
01 يناير .
4 دقائق قراءة .
4
في الثّالث عشر من أيلول، ركبَ أمين الرّيحاني
درّاجته وحوّلَ وجهه إلى "مشرق الشّمس وعلى كتف الوادي، بالقرب من كروم
أجداده، نصبَ خيامه. فوق نهر الكلب وقبالة جبل صنين، رفعَ رايته البيضاء"
وأسلم روحه إلى نور الحقيقة. حَصاةٌ صغيرةٌ لا يتعدى حجمها غمرةَ اليد، كانت كفيلة
بأن تجعل من فيلسوف الوادي طيرَ سنونو وورقةَ صنوبر وقطرة ماء رقراق.
مَن كان قلبه في لبنان وروحه في البلاد العربيّة جمعاء، عاشَ دون أن يبغض
أحدًا وأحبَّ دون أن يغار من أحدٍ وارتفعَ دون أن يترفّعَ على أحدٍ وتقدّمَ دون أن
يدوس مَن هم دونه أو يحسد مَن هُم فوقه. كانت هذه سُنَّته وما فرضَها على أحد. مَن
أحبَّ مرافقته في رحلته، يجب أن يتجرّد عمّا أورثه إياه الأجداد وأن يرمي عن روحه
الأثواب البالية الّتي تفحّ منها رائحة العفن العقائديّة. عليه أن يمزِّق انتماءه
إلى الأحزاب والطّوائف والجمعيّات "مهما كانت صبغاتها ومهما تسامَت
غاياتها". عليه أن يمشي عاريًا، بكرًا، خامةً وأن يخيطَ بيدِ قناعته ثوبًا من
المعرفة الّتي اكتسبها. قد يكون بسيطًا لكنَّ خيوطه مُحْكمة وقماشه مَحَلِّيّ غير
مستورَد. مَن يمشي معه في رحلته، قد يموت من حصاةٍ صغيرةٍ على مسلكِ الحكمة
والحقيقة لكنّه سيبقى حتمًا "خالدًا" في كتاب الحياة. "إنّ السّيرَ
في الشّوارع يذكّر الانسان بالانسان وَأَمَّا السّير في الوادي فيذَكِّر السّائر
بالخالق العظيم".
رَحّالةُ جبل لبنان، آمَنَ بهجرةِ العقلِ مترافقة مع هجرة الجسد. لا تطوّر
لجسدٍ في عقلٍ متقاعدٍ متكاسل. العربيُّ الشّرقيّ، اعتمر كوفيّته ولبس جلبابه
وارتمى في رحمِ الصّحراء، يرتطمُ في مخاضها ويُطعَنُ بآلامها ليولدَ عالِمًا
بالنّفسِ الانسانيّةِ عامّةً والعربيّةِ خاصّةً. "ملوكُ العرب" تَوَّجهُ
ملكًا على عرشِ أدبِ الرّحلة. في "قلبِ لبنان"، ارتدى الشّروال والزّنار
وشدَّ الرِّحال متسلّقًا الجبال، مُتَنَزِّهًا في الحقول والقرى. يشربُ من نبعِ
ماءٍ على الطّريق. يأكلُ في بيتِ فلّاحٍ قابله في الحقل. يسهرُ على سطيحةِ مختارٍ
لقريةٍ مرَّ بها. كان يرى الله في كلّ مكان. في ضحكةِ طفل. في حضنِ أُمّ. في
صلابةِ أب. في تراب الأرض. في الحبّ. نعم، في الحبّ. "مهما كُنتَ صَالِحًا،
يا أخي، أو مهما كُنتَ طالحًا. مهما ارتفع شأنك أو اتّضع مقامك في مراتب الوجود،
فإنّي ما زِلتُ أعتقد فيكَ وأُؤمنُ بكَ وأحبّك." في لبنان، بحثَ عن قلبه. عن
القرية الّتي تُمثِّلُ قَلْبَه وخَلُصَ إلى أنَّه لا قلب للبنان لأنّ لبنان هو
قلبٌ بذاته.
مؤسس الشِّعر المنثور دون منازع، وليس هذا بغريب. مَن رفضَ القيود في كلّ شيء، لا بدَّ وأن يكسر النّظم. "شاعرُ الشّمس"،
ما كان يحتمي من أشعّتها بالأوزان والقوافي بل فضَّلَ الاحتراق والتّحرّر. كم يحلو
لي أن أناديهِ "سليمان الوادي". كيف لا وهو الَّذِي كان يتحدّثُ مع
أشجار الصّنوبر ويُطمئنُ أسراب السنونو الهاربة. كان يسمع الجبال وهي تتحادث بصوتٍ
جهوريٍّ لا يسمعه أحد سواه. ويُنصِتُ لدعوة الوادي إلى الفلاح وهو يقول:
"تعالَ وفأسكَ ومنجلك."
"لِكلِّ كتابٍ أجل"، هذا كان ردّه على سماحة السّيد محمد الحسين آل
كاشف الغطاء النجفي على جملته "لكلِّ أَجَلٍ كتاب". وقد كانَ أجَلَه، في
مثلِ هذا اليوم من أيلول، على طريق الوادي الَّذِي أحبَّه. بسببِ حصاةٍ صغيرةٍ
أعاقت دولاب درّاجته. وقعَ أمين الرّيحاني في حضن الوادي وتكسّرت عظامه على شطآن
حجارته. نزفَ دماءً في وداعه وعاهده ألّا يفارق سماءه أبدًا. لكلِّ سنةٍ من عمره
كتاب. مؤلّفاته بالعربية والانكليزيّة بعددِ أعوامِ حياته الثّلاثة والسّتين.
أمين الرّيحاني، غرسةٌ قيّمة من حقولِ أدبنا اللّبنانيّ. هو الفيلسوف
والمفكّر والشّاعر والنّاثر والرّوائي والرّحالة والمُربّي. من ظلالِ أشجار
الرّيحانِ، أتانا روحانيًّا بِشَرقِيَّتِهِ، علمانيًّا بِغَربِيَّتهِ،
خَالِدًا أبدًا في الوجدان
#أمين_الريحاني #الضيعة #لبنان #الروح #هجرة_الجسد #سليمان_الوادي #شاعر_الشمس
أنهيت القراءة
