من يحق له أن يعلِّم؟٦ دقائق
من يحق له أن يعلِّم؟
تطوير الذات

من يحق له أن يعلِّم؟

د.إيلين دمعة · ٦ دقائق قراءة · ٤ مشاهدة
من يحق له أن يعلِّم؟

01 يناير  .   6 دقائق قراءة  .    4

غالباً ما نقرأ في النظريات التربوية أنّ "المعلّم يولد ولا يُصنَع". وهذا يشير إلى أنّ التعليم موهبة قبل أن يكون أي شيء آخر. وإذا كان كل تعلُّم أو صنعة أو مهنة يقتضي تمتُّع الشخص المعنيّ بالموهبة، فلعل التعليم يقتضي مواهب متنوعة. وقد قال أحدهم عن العبقرية إنها واحد في المئة موهبة، والباقي كدّ وتعب. هذا يعني أن المعلّم، كما الفنان وممارس أي مهنة أخرى، يولد ويُصنع معاً. فالموهبة لدى المعلم تقضي بأن يختار عمله من دافع شخصي ويمارسه بشغف ويكون "طالباً أبدياً"، لا يكف في أي لحظة عن التعلم والابتكار. لكن هناك ثقافة لا بد من اكتسابها، لا في حقل واحد بل في حقول عدّة. فإضافةً إلى المادة أو المواد التي يعلّمها، يجب أن يكون مطّلعاً على الثقافة العامة في العلوم، خصوصاً في الإنسانيات من تاريخ وفلسفة وأديان وآداب وفنون، وكذلك على مبادئ التربية والتعليم وعلم النفس وعلم الاجتماع. كما يتوجب عليه معرفة تاريخ البيئة التي يعلّم فيها وتكوينها الاجتماعي. فلا الموهبة أو الفطرة أو الرغبة وحدها، ولا الثقافة وحدها، تجعل من شخصٍ ما معلِّماً. وكم من العلماء والأُدباء والمبتكرين الكبار لا يستطيعون أن يكونوا معلّمين، وكم من المعلمين كان اندفاعهم أكبر كثيراً من ثقافتهم وعلومهم. ولا شك أن المطلوب هو أن يتحقق الشرطان كلاهما.

صحيح أنّ على المعلم الناجح أن يتمتع بالعلم والموهبة معاً، أي بالثقافة والاندفاع. لكن ليس المطلوب منه أن يكون عالماً أو مكتشفاً أو أديباً أو شاعراً أو فنّاناً. صحيحٌ أيضاً أن كثيراً من العلماء وسائر المبدعين يعملون في التعليم الجامعي ومراكز الأبحاث. لكننا معنيّون هنا بالتربية المدرسية السابقة للجامعة. وما من مبدع على وجه العموم، باستثناء بعض الأدباء والفنانين، يعمل في حقل التعليم المدرسي. ثم إذا كان معلّم الفيزياء عالماً ومعلم الأدب كاتباً، فعمله في التعليم من شأنه أن يعوقه عن الاكتشاف والبحث والإبداع. كذلك قد تحمله بحوثه ومواقفه وآراؤه على أن يجافي الموضوعية ويقدّم المادة التي يعلّمها بانحياز. إلا أنه من الجيّد أن يتعرف المتعلمون على أناس مبدعين في حقولهم. وهذا يحصل عبر زيارات منهجية تنظّمها المدرسة، يقابل فيها التلاميذ علماء ومفكرين وكتّاباً وفنّانين، أو عبر محاضرات يلقيها الباحث أو الأديب في المدرسة، ويُتاح للتلاميذ أن يوجّهوا إليه أسئلة ويناقشوه ويتلقّوا إرشاداته. أما الجامعة، كما قلنا، فهي مكان العلماء والمفكرين أيضاً إلى جانب ناقلي العلم والفكر. وهي تقدّم لهم تسهيلات عملية ومادّية ومعنوية للبحث والإنتاج، يندر أن يحصلوا عليها في مكان آخر، ولا ترهقهم بساعات عمل طويلة حتى يتسنى لهم أن يتابعوا اختباراتهم وكتاباتهم بتكريس ونشاط.

بالعودة إلى المدرسة، نذكّر بأنّ المعلم ناقل للعلم. وعمله هنا أن ينظّم وسائل التعليم المختلفة، من كتب مطبوعة ومواد سمعية – بصرية ورسوم وأفلام ورحلات وما إلى ذلك، وأن يقدّمها إلى التلاميذ، مع تدريبهم على تحرّي معلومات إضافية بأنفسهم. لكن أيعني هذا أنّ في استطاعة الإدارات التربوية الاستغناء عن المعلمين والاستعاضة عنهم بمكتبات وأجهزة كومبيوتر ومنظّمي رحلات؟ الحقّ أنه لا غنى عن المعلم لأنّ لديه طريقته الفذّة القائمة على العلم والخبرة في جمع المعلومات ونقلها وضبط حصولها عن طريق المناقشات في قاعة الدرس وفي الامتحانات، والقائمة أيضاً على التمييز بين الجيد والرديء في المواد المطبوعة والإلكترونية التي يعتمدها المتعلمون كمصادر ومراجع. كذلك لا غنى عنه لإقامة علاقات إنسانية بينه وبين التلاميذ، تبلغ ذروتها في تقديرهم وحثّهم على العمل واحترامهم كأشخاص وتعليمهم كيف يحترمون الآخرين كأشخاص. وهذا الدَّور يجعل من المعلم نموذجاً يحاكيه المتعلمون. لكن معاملة التلاميذ كأشخاص لا تعني أبداً أن يدعهم المعلم يتصرّفون على هواهم. ذلك أنّ عدم ضبط الرغبات يوجّه نموّ الشخصية في وجهة منحرفة. وعندما يضطر المعلم الى اعتماد التأنيب والعقاب، عليه ألا يعاقب للثأر، وأن يصفح بحزم ومحبة. هذا كله يحصل في إطار الاهتمام بالمتعلمين كأشخاص. لكن هذا الاهتمام غير ممكن إذا كان عدد التلاميذ في الصف كبيراً. والادارات التربوية الحكيمة تأخذ هذا الأمر في الاعتبار. وفي كتاب صدر حديثاً عن صفات المعلم الناجح، يحلل المؤلف اثنتي عشرة صفة، بينها الآتي: أن يعدّ دروسه أفضل إعداد، أن يكون إيجابياً في طريقة التعليم ومعاملة التلاميذ، أن يكون مرِحاً، أن يكون مبدعاً في تعليمه وفي الجوّ الذي يخلقه في الصف، أن يضفي لمسة صداقة على علاقته بالتلاميذ، أن يُظهِر لتلاميذه الاحترام والمسامحة والعطف.

في هذا الإطار عينه، على المعلم أن يُظهِر نفسه للتلاميذ كإنسان، مع حفظ حدود بينه وبينهم من أجل الحفاظ على دوره كمنظم وقائد. والقرب من التلاميذ يعني أن يقابلهم المعلم بوجه بشوش لا بوجه عابس، مظهراً انفتاحه على مساعدتهم. والمؤسف أن عدداً كبيراً من المعلمين، لعله عددهم الغالب، لا يكرّسون وقتاً لتلاميذهم ولا يعرفون حتى أسماءهم، ظناً أن دور المعلم يقتصر على التدريس، أو لأنهم يعملون ساعات طويلة، في أكثر من مؤسسة تربوية نهارية ومسائية، من أجل تأمين معيشتهم. وإذ يتوجب على الإدارات التربوية، الحكومية والمدرسية، الاقتصار على ذوي الكفاية لإسناد مهمات التعليم إليهم، يجب أيضاً وضع حد أقصى لساعات التعليم وتعزيز أوضاع المعلمين المادية وضمّ واجب الإرشاد الشخصي إلى واجبات التدريس. وليت نقابات المعلمين تدرك هذه الحقائق أيضاً، فتحرص على أن يكون طاقمها مؤلفاً من معلمين صالحين أولاً، قبل أن يحقّ لهم اللجوء إلى وسائل سلبية للحصول على حقوقهم، من نوع الاعتصامات والإضرابات وشلّ عمل المؤسسة التربوية. غنيّ عن القول أنّ للمعلمين حقوقاً مقدسة لا يجوز الاستخفاف أو العبث بها. إلا أن حقوقهم مشروطة بكونهم معلمين صالحين.

أنهيت القراءة

كيف وصلك هذا النص؟

0أثار تفكيري
0لمس قلبي

لا تعليقات بعد

  0
  0
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال