انحناء الحجارة | قصة في مدينتين | الجزء السادس

24 مارس  .   4 دقائق قراءة  .    519

وسط بيروت
 

متعبة مدن الشرق، لم ترتح حجارتها منذ زمن بعيد، تسجل وتشاهد دون أن تنطق كلمة واحدة، تغصُ الحرقة في حلق نوافذها بغير القدرة على البوح بها. تظن للحظة أنها ترغب في الزحف من مكانها لتلتقي مع بعضها في منتصف الطريق لتنسد الكتف على الكتف.

 

في دمشق... 

أبو سليم، يسير قبل طلوع الفجر بين الحارات القديمة، يهوى الهدوء في دمشق قبل وصول عدد السكان إلى ذروته في الظهيرة، يلامس بيديه الحجارة التي بدأت تشبه تجاعيد جلده. رغبة صاحب الفندق بالخروج باكرا، هربا من الحقيقة التي يشهدها من التغيير في تفاصيل اعتاد عليها، أسس فندقه رغبة في الحفاظ على مساحة صغيرة تشبهه بعيدا عن التحولات الخارجية التي تقع على عتبة داره. 

تمازج الألوان يسحره، قوس قزح دون مطر وغيم، قنديل أصفر مع اللحظة الرمادية على الجدران تستقبل بدايات ضوء الشمس قبل شروقها بالكامل. يصبّح أبو سليم على جاره الخارج بالعباءة البيضاء متجها نحو الصلاة، مرددا " السلام عليكم جار، نهارك مبارك"، بعد قليل يلقي السلام على عامل البار الذي يضع ما بقي من زجاجات النبيذ بعد سهرة طويلة على باب الملهى، " يعطيك ألف عافية، نشالله لكل كان مبسوط؟ "، هو سؤال يحير العامل، هل أبو سليم منزعج من الاجواء أم هو فعلا صادق بمشاعره؟. ليكمل نحو بائع الخبز الذي بدأت رائحته تفوح من بيت النار، هي عوالم ضمن عالم واحد. 

 

 نهاية خط سير الصباح عند باب شرقي، يقف يأخذ نفسه وينظر بعيدا، لهذه النقطة مكانة خاصة في قلبه غير كل الابواب الباقية، هي بوابة نحو شروق الشمس حيث يعلن بدأ النهار، يرغب بأن يحفر اسمه ليكون مشاركا للكثير من الشخصيات التاريخية التي مرت من تحت قناطره، عيون أبو سليم تحلق بعيدا نحو الافق لكن جسده يبقى مكانه كأن أعشابا شوكية تخرج من تحت الارض وتمنعه من الحركة، لو كان الثمن أن تدمى قدميه. لم يغادر مدينته إلا لمرات قليلة، ولرغبته في السفر والترحال والتعرف على الشعوب، اتفق منذ زمن مع شاب كثير التنقل بين البلدان بداعي التجارة، يعطيه هدية من دمشق ويهديها لمن يشاء في طريقه شريطة أن يبادله بهدية مقابلة، فكانت غرفته داخل فندقه مليئة بالهداية من أناس لا يعرفهم، هي مساحة مليئة بمختلف "شعوب" الارض. 

 

في بيروت...

حان وقت أن تنثر السماء جواهرها للبشر، هكذا تصف السيدة سعاد موعد الغروب، لتخرج على شاطئ "الرملة البيضاء " مع قهوة وكتاب، تفتح الصفحة الاولى تقرأ السطر الاول ثم ترفع عينيها نحو الموج، ليأخذها تفكيرها نحو دنيا أخرى.  تخرج قلما من حقيبتها وتكتب على أخر صفحة من الفصل الاول، هي عادتها في أن تكتب داخل الكتاب كتابا آخر. 

 

دونت صاحبة المكتبة، "مدينةٌ دون خطيئة لا طعم لها، لا أحبُ مدن ساندريلا المتعثرة بقوانينها عند منتصف الليل، فلا رغبة لأخذ دور الباحث في النهار عن قياسِ قدمٍ، يتجانسُ مع خلخالها الذي وقع عند أخر كلمة في القافية، وهي تهربُ من أحد بيوت القصيدة. ميزان المدينة هو الحب، حين تعيش بين حجارة وتجد من يحبك، تغدو الحجارة مدينة، وحين تجد من يسكن في قلبك، تصبح المدينة عاصمتك الأبدية. ومع الزمن، إن بقيت أو رحلت عنها، لا يتغير معيار الميزان، ترحل حاملاً مدينتك كغيمةٍ تحفظُ سرك، وإن باحت به مطرًا، سيرقصُ الناس تحتهُ لا يعرفون من هي، من أي إمرأة يستسقى الكلام، من أي مدينة تُصبغُ وجوههم ". 

 

السيدة سعاد تدير ظهرها دائما نحو الجبل، تهوى أشكال السفن وهي تختفي كأنها عناقيد عنب تقع في سلة الافق، نحو المجهول والارض الاخرى، تحب بيروت لانها مدينة تستطيع أن ترى فيها وجوها شقراء وسمراء، ولهجات تفهمها أو غريبة بحروفها، وعلى قدر هذا التنوع، تمر المدينة في كل حقبة زمنية بفترات قاسية تجعل كل وجوه من يعيش فيها تشبه بعضها وكل اللهجات تنتهي حيث يسود الصمت أو الأنين الواحد. لأنها كانت كثيرة التنقل بين البلدان بسبب طبيعة دراستها، تعرفت على الكثير من الناس، وهي تستمتع جدا في عيدها، حين تصل إليها هداية من مختلف أصقاع الدنيا لتجمعها في غرفتها. 

  0
  7
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال