الحقيقي الموضوعي فهو نادر وعزيز في ظل العلاقات الشخصية.
ويؤكد أن النقد الجريء يسبب إحراجاً للناقد في علاقته الشخصية مع الأديب خصوصاً إذا كان الطرف الآخر غير متقبل للنقد، لأن مثل هذه الأمور تحتاج إلى نوع من الوعي والتقبل والنضج، وهذا نادراً ما يتوفر في شخص ما، لهذا نرى كثيراً من العداوات والقطيعة بسبب قراءة نقدية ما. 
وبسؤاله إن كان يوجد لدى الأدباء استعداد لتقبل النقد بكل أبعاده وجوانبه؟ يقول: بلا شك خصوصاً إذا كان النقد موضوعياً، يتعرض للسلبيات والإيجابيات، ويكون هناك إنصاف ولغة مقبولة، لأن بعض الأدباء يحرص على السلبيات ليستفيد من التجربة التي كتبها، إن النقد الموضوعي غالباً إذا كتب بلغة صادقة وكان منصفاً، فهو يجد قبولاً عند البعض. لكن الإشكالية التي تقع فيها الإشادة الكاذبة، والقدح الفج، والنقد الرخيص الذي يكون لمآرب أخرى.
وحول إذا ما كان يرى أن هناك عزوفاً من النقاد الأكاديميين عن الأعمال الإبداعية التي تصدر من خارج هذه المؤسسات، يقول الزهراني: نعم هناك عزوف مخجل جداً، لا أعرف أسبابه. هل يعود إلى عدم المتابعة؟ أم إلى عدم الرضا بالتجربة؟ بصراحة لا أعرف.
وحول ما إذا أصبحت الساحة الأدبية تعاني من حالة تطفل من بعض أدعياء النقد الأدبي يؤكد الزهراني أن هناك نقداً أكاديمياً من مهماته دراسة الأعمال الإبداعية وتحليلها وفق دراسات ومناهج معينة، فهذا له أهله، ولا ينبغي أن يخوض فيه غير المتخصصين، وهناك نقد انطباعي عام يهتم بجماليات العمل الإبداعي بشكل مجمل، وقد يتناول الأعمال الإبداعية فناً ومضموناً، ويعرج على السلبيات والجماليات، ويرضخ غالباً للذائقة الأدبية، وهذا من حق أي متذوق للأدب أن يمارسه دون ملام، لأنه رأي وانطباع يخص كاتبه. 
تبادل الإبداع
الناقدة والقاصة شيمة الشمري تقول: إن هناك علاقة دائمة ومستمرة بين الناقد والأديب، ويجمع بينهما تبادل إبداع، فالأديب مبدع وكذلك الناقد مبدع في مجاله النقدي. وتضيف: الأديب ينثر ما لديه في سماء الإبداع؛ فيتناوله الناقد بما لديه من أدوات نقدية وتلك تختلف من ناقد إلى آخر. 
وتقول الشمري: العلاقة الشخصية بين الأديب والناقد تنعكس بالضرورة على النقد؟
ربما.. وهذا ما نسميه المجاملة التي تأخذ حيزاً لا بأس به في وسطنا الثقافي، بل في حياتنا عامة!. 
وبسؤالها إن كان النقد الجريء يسبب إحراجاً للناقد في علاقته الشخصية مع الأديب تقول الشمري: ليس هناك نقد جريء ونقد خجول.. النقد يفترض به أن يكون للنصوص والعمل الإبداعي بطريقة فنية إبداعية لتظهر لنا جمال النص من رماديته.. وما نراه وما يسميه البعض نقداً جريئاً قد يندرج تحت تصفية الحسابات أو مجاملة الآخر، وهذا ليس من الإبداع في شيء، النقد ليس تسقط أخطاء بل هو قراءة فنية توازي النص جمالاً أو تفوقه، ونحن نفتقد للناقد المبدع المتخصص.. وإذا ما كان لدى الأدباء استعداد لتقبل النقد بكل أبعاده وجوانبه تقول شيمة: النقد إبداع ونحن لا نتقبله فقط بل نحتاجه، النقد دعم للإبداع ونشر له. 
وبسؤالها عن عزوف النقاد الأكاديميين عن الأعمال الإبداعية التي تصدر من خارج هذه المؤسسات؟ تقول: التخصص الأكاديمي لا يعني بالضرورة امتلاك الروح الإبداعية النقدية، وقد يبدأ العزوف من هنا.. هناك عدد من النقاد يقدمون قراءات نقدية في منتهى الجمال وهم غير أكاديميين.. ولاشك عندما يجتمع التخصص الأكاديمي مع المهارة النقدية سنصل إلى الناقد الذي نريد، الناقد المبدع.
وتؤكد الشمري أن الساحة الأدبية تعاني من حالة تطفل من بعض أدعياء النقد الأدبي وتقول: هناك من لا يمتلك أدنى حس أدبي، وتراه يستل قلمه ليصب جام جهله على نصوص أعلى بكثير من قامته النقدية، وأعمق من وعيه الغائب، ويبدأ ببناء وهمه الكبير بمساندة بعض أدعياء الإبداع . 
النقد مختلف عن كل هذا.. إنه تكامل، إبهار، غيوم ماطرة بالفكر والجمال لترقى بالذائقة وتبحر أكثر في عمق الإبداع تجعلك تعاود القراءة للعمل مرة أخرى لتبدأ رحلة اكتشاف جميلة.
النص وليس الشخص
ويقول يقول الأكاديمي والناقد د يوسف العارف من خلال العلاقة بين الناقد والأديب والثقة بين كل منهما ومعرفة الدور الذي يقدمه كل واحد للآخر، عادة ما تكون العلاقة ودية وعلمية إذا اعترف الأديب بأن النقد ممارسات تطبيقية توجه العمل الأدبي وتنضجه وبخاصة للأديب المستجد الذي يحتاج إلى الممارسة النقدية والتطبيقية.. ولكن في مرحلة متقدمة من هذه العلاقة الودية يكون دور الناقد الوقوف الجمالي عند النص الأدبي وتقديم نص موازٍ/إبداعي يتخلق في مادته الأولية من النص الأدبي.
وكثيراً ما يصل الأديب الحقيقي إلى تجاوز الناقد وعدم الانتظار لأطروحاته على اعتبار أنه صاحب السبق، وما النقد إلا عمل تالٍ ولاحق وعالة على النص الأدبي، فلولا النصوص الأدبية التي ينشرها الأديب لما وجد النقد والناقد. 
ويضيف العارف: ولكن المهم ألا نشخصن القضية، فالأديب أمام النقد ما هو إلا نص فقط وليس شخصاً، وأنا أنادي بنظرية (موت المؤلف) في حال النقد، وقد رفعت شعار (النص.. النص وليس الشخص) بمعنى أن يتوجه الناقد بأطروحاته، وممارساته النقدية نحو النص فقط ويميت صاحب النص في حال القراءة النقدية الواعية.
وللعلم فإن النقد يتنافى ويتحسن كلما تطارح مع نصوص جيدة ومتميزة وبالتالي فإن الأدب والنص الأدبي يتنامى ويتحسن بناء على هذه العلاقة المزدوجة والمتحركة في آن.
ويتابع القول: أكرر أن المسألة النقدية يجب ألا تتحول إلى صراع بين الناقد والأديب وهنا تزول العلاقات الشخصية ويحل بدلاً عنها العلاقات العلمية الموضوعية/المنهجية وهنا يصبح (النقد الجريء) عوناً للنص الأدبي وتناميه وتطوره.
ويتابع: يفترض أن يكون الأديب صاحب همة وتعالٍ، وألا يشخصن المسألة النقدية ويعترف ذاتياً بأن النقد آلية للتطوير والتحسين وأن الناقد يتعاطى النص الأدبي بحيادية ومنهجية، وهنا تكون قابليته للنقد والآراء النقدية مرتفعة نحو الإيجاب والقابلية متجاوزاً عن كل سلبية.
ويؤكد العارف أن كثيراً من النقاد الأكاديميين عزفوا عن الأعمال الإبداعية للمبتدئين وتوجهوا بدراساتهم النقدية نحو الرموز والأدباء الذين تجاوزوا الدرس النقدي، وهذا يدعو النقاد الجدد إلى التعاطي مع الأعمال الإبداعية الشابة، ونترك للأكاديميين النقاد التنظير واستجلاب النظريات التقية الغربية، وتوطينها في المشهد الثقافي العربي.. أستطيع أن أقول إن هناك تطفل على النقد، فكلمة (التطفل) و(أدعياء النقد) لا تليق بالممارسات النقدية، لكن هناك مجاملات نقدية يمارسها بعض النقاد قد تسيء للمشهد الثقافي وتقلل الاهتمام بالنقد الفعال، وهنا تصبح الساحة الأدبية في سجال وتشرذم وصراع قد يضعف العلاقة بين الفريقين الناقد والأديب.

...

.

23 يناير . 3 دقائق قراءة

  0
  0
  0
  • أرسل تقرير
  • إخفاء هذا المقال
  • إخفاء مقالات هذا الكاتب
ماذا قالوا عن مرداد
قد يُعجبك

.

10 ديسمبر . 6 دقائق قراءة

قطار العمر ومحطات الحياة

قطار العمر ومحطات الحياة

.

10 ديسمبر . 6 دقائق قراءة

  2
  1
  0
  • أرسل تقرير
  • إخفاء هذا المقال
  • إخفاء مقالات هذا الكاتب
ماذا قالوا عن مرداد

منصة مرداد واحة للفكر والابداع وتلاقح الأفكار .. مرداد مساحة حرة للتعبير عن المشاعر والاطلاع على تجارب الآخرين .. منصة مرداد هي بوصلة لكل باحث عن المعرفة بلغتنا الأم اللغة العربية .. تتميز منصة مرداد باسمها الجميل المستوحى من عنوان كتاب فلسفي صوفي وضعه الكاتب القدير ميخائيل نعيمة.. منصة مرداد تعيدنا إلى ذاتنا..وتردنا إلى جوهرنا لننجو من هذا الهراء المحيط بنا..

"لَكَم ساءنا ابتعاد أقراننا عن القراءة، وابتعادهم، إن قرؤوا، عن القراءة بلغتهم العربيّة الأم، ولَكَم ساءنا فقر الفضاء الالكتروني بمحتوىً عربيٍّ ذي قيمةٍ فكريّة، بعيداً عن الابتذال والرسائل الدعائية الموجّهة ذات البعد الاستهلاكيّ البحت، ولَكَم اعترانا يأسٌ وشعورٌ بالوحدة وشبه قناعة أنّنا ما عدنا نشبه محيطنا بشيء، وأنّ من يشاطروننا الاهتمامات ويوازوننا سويّةً فكريّة، باتوا قلّةً مبعثرةً في الشّتات، ولَكَم افتقدنا إلى من يحفّز فينا ما كمُن من إبداعٍ راقدٍ بفعل تسارع عجلة الحياة اليوميّة والمهْنيّة التي ما عادت تتلاقى بالضرورة مع مواضع شغفنا. إلى أن أبصرت النّور منصّة "مرداد" فردّت لنا أملاً خبا وأثرت فكرنا وحواسنا بكلّ ذي قيمة، وقرّبت المتباعدين من ذوي الكفاءات الثقافية ووصلت بينهم بخيوطٍ متينة، وكانت لهم منصّة تعبيرٍ لا حدود لسمائها. لَكَم تهكّمنا على من دأب على مواساتنا بأنّ هناك بصيص ضوءٍ في آخر النّفق، إلى أن تبيّنّا أنّ "مرداد" هي ما كنّا ننتظره."

إذا كان الرسم والشطرنج وغيرها من الابداعات الانسانية موهبة فطرية في جزء منه فهو في جزئه الأهم تعلّمٌ وتحصيلٌ معرفي وثقافةٌ مكتسبةٌ، وهو ما تحاول منصة مرداد تحقيقه في النقد التشكيلي. فشكراً لهذه المؤسسة الثقافية الهادفة.

يستخدم موقع "مِرْداد" ملفّات تعريف الارتباط Cookies . باستخدامك موقع مرداد
فإنَّكَ توافق على سياسة الخصوصية ، بما فيها سياسة ملفّات تعريف الارتباط .
X