
Photo by Sydney Sims on Unsplash
01 يناير .
4 دقائق قراءة .
69
إذا كانت العائلة ركيزة المجتمع الأساسية، فإنّ وحدة العائلة، المتجلية في الانسجام والتضامن بين أفرادها، هي من أهم القيم الإنسانية الاجتماعية. وهذه القيمة تتجسد في اتفاق الزوجين "على الاهتمامات الأساسية، أي على المفاهيم العامة في الثقافة والحضارة والسياسة والدين والفن وتربية الأولاد. بهذا تكون الحياة الزوجية كما يجب أن تكون، أي سعياً مشتركاً لتحقيق نظرة واحدة إلى الإنسان والعالم" (1). أما العنف الأُسري أو العائلي فيعني غياب هذا التناغم وانحلال الروابط الزوجية السليمة. هنا تصبح العلاقة الزوجية علاقة إخضاع يمارسها أحد الزوجين، وغالباً الرجل، على الزوج الآخر، يميزها سلوك غير سويّ تُسحق معه حرية الزوجة وتُمتهَن كرامتها وتعامل كوسيلة للزوج غير مساوية له.
إنّ المساواة حالة من حالات الحرية. وهذا يعني أنّ الناس متساوون في حرياتهم، أي في حقوقهم الإنسانية الأساسية، وإن كانوا غير متساوين في بعض أنواع المحدوديات التي تحيط كل فرد منهم. هناك، إذاً، نطاق تصحّ فيه المساواة، لكنها لا تصح خارجه. إلا أنّ المساواة بين الزوجين هي من أهم الأُسس التي توحِّد العائلة، كما أنّ التسلط والعنف من أقوى الأسس التي تفككها، لأنّ الإخضاع هو نقيض الحرية والمساواة. هكذا يغدو التفكك العائلي نتيجةً وسبباً للممارسات العنيفة. وإذا نظرنا الى معظم المجتمعات، مهما بلغت درجة تطورها الثقافي والاقتصادي، لوجدنا أنّ المساواة، كقيمة اجتماعية وإنسانية، ضعيفة، وإن اختلفت نسبة هذا الضعف من مجتمع إلى آخر. من هنا كان العنف الناتج عن التسلط وعدم المساواة ظاهرة واسعة الانتشار في جميع الثقافات والطبقات الاجتماعية، كأنما العنف والتسلط هما من القيم الثابتة في كل زمان ومكان، وكأنّ هذه الظاهرة السلبية غدت من عوامل توحيد العالم شرقاً وغرباً، نافيةً ما ذهب إليه الشاعر البريطاني روديارد كيبلنغ في قول مأثور له: "الشرق شرق والغرب غرب، ولن يلتقي الاثنان أبداً" (2). فها هما التقيا، على الأقل، حول العنف الأُسري.
وإذا تعمقنا في تحليل ظاهرة العنف، لوجدناها مرتبطة بمفهوم الرجولة في أذهان العديد من الناس. وهنا الإشكالية التي يطرحها موضوعنا: أن تكون الرجولة انحرفت عن حقيقتها لتصير مرتبطة بالهيمنة وممارسة العنف تحت شعار القيم. وإذا كانت القيم التقليدية السائدة في المجتمعات الشرقية عموماً هي التي تحفز الرجل على هذه الممارسات، انطلاقاً من دوره كربّ العائلة، فكيف نفسّر انتشار هذه الممارسات في كل الحضارات، مهما علا شأنها، كما سنرى لاحقاً؟ هل يعني هذا أنّ العنف والتسلط والهيمنة هي من أهم القيم الثابتة أو المطلقة، المشتركة في كل المجتمعات على اختلاف ثقافاتها وطبقاتها؟ وهل يعني بالتالي أنّ هذه القيم، التي يُفترض أن تكون متبدلة مع التطور الثقافي، اختلطت مع القيم الثابتة المطلقة المتعارف عليها، وهي الحق والخير والجمال؟ أوليست الوحدة العائلية مستمدة من هذه القيم الثابتة بالذات؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في بحثنا. وللإحاطة بالموضوع من مختلف جوانبه، ارتأينا تقسيمه إلى سلسلة مقالات تغطي العناصر الآتية:
أولاً: الثقافة والقيم الاجتماعية.
1- تحديد الثقافة وخصائصها.
2- القيم الاجتماعية وتصنيفها من حيث مضمونها وتحركها: قيم مطلقة ثابتة، وقيم نسبية متحركة.
ثانياً: التفكك العائلي كسبب ونتيجة للعنف الأُسري.
1- تحديد العنف بشكل عام، موقعه عبر التاريخ، أهمية القوانين لتنظيم المجتمعات.
2- أنواع العنف.
3- العنف الأُسري: مفعوله، حجمه، أشكاله.
4- بعض نظريات علم النفس الاجتماعي المفسرة للعنف وأسبابه.
5- تحليلنا الشخصي لأسباب العنف.
ثم مقال ختامي حول الآليّات والحلول.
#المساواة #الرجولة #العنف_الأسري #العائلة
أنهيت القراءة
