
01 يناير .
2 دقيقة قراءة .
505
"أنا والأمين جيران"...
يحلو لي أن أتخيّل يوسف حبشي الأشقر يقولها. أَلَيسا جارَينِ؟ هو وأمين
الرّيحاني. بلى، بيت شباب جارة الفريكة في جبل لبنان. كان عمر الأشقر أحد عشر
عامًا حين وقع الرّيحانيّ عن درّاجته في أواخر شهر آب وأسلمَ الرُّوح بعد أيّامٍ
قليلة. لكنّه سَلَّمَ يوسف حبشي الأشقر رسالته وشكوكه الدِّينِيَّة. أَوَ ليسَ
الجار أولى بالمعروف؟ من الغريب أنَّ منطقة روحانيّة كجبلِ لبنان يتَّسِمُ
أدباؤها بكلّ تلك التّساؤلات حول الوجود والدّين. ربّما هو القُربُ من الله.
كلما اقتربنا أكثر كلما تجلّت الأمور أكثر. والتّجلي لا يعني اليقين بل عكسه.
"إسكندر" الرّواية اللّبنانيّة الحديثة ما نبتَت "جذوره في
السّماء" بل في ضيعة الكنائس وأجراسها. وكجارِهِ أمين كان يرى الله في كلّ
شيء ولا يراه. رحلَ في الخامسِ من شهر آب, وآب لعنةُ جبل لبنان وشهر الحصاد، حصاد
أدبائه.
حرصت والدته أن تخاف عليه من البرد عندما كان ينزوي في إحدى زوايا صالون
الضّيوف للكتابة. وهي لا تعرف أنّ البرد الأكبر كان ينخر تساؤلاته الكونيّة
والدّينيّة. أمّا والده، الكاتب إميل الأشقر، فكان تخوّفه الوحيد ألّا يرث ابنه
قلمه. لم يخذل يوسف أباه بالرّغم من أنّ المرحلة الّتي عاش فيها خذلته. مرحلة
"الما بين بين". المرحلة الّتي تمسكُ بيدٍ عصر النّهضة وباليد الأخرى
عهد الحرب الأهليّة.
"لقد سبقَكَ أمين إلى الحقل"، جملةٌ كانت تُردِّدها والدة الرّيحاني
مُخاطِبَةً كلّ مَن يأتي سائلًا عن أمين. كان يسبق الجميع إلى الحقول، هناكَ
حيثُ كان يرى الله. وقد سبقَ يوسف حبشي الأشقر إلى حقلٍ لامُتناهٍ من المعرفة.
أراهما الآن أمامي جالسانِ على أرضِ الحقيقة، يتسايرانِ ويضحكان فيقول الأشقر
مقهقِهًا: شِفِتْ يا جار؟ الضّيعة بتخلق وبتبقى بقلوبنا. يُجيبُ أمين بِحِسِّ
الرّحالة الَّذِي ما غادَرَهُ أبدًا، سارِحًا بخياله، ينظر إلى البعيد: أنا
اشتقت للصحرا، للرّمل وللحرّية.
#يوسف_حبشي_الأشقر #الضيعة #لبنان #شهر_الحصاد #الحقل أمين الرّيحاني#
أنهيت القراءة
افتح غرفة باسم هذا المقال، وادعُ من تريد إليها.

