تجنب الابواب السبعة..وابحث عن أبواب الناس | قصة في مدينتين | الجزء الثامن

09 مايو  .   5 دقائق قراءة  .    444

 

الأبواب السبعة لم تجذب إبراهيم لتكون ملهمته لبناء قبر، عكس الكثير من سكان دمشق وزوارها الذين يقصدونها معتبرينها جزءا أساسيا من هوية المدينة، الابواب الكبيرة مرتبطة بالقادة الكبار والعسكريين والامبراطوريات، أما الابواب الصغيرة أقرب للاشخاص العاديين وتنقل قصصهم الحقيقية، الابواب الكبيرة مرتفعة جدا وضخمة، أبواب البيوت تفاصيلها ترى بالعين المجردة يمكن لمسها باليد. عند القبور ليس هناك قناطر وعواميد، هي باب، تختلف أشكاله، لكن مداخله تؤدي إلى بيت واحد.

 

يقف نحات القبور في وسط الفندق بالقرب من بركة الماء ينظر إلى وجهه فيها ليعيد ترتيب قبعته ونظارته السوداء، وينادي صاحب الفندق..

 

إبراهيم: عمي أبو سليم ترغب بجولة معي على الأبواب

أبو سليم: نعم نعم، انتظرني لحظة لما العجلة، أبواب عمرها آلاف السنين في مكانها، لن تهرب منك

إبراهيم:  أريد مقابلة سكانها قبل دخولهم في ضوضاء يومهم العادي 

 

يخرج أبو سليم من باب غرفته وهو يرتدي ساعة يده، وعلامات التعجب ظاهرة على وجهه، وهو ما أصبح عادة لديه مع ضيفه الغريب..

أبو سليم: هلوسة الصباح، عن أي سكان، أبواب مفتوحة حجرية ليس لها رقيب ولا ساكن، هل ترغب في الحديث مع أحد القادة العسكريين الرومان مثلا

 

يتجه إبراهيم واكتافه تهتز من كثرة الضحك واضعا يده على كتف صديقه العجوز، ويسير معه نحو مدخل الفندق..

إبراهيم: أبواب البيوت القديمة..ليس الابواب السبعة، لا أهتم بها كثيرا

 

كلمة ثبتت أبو سليم في مكانه ساكنا، كما لو إبراهيم تلفظ بكلمات مسيئة إلى عائلته، لم يعتاد سماع عدم اهتمام من زواره بأحد المعالم الاساسية في مدينته…

إبراهيم: لا تقلق لا أقصد الاساءة والتقليل من أهمية الأماكن، رافقني لتعرف ما أقصد من بحثي

 

تحت النوافذ المتلاصقة التي تحجب شمس النهار، تنقلا بين الحارات القديمة، يخرج إبراهيم من حقيبته ورقة وقلم رصاص ويبدأ يرسم الابواب التي تعجبه والحاملة لبعض التفاصيل، مثل مطرقة الابواب وأشكال زخرفية.  أعجب بالأبواب المؤلفة من قسمين متداخلين، كبير وصغير في إطار واحد، عرف من صاحب المكان، أن الباب الصغير لدخول الاشخاص أما الكبير يفتح للمناسبات أو لدخول الاشياء كبيرة الحجم. 

 

وصل إبراهيم وأبو سليم إلى الباب الأخير، كان الخشب غريبا من نوعه، حتى رائحته، مطرقة الباب فيها وجهان، متلاصقان، حين تقرعها كأنهما يقبلان بعضهما. اقترب من باب البيت ونادى ليستأذن الدخول، فقابله صوت دافئ لسيدة، تدعوه للاقتراب.

 

على كرسيها الاسود المتحرك، وصنارتي الصوف الاحمر، وشعرها الابيض يغطي قسما منه منديل أزرق، لوحة متكاملة كانت في استقبال الضيوف، ألقى ابو سليم السلام عليها وعرفها عن سبب قدومهما، وبدأت حديثها عن الباب.

 

السيدة: الخشب من أرز لبنان، لهذا لونه مختلف عن باقي الابواب، زوجي كان تاجرا بين دمشق وبعلبك وبيروت، أتحدث عن زمن ما قبل الحدود بين البلدين، حين كان التنقل كأن تسير من حارة إلى آخرى. أهلي رفضوا زوجي في البداية، ما كان يملك بيتا، مع الوقت وتوسع تجارته أعاد المحاولة، فكان الرفض، وقال له والدي محاولا اغلاق الدنيا في وجهه، حين تأتي بأرز لبنان إلى ابنتي وتثبت أن لك بيت، حينها تزوجها. 

 

مالت برأسها نحو المدخل وأشارة بيدها، وعيناها عادت تلمع كأنها تستعد لاستقباله..

السيدة: ليلة 18 تشرين الاول، قرع الباب مساءا، ليفتح والدي ويشاهد زوجي واقفا حاملا الباب الخشبي والتعب على وجهه، ليقول له، هذا خشب الارز وذاهب إلى بيتي، لتفيّ بوعدك الان

 

تزوجنا ووضع على عكس كل العادات والتقاليد المحافظة في مدينتنا، وضع مطرقة الباب هذا الوجهان، هما يمثلان الحب، حين تقرع باب الحب يسمع في كل الدنيا

دمعة خطت طريقها على شقوق جفنيها، لتخبرهم أن الحكاية السعيدة لم تكتمل، زوجها تعرض لعملية نصب واحتيال، وهدد بالقتل مع عائلته، فاضطر إلى السفر إلى بيروت، كان رزقا بابنة فخافا عليها كثيرا، توجه ووضعها عند عائلة يعرفها ليبقى على اتصال معها، لتبقى الطفلة بعيدة عن أمها كل السنين، فقط لحمايتها من المكروه.

 

إبراهيم: لا تعرف بوجودك؟

السيدة: لم أستطع أخبارها، هي كبرت ونضجت بعيدا عني، أتواصل معها بصفتي قريبة لعائلتها

إبراهيم: هذا حرام، والزمن مضى، زوجك مات والعصابة رحلت أيضا

السيدة: أنتما أول شخصين يعرفان قصتي، العمر قد مضى، أريد منكما مساعدتي 

أبو سليم: بكل تأكيد

 

تطلب السيدة منهما أن يأخذانها إلى باب غرفة الجلوس، وتقول لهما لديها رغبة أن ترسل هذا المكتب المزين بالفسيفساء إلى ابنتها في بيروت، وأرسال معه مكتوبا يشرح كل القصة.

 

أبو سليم: الامر بسيط، أعطني عنوانها وسأرسله لها، أعرف شركة مختصة بهذه الامور

 

السيدة تقول لإبراهيم إن حديثه عن القبور وكيف ينحتها، هو ما حرك الشعور بداخلها بدقائق، أحساس كان في سبات طويل.

خرج إبراهيم وأبو سليم، مع تحديد الموعد والوعد بإرسال المكتب، وعند باب المنزل، قال إبراهيم:

 

قصة غريبة، لم تحدثنا عن زوجها، هل مات أم قتل، لماذا تأخرت في إرسال المكتب، لماذا أكدت على تاريخ الارسال في 18 تشرين الاول. هناك سر في القصة يجب أن أعرفه. ألم أقل لك وراء كل باب هناك حكاية. باب من دمشق إلى بيروت.

  

  

  2
  5
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال