ابق في خضمّ خوفك كي تحلّ مشكلتك٧ دقائق
ابق في خضمّ خوفك كي تحلّ مشكلتك
تطوير الذات

ابق في خضمّ خوفك كي تحلّ مشكلتك

اسمهان الشعبوني
اسمهان الشعبوني · ٧ دقائق قراءة · ٣٥٥ مشاهدة
ابق في خضمّ خوفك كي تحلّ مشكلتك

01 يناير  .   7 دقائق قراءة  .    355

كي تخرج من مشكلتك، يجب أن تبقى فيها وفي خضمّ خوفك. رغم ما تبدو عليه هذه الجملة من تناقض في الظاهر، فإن هذا ما ينصح به الكاتب والمعلّم الروحيّ الأمريكي أدياشانتي Adyashanti.

بعد أن تتلمذ على أيدي المعلّمين البوذيين في إطار التقليد الزان، تحوّل أدياشانتي الذي وُلد سنة 1962 واسمه الحقيقيّ "ستيفن جراي"، بدوره إلى معلّم روحيّ. ويقول إنّه يستقطب بالخصوص الأشخاص السالكين بمفردهم، والذين لا ينضوون تحت لواء معلّم روحيّ أو طريقة معيّنة. يعطي أدياشانتي دروسا في جميع أنحاء العالم، وعلى الإنترنت، وهو معلّم عميق جدّا، مرهف الحسّ. كتب كتبا عديدة قيّمة، من بينها كتاب "أهمّ شيء" The Most Important Thing

وفيه، يفسّر أنّنا عندما نحاول أن نفلت من صعوبة نجد فيها أنفسنا، سواء بالهروب إلى كتاب أو فلم أو أغنية أو بالانخراط في تواصل مع الأصدقاء أو حتّى بالبحث عن حلّ سهل وسريع لتلك الصعوبة كي يكفّ الألم ويختفي الشعور بالضيق أو الخوف، فإنّنا لا نواجهها.

لكن، على العكس، عندما نبقى منفتحين لعيش القلق المرتبط بمحنتنا، فإنّنا نكون صادقين مع أنفسنا، ولا نتهرّب من ذواتنا. وذلك مهمّ جدّا لأنّ الصّدق هو مفتاح الطريق الروحي. إلهاء الذّات عن عيش صعوباتها بتلافي تجربة الشعور المزعج، يضع على النفس قناعا زائفا في حين أن جوهر المسار الروحيّ يتمثّل تحديدا في نزع الأقنعة.

وفي هذا السياق، يحكي أدياشانتي عن تجربته الأولى في الخلوة حين كان في العشرينات من عمره، حيث دخل لمدّة خمسة أيّام في خلوة مع معلّم بوذيّ وتلاميذه. ويقول إنّه حين بدأت الخلوة، داهمه شعور مباغت بخوف رهيب، ولم يستطع أن يهرب منه إلى أيّ تسلية، لانعدام وسائل الترفيه والتواصل عموما خلال الخلوات. وبينما كان يعد نفسه طوال الوقت أنّه لن يعيد تجربة الخلوة مجدّدا، فإنّ أدياشانتي الذي أصبح هو ذاته فيما بعد معلّما روحيا يقود الخلوات، والذي التقى في خلوته الأولى تلك معلّما أثّر كثيرا في مساره الروحيّ – يقول إنّه لم يفهم ما حدث له إلّا بعد مرور فترة طويلة. ويبدو أنّ روحه وعت خلال تلك الخلوة الأولى أنها بصدد تحوّل كبير، وخافت أناه من الاندثار الذي ستتعرّض إليه، فانكمشت في خوف مريع.

لم يكن أدياشانتي ليعيش شيئا من هذا القبيل لو هرب من الخلوة، ولو لم تتوفّر الظروف التي أجبرته على أن يتوقّف عن الحركة والنشاط، وعلى أن يصغي إلى أعماق نفسه. لذلك فإنّه من المهمّ أن "نجلس مع مشكلتنا"، كما يقول الكاتب الأمريكي، وأن نصغيَ إلى أنفسنا.

وإن لم يتسنّ لمعظمنا الدخول في خلوة كي نتوقّف عن الحركة نظرا لمتطلّبات الحياة اليوميّة، فإنّ التأمّل يمنحنا فرصة للإصغاء إلى أنفسنا. وذلك هو الهدف الحقيقيّ من تمارين التأمّل حسب الكاتب. فهو يفسّر أن الهدف من التأمّل ليس تهدئة الفكر، كما قد نظنّ، أو تخليص العقل من كلّ الأفكار التي قد تمرّ به، لأنّ محاولة التخلّص من الأفكار هي أيضا في حدّ ذاتها فكرة.

الهدف الحقيقي من التأمّل، على حسب قول أدياشانتي، هو أن نستمع إلى أنفسنا وما يجري بها فعلا. نجلس ونتقبّل كلّ ما يأتي: قد يكون شيئا دنيويّا تافها، أو شيئا إيجابيّا رائقا، أو خوفا أو قلقا أو انزعاجا أو حيرة. فإن كانت صعوبة، عشناها بكلّ جوارحنا. وإذا كان المرء مثلا يشعر بالضياع والحيرة، وجب عليه أن يتقبّل ذلك الشعور وأن يعيشه رغم أنّه شعور مزعج، وذلك الإزعاج في حدّ ذاته رحمة.

فالرحمة، حسب الكاتب الأمريكي، تأتي على شاكلتين: نور وظلام. أمّا الرحمة على شكل نور فهي رحمة رائقة ممتعة، مثل تجربة الصحوة الروحية، حيث يتفتّح القلب، وتتلاشى هويّات الأنا التي اختلقها المرء لنفسه. وأمّا الرحمة التي تأتي على شكل ظلام، فهي ليست شيئا من الشرّ أو الشؤم، بل هو الظلام الذي يعبره الإنسان عندما يكون في طريقه بحثا عن النور.

وإنّ تجربة الحياة، كما يذكّرنا بذلك أدياشانتي، تؤكّد أن أقسى المحن هي أكثر ما يجعل القلب يتفتّح. إذ أنّنا لمّا نعايش محنة شديدة أو نصل إلى حافة الهاوية، ونتفتّح تماما لتجربة التحدّي، والعسر، والإحساس بانعدام الأمان، يمكن للرحمة أن تدخل إلينا من تلك النافذة.

الرحمة التي تأتي على شكل ظلام ترمينا عادة في المجهول: نجد أنفسنا في صعوبة من صعوبات الحياة دون أن ندري كيف نتخلّص منها أو إلى أين نتّجه. لكن المجهول، حسب أدياشانتي، هو الأرضيّة الخصبة التي تأتي منها الرحمة. فنحن عندما نقبل بأن نضيّع ذواتنا، إنّما نتخلّى عن كلّ الحلول المعروفة التي سطّرتها عقولنا، ونفتح قلوبنا لا لبصيرتنا، بل للحكمة والمحبّة التي هي مصدر كلّ البصائر. وعندئذ، يمكن للمفاجآت أن تقع، إذ أن الوعي الذي يحملنا إليه ينبوع الحكمة والمحبّة، والحلول التي يأتي بها مصدر كلّ البصائر قد تتجاوز كلّ ما تقدر عليه إرادة الإنسان في العادة.

لكن هذا لا يعني، كما يحذّر الكاتب، أنّ المعاناة ضروريّة للتقدّم في الوعي. ثمّ إنّ هناك من قد يمضي حياته في المعاناة، ولكنّه متشبّث بطرق تفكيره وأساليب حياته التقليدية بدرجة تمنعه من الانفتاح تجاه أيّ جديد.

إنّ تواصل كلّ فرد مع ينبوع الحكمة والمحبّة، سواء سمّاه الله أو الكون أو القوّة الذكيّة التي تحكم العالم، مهمّ جدّا حسب أدياشانتي، ليس فقط كي يجد الفرد طريقه من الظلام إلى النور بل أيضا كي يعيش حياته كاملة. فهو يفسّر في مقدّمة كتابه "أهمّ شيء" أنّ كلّ فرد منّا هو بلورة خاصّة لوعي الكون، مختلفة باختلاف كلّ شخص. لكن لا يمكن لأحد أن يعيش هذا الوجه من الوعي الكونيّ الذي جاء من أجله فوق الأرض، إلّا إذا اكتشف أهمّ شيء لديه. ويوضّحُ أدياشانتي أنّه يقصد الشيء الذي يعطي معنى لحياتك، وهو ليس معنى الحياة بصفة عامّة لأن ذلك يبقى نظريّا، بل الشيء الذي يجعلك تحسّ أنّك أنت بالذات حيّ، وهو الذي يعطيك شعورا بالإلهام والطمأنينة والفرح.

إنّ معرفة كلّ فرد لأهمّ شيء لديه هو بداية مساره الروحيّ، وهو في الآن نفسه نهايته. منه ينطلق البحث عن المعنى، وإليه تسمو الروح التي تخوض الظلمات بحثا عن النور. "ما هو أهمّ شيء لديك؟ " هو، حسب أدياشانتي، أهمّ وأوّل سؤال تطرحه على نفسك. هو المقدّمة لتجاوز كلّ صعوباتك، والطريق للخروج منها، والحجر الأساس لمعرفة نفسك.

فما هو أهمّ شيء لديك؟


#معلّم_روحيّ  #أدياشانتي #خوف  #مواجهة  #معرفة_النفس

أنهيت القراءة

كيف وصلك هذا النص؟

4أثار تفكيري
2لمس قلبي

لا تعليقات بعد

  4
  2
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال