
Photo by Anna Shvets from Pexels
20 مارس .
15 دقيقة قراءة .
326
آه آذار
سأذهب إليها ليلاً
الحارس سيكون نائماً
الحارس الذي لا يسمح للأحياء
بالبقاء في القبور..
سأغني لها بصوت خافت
قبل أن يخطف الفجر حلمي
ويستيقظ حارس الموت
رحلت؟
أين هي يا الله؟
جرفتها السيول المتدفّقة من عينيّ...
سمعتها تلهث حتى بعد أن اختفت
رحلت مع الفجر
هل عليّ أن أغتال الفجر
كي أتحرّر من فكرة رحيلِها؟
مؤلمٌ أن لا أعرف كيف أصف غيابها..
مؤلمٌ كغيابها.
أردت أن أحتجّ
لكنّ صوتي كان هزيلاً
أمام طغيان الوقت...
والفجر الذي اختارته
لم يكن يحتمل الصراخ.
الترانيم المريميّة التي كانت أمّي ترنّمها كلّ الوقت
راجيةً الأمّ العذراء
لم تكن تصل كاملةً إلى السماء...
أنفاسها المتقطعة الدافئة...
كان يعلم الغيم بأمرها في الخارج
ويبكي
لم تصل صلاتها بعد...
تعلّقت هناك..
عند الأسلاك الكهربائيّة الشائكة
حيث سينقرها غرابٌ تائهٌ ما..
وبعد كلّ هذا الخراب
نعود لنتناول عشاءنا
..والكلّ كان مشغولاً بالحرب والسياسة والحبّ والأبحاث والرقص والنفخ والطبخ والجنس والشعوذة وتأمين المازوت للتدفئة...
لا أحد يدلّها على الممرّ
الذي يفضي إلى الفراغ الجميل.
لم تصل صلاتها بعد.
سأقتلكم جميعاً...
فرداً فرداً
قبل أن أقتل نفسي...
كيف يحقّ لكم العيش
ولا يحقّ لسواكم؟
سأجعل القضاة ينتحرون أيضاً
عندما يرون أنّ العدالة في الحياة
ليست سوى مهزلة..
لعبة دعارة رخيصة
لن يحاكمني أحد
ولن يبقى لي ولدٌ ليرثني
أو حيٌّ ليكتب التاريخ...
وتبّاً لكلّ المحامين الذين سيحاولون الدفاع عن أنفسهم بشراسة..
إلى الجحيم...
جميعاً.
كانت تستيقظ من نومها في الشهر المريمي
تقترب من تمثال العذراء
تصلح وضعيّة الزهور
تضيء شمعةً أو اثنتين
تقف صامتة لوقتٍ طويل
متّكئةً على حزنها...
ثمّ تقفل عائدةً إلى فراشها
تصل متأخرة..
قبل طلوع الفجر..
قبل أن يضيء الصباح
على دموعي
لم أكن أعرف كيف وماذا ولمن أصلّي.
كنت أحبّ أن اذهب إلى عنايا
إلى بيت القديس شربل
حبيب طفولتي
كانت الشموع تتزاحم عند باب القدّيس
خذل القدّيس أمّي
وخذلني.
شموعٌ كثيرة...
هل رأيتم أخيراً كيف تذوب الصلاة؟
متى ستعود لي إنسانيّتي؟
هل سأظلّ هكذا إلى أبد الآبدين؟
أيُعقل أنّه لم يعد يعنيني أحد؟
أخٌ ما لي في الإنسانيّة في بقعةٍ ما من الأرض
يئنّ ألماً أو جوعاً؟
أيُعقل أنّه لم يعد يعني لي إلّا أقرب الناس إليّ
وأعزّهم إلى قلبي؟
من تراه أسهم في تضخّم أناي؟...
ملعونةٌ أنا...
ملعونة كذلك الحوت المصاب بالتوحّد
وسط المحيط
ألم الحب!
ألم الروح!
ألم الفقد!
ألم الوطن!...
كلّ هذه الآلام تصغر
أمام ألم الجسد
عندما تسحن الـ»آه» كلّ شيء...
حتى حبّة الدواء.
لم يعد يهمّ أن تشتري بيتاً
أو ثياباً
أو أن تأكل طعاماً شهيّاً..
ما يهمّ فقط هو أن يدخل الهواء إلى رئتيك
أو أن تدخل في غيبوبة
حتى لا تعيش لحظات الاختناق
أن تستمرّ في تعذيب أحدهم
لمجرّد أنك تريد رؤية رموشه
تتحرّك؟؟
في هذا الكثير من الأنانيّة
أطلقوا على المهرة المتألّمة
رصاصة الرحمة
مرّروا أصابعكم بهدوء
بين خصلات شعرها
ابكوا أو صلّوا عليها ما شئتم
لكن..
اتركوها تغفو بسلام
أن تنظر في وجه أعزّ الناس لديك
أن تحدّثه
أن تسأله
أن تقبّله
أن توشوشه...
لكنّه لا يبدي أيّ انفعال..
كلّ هذا الحزن يتكوّر في حنجرتي
كلّ هذا الغضب
لا يعرف أين ستكون محطّته التالية
التي تليق بالانفجار.
رحلت في زمن الميلاد
لا أتخيّل نفسي أحمل الطابات الملوّنة
وأعلّقها بغباء..
هذا زمن الصوم والآلام
لا الفرح والميلاد
أشعر بأنّي الآن في حالة حداد
وأنّي بحاجة لأرتدي الأسود
لأن الميت الآن هو أنا
أمّا رحيلها
فسيكون سلاماً لها
وكلّ شيء سيغدو أبيض
لم يعد يهمّ أن نزيّن الأشجار
أو نحتفل بجمعة عظيمة
لم يعد يهمّ شيء
لم يعد يهمّ أن يمسرحوا الألم أو الفرح فوق خشبة..
لم يعد يهمّ أن نصفّق..
ومن يحاول فكّ العقدة بين الحاجبَيْن
كمن يحاول منذ ساعات الصباح الأولى
فكّ عقد عشرات الأسلاك الكهربائيّة...
ويفشل
كيف تقود سيّارتك
عندما تعدم الحقيقة حقّك في الرؤية
وعندما يتحالف الراديو مع الضوء
والكمان
وصوت اسمهان
على تأكيد الفاجعة السوداء..
الأفضل أن تركن سيّارتك إلى جانب الطريق..
هناك...
تحت تلك الشجرة الوحيدة..
يمكنك الرحيل ساعة تشائين
بعد غد
أو بعد سنة
فلقد بكيتك ما فيه الكفاية
وانتهيت
حتّى إن قطة جارتنا التي أكرهها
سألتني في ذلك اليوم:
ما بك؟
يوم فراقكِ سيكون عظيماً..
ستبكي السماء
وسيظنّون أنّها تمطر
ستبكي الدلافين
وسيظنّون أنّها الفيضانات
ستبكي الجبال
وسيظنّون أنّ الينابيع تتفجّر
سأضحك كثيراً
وسيظنّون أنّي سعيدة..
لن يدركوا حقيقة الفاجعة..
أنّي يوم فراقك
سأصبح مجنونة
وقفتُ أمام المرآة
أضرب الصبيّة التي تقف قبالتي
كي لا أضرب نفسي
فأتجنّب الألم
إلى أن تهشّمتْ
ونزفتْ يداي
كنّا نبكيها
قبل أن تموت
..المهزلة الكبرى
هي أن تدخل غرفتها
لتجد السرير مرتّباً
فتصاب بالهلع...
مع أنّك تعلم في قرارة نفسك
أنّ يوم الرحيل
لم يدنُ بعد
تُرى
مَن يطارد مَن
على حافة السرير؟
الألم؟
أم الخوف؟
كانت يدها ضعيفة
كصوتها الضعيف..
والموت يقترب مكشّراً عن أنيابه..
يلتهم جسدها
ولا يكتفي...
يلتهم ترتيلة مريم العذراء كالوحش الكاسر،
ولا يكتفي...
يشرب من دموعي ولا يكتفي...
يروح ويجيء في الغرفة
كالمجنون
تخرج دموعي من فمه
بولاً على الجدران...
تخرج تراتيل مريم
قهقهاتٍ ساخرة
من حنجرته المليئة بالعناكب...
وهي تنكسر أمامه
وتستسلم لجبروته
قلت لها:
لا تجلسي على مقعدك المفضّل دائماً
لا تبني لكِ مكاناً ثابتاً
في الذاكرة
لا تجعلي من عاداتكِ الراسخة
طيراً أسود
يعشّش في الأنقاض
لكنّها كانت تتوجّه دائماً
نحو مقعدها المفضّل
كالقطار الذي يعرف أين ستكون
محطّته الأخيرة
كانت أمّي تبكي
وهي تضع رأسها في حضني
يحدث أن أهدهد أمّي...
حين يرتاح رأسها في حضني
يحدث أن تصير أمّي
ابنتي
وتلك الارتجافة الخجولة
تحت شفتي السفلى..
كيف أخبئها؟؟؟
عندما يتبخّر حرف الميم من فمي
وأنا أنادي عبثاً:
ماما؟
كلّما كبرتُ في العمر
وكبرتِ أنتِ
صغرتْ احتمالات هدهداتك لي مجدّداً
يا أمّي
ها أنا أؤدّي دور أمّكِ
بكل وقاحة..
أضع رأسكِ في حضني
أمرّر أصابعي بين خصلات شعركِ
وأبكي سرّاً
كيف تشفي أيّها اليسوع المرضى
ممارساً مزاجيّتك
وموزّعاً أعاجيبك
هنا أو هناك...
الخاطئ أو التائب
الأعمى أو الأصمّ...
كيف تردّ المرضى الآخرين
خائبين إلى أجسادهم الضعيفة؟
تبّاً لرأسي الذي يحمل صور أعاجيبك
هذا إن كنت فعلاً شفيت أحداً
وتبّاً لرأس حلقي
كم ضيّعت من وقتي في محاولاتٍ فاشلة
ومتكرّرة
لإذابة البرشانة العالقة هناك...
منذ طفولتي...
في يوم الاحتفال الكبير لمناولتي الأولى
هي..
محور القضيّة
لا تعترض ولا توافق
على قضيّة إيماني أو إلحادي..
ولا حتى على موعد صحوتي..
قبل إيماني..
أو بعد إلحادي
هي..
لا يهمّها شيء.......
وكي أخفّف من وطأة الموت
في اللحظات الأخيرة
أغمضت عينيّ
وتخيّلت أنّها تختنق
من الياسمين
في تلك الغرفة البيضاء
شعرت بالبرد ينتقل إلى جسدي
بعد أن اجتاح جثّتها
اليوم أشعر بخيانتي لها
بعد عودة الحرارة إلى جسمي متواطئةً مع الخمر...
فيما غيابها البارد...
سيّد الوقت
... وكان غيابها
رحلتْ باكراً
كنت أودّ قول الكثير لها قبل أن ترحل
أن أطبخ معها
أن نزور بلادا غريبة
أن ننظف البيت في القرية
ونستقبل الجيران..
ونعدّ القهوة
وصلت الوفود المعزّية
حتى خالتي التي لا تستلطفها أمّي،
حضرت
عجباً لقدرة الموت على جمع المتخاصمين!
عجباً لقدرة الأموات على جمع الأحياء!
كانت الأزهار في كلّ مكان..
مثلما يفرح باعة الأزهار في المناسبات السعيدة
كذلك هو الأمر عند موت أحدهم
وبين الفرح والحزن
تتراكم الأزهار
عند خط النهاية الذابل
في آخر النهار
كحديقةٍ معلّقة
في السماء السوداء
كنّ يشكّلن من حولنا دائرةً سوداء
يولولن
يندبن
يصرخن
يبكين
وحدها كانت تسمع صمتي
وأنا أضع يدي في يدها الباردة...
أذكر جيّداً كيف تشبّثتْ أصابعها
بمسبحة الصلاة
كي تمنعني من خطفها
لأشنق بها نفسي
إذاً..
هذا هو اليتم..
أن أفتّش عنكِ أمّي بين المعزّين لأجلس قربك.. وأنسى للحظات أنّكِ لستِ هنا.
جيّد أنهم دفنوها..
حبيبتي
فأنا كنت أكذب
عندما قلتُ لهم:
لا تأخذوها بعيداً..
نحن لا يمكننا أن نعيش بالقرب من الأموات
حتى لو كانوا أعزّ الناس
ماذا لو أردتُ الذهاب في نزهة
كيف كانت سترافقني؟
جيّد أنهم دفنوها بعيداً..
حبيبتي.
كانت يداها باردتين
لكنّها كانت جميلة
ذاك الفجر
الآن
لا أعرف كيف صار وجهها
لا يسمحون لأحدٍ بأن يراها
لا بأس..
على الأرجح
هي أيضاً لا تريد ذلك
أذكر عندما طلبوا منّا الخروج من الغرفة
لأنّ الوقت قد حان لنقلكِ إلى البرّاد
بقينا في الخارج لوقتٍ قصير..
ننتظر أن نودّعك
لمرةٍ أخيرة
قبل الجنازة
تخيّلتُ أنّك ستخرجين معهم
ووجهكِ مغطى بالشرشف الأبيض..
لكنك اختفيتِ..
لستِ على السرير الذي يجرّونه
ولستِ أيضاً في الغرفة!
اكتشفتُ لاحقاً أنّهم وضعوا جثّتك في الطبقة السفليّة من السرير الجرّار
ربّما كي لا يشاهد المارّة في أروقة المستشفى
مستقبلهم
اختفيتِ
مثل فرحي الذي غاب..
واختفى معك صوت ماكينة الأوكسيجين المنهكة وسكتت آهاتك
وهدأت يدك اليمنى
التي كنت ترفعينها
وتخفضينها
ترفعينها
وتخفضينها
كثيراً
بصمت
في الأسبوع الأخير..
مطالبةً بحفنةٍ من الهواء..
ربّما..
أو مطالبةً بتنفيذ حقّك
في الرحيل
اختفيتِ يا روحي
كلحنٍ حزينٍ
لا بدّ أن يسكت..
في النهاية.
بعد أن فارقت الحياة
تخلّصوا بسرعة منها
تركوها هناك
وحيدة..
يكمل حفار القبور
تعتيق وحدتها
..ورموشها لا تطول
لكن عينها تكبر
وتكبر
وهي تحاول بكل قوة
أن تصحو من الموت
القمر حزين..
كأنّ فريد الاطرش يجلس هناك
وحيداً..
يحضن عوده..
ويعزف فقط لأمّي.
كنت أريد أن أبكي بحرّية
... هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها بأنّ وجود أولادي بقربي صار مزعجاً...
فقط لأنّني..
أردت البكاء
بحرّية
سألني الكاهن
هل زرت قبرها؟؟
قلت له:
مذ رحلت،
وأنا ألملم آهاتها عن السرير...
سأزور قبرها عندما أنهي...
ربّما بعد عام
أو أكثر...
أو أكثر.
أعد بذلك
وسأحضر معي القهوة..
أعرف أنها لن تقوم لنحتسيها معاُ
فقط أقول هذا
كي أرضي مخيّلتي..
تماماً ككل من يفكّر
ويكذب..
التفكير مجّاني
لِمَ أزورها؟
سأقرع الباب
لكنها لن تفتح
سأناديها
لكنّها لن...
سأسكب لها القهوة،
وأتركها أمام الباب...
وأرحل
يا طير
أكان على الله القادر على كلّ شيء أن يفبرك جسدها الضعيف المريض ويخطفها كي يعلّمها فنون الغياب وتعتاد عليها، لتدرك أخيراً أنّ بإمكانها أن تكون من دوني؟
فلترحل كثيراً... فلترحل كثيفاً.
ليتها ماتت لحظة ولادتها،
قبل أن أذوب...
قبل أن أموت فيها حبّاً
كيف أحرقوا نهدكِ المبتور يا أمي؟؟
أين تراهم نثروا رماد أنوثتكِ؟
كيف سمحتِ لهم أن يطفئوا ذاكرتكِ...
وانا فيها؟؟
الأمس لم يأت،
كذلك هو اليوم..
والغد..
من يكتب لكِ عنكِ على جدران المقبرة؟
من يحصي لكِ أيّام الغياب في زنزانتكِ؟
كيف لإلهٍ كسول أن يعيد لوجنتيك لون الورد؟
يا من كنت تؤمنين بنشاطه
وبلون الورد الأزلي
وبالقيامة..
كم أصبح عمرك الآن؟
ليتكِ تأتين مع الفجر لنحتسي القهوة معاً،
سأدلّك جسدكِ..
أعرف كم أتعبكِ النوم الطويل..
وسأحرق ملعقةً من البنّ فوق الجمر لتتنشّقي رائحة القهوة،
لتعوّضي ما فاتكِ ولتخزّني مؤونةً منها
لصباحات الوحدة الآتية
في القرية العتيقة.
آه يا حبيبة روحي كم اشتقتكِ.
كم أصبحتِ تحترفين الغياب..
مثلما تحترفه نفسي عن نفسي.
ليتكِ تعودين لليلةٍ واحدة
أريد أن أخبركِ كم أحبكِ
وكم اشتقتكِ..
ليتهم يخترعون للأموات هواتف خلوية خاصة.....
عليّ أن أصمت...
كل هذا الهراء الذي أتفوّه به..
ما بيعني شي لحدا..
أشعر انه باستطاعتي الآن أن ألتهم الكثير من الفوشار......
هيدا كمان ما بيعني شي لحدا...
أشعر اني سألتهم نفسي
.
القرية هادئة..
ربّما لأنّكِ نائمة لوقتٍ طويل..
أمّي
وصلنا إلى البيت العتيق
ينتظر الغياب خلف الباب
المفتاح صدئ
صوتكِ لا ينادي الجارات على «الصبحيّة»
لن تحضّري الكشك في الصيف الذي لن يأتي.. ربّ البندورة، المخلّلات..
لن تقفي عند الباب تنتظرينني كيف أترك صخب المدن
لن تغمريني بعد اليوم بلهفتكِ المعهودة
لن...
مسحتُ الغبار عن أشيائكِ في بيتكِ الصغير الذي لطالما أحببتِه في القرية..
أرجو منكِ الآن أن تمسحي دموعي
يا ست الحبايب
أردت أن أخبركِ أنّ صورة القديسة ريتا العتيقة التي كنتِ تخبّئينها خلف المرآة لم أغيّر مكانها.
وأنّ حوض الزهور يشتاق إليكِ.
أحدّق في صمتكِ أمّي
أراقب غيابكِ الذي يشعّ كالضياء
ينتشر في أرجاء البيت
لم يعد بوسعي أن أرى
الكمان يُبكيني
المكان يُبكيني
السلام عليك يا مريم
يا ممتلئة نعمة
يا صلاةً تلتْها أمّي قبل رحيلها
يا للبؤس
يا لموسيقى سكتتْ
يبدو أنّه مرّ وقتٌ طويل قبل أن أعود إلى غرفتكِ يا أمّي.
فالرواية التي كنت أقرأها عندما كنتِ نائمة في الصيف الذي مضى..
قد غفا فوقها الغبار..
وما زالت الصفحة حين قرّر الأبطال فيها الرحيل مطويّة
حيث كانت.
يجول نظري في الشرفة حيث كنّا نجلس صباحاً..
ضبضبي فنجانَي القهوة من رأسي
لملمي فتات آهاتكِ
اجمعي سنابل قمحكِ التي جدّلتِها مع خصيلات شعري
كفّي عن ترنيم ‘يا مريم البكر فقتِ الشمس والقمرا’،
ترجّلي من ذاكرتي قليلاً
اتوسّل إليكِ أمي
أنا تعبت
الى متى سأظل أبحث عن الكلماتٍ
لأنّه لا بدّ من أن نقول شيئاً..
مذ نطقت كلمتي الأولى: ماما..
مذ نطقنا كلمة «ماما»... ونحن نبحث عن كلماتٍ أخرى تفي وعينا بالنطق حقّه...
وما زلنا نفشل.
من يقلّص المسافة نحو الماضي لنعود ونتقدّم نحو الصوت الأوّل.. نحو اللحن الأوّل؟
لمَ البحث وقد ماتت اللغة من بعدها..
على فراش الألم؟
- هل رأيتها في اليوم الأخير قبل أن تموت؟
- عيناها معلّقتان في سقف الغرفة
وأنا أمسح من جوف أذنها دمعةً ضلّت طريقها عن الخدّ
بحكم قانون الهبوط....
أنهيت القراءة
