الخَيبةُ وَ المَناعَةُ .٣ دقائق
الخَيبةُ وَ المَناعَةُ .
تجارب شخصيّة

الخَيبةُ وَ المَناعَةُ .

عامر علي ابراهيم
عامر علي ابراهيم · ٣ دقائق قراءة · ١٤٧ مشاهدة
الخَيبةُ وَ المَناعَةُ .

29 يوليو  .   3 دقائق قراءة  .    147

الإنسانُ كائنٌ متأقلمٌ بطبعهِ متى أراد ذلك . فهو كثيرًا ما يتجاوزُ بوعيٍ ما لا يتماشَى مع واقعِ حالهِ . أوْ ما يحولُ دونهُ و دونَ حالٍ مأمولٍ يرنُو إليهِ . حتَّى أنّهُ يتعسّفُ بِوعيٍ في مرّاتٍ على ذاتهِ فيُجبرها مُصرًّاعلى قُبولِ مَا لا يُناسبُ سَيرورة رٍحلتها الوجدانيّة , حرصًا منه على صنع عالمٍ مناسبٍ للتوافقِ مع الآخر يضمنُ استمرار العلاقات النفعيّة الضَّروريّة بين البشرِ . و كلّما تقدّمَ شخصٌ واع فِي العُمر كلّما أجَاد التأقلمَ و التَّجاوزَ مُستفيدًا من تَراكمِ المُقارباتِ المُكتسبة و المُقارناتِ النّاتجة عن تصَارعِ المكتَسباتِ فيما بينها . لكنّه مع ذلك يظلّ غَير قادرٍ على القَفز على مخلّفاتِ أصْعب و أدقّ مرحلةٍ بالحياةِ كلّها . ألا وهي مَرحلةُ الصِّبَا : فَالسَّيِّئ كَما الجَميلُ يَستمرُّ منقوشًا فِعلًا و شُخوصًا على جدَار الذِّكرَيات عَصيٌّ عَلى النِّسيانِ لا يغادرهُ مجال البَصَر حتَّى وَ إنْ رغِب المُتجاوزُ ذلكَ . وَلعَلّ فِعْل أقْرَب النّاسِ أشدّ وقعٍ منْ كلِّ فعلٍ آخَر .

حكى أحدهم قال:

ممّا لا يروق لي تأمّله في واجهات المغازات، الحذاء الرّياضي . إذ كلّما وقع نظري عليه تصيبني رجفة الأسى و الخذلان و يتملّكي شعور خيبة قاسية لازالت تقبع في زاوية بالذاكرة تأبى أن تغادرها رغم كل محاولات كنسها من هناك . أغلب وصفات التنظيف لم تنجح في تبديدها و اضمحلالها . فلا التّسامح و لا الغفران و لا التغاضي كان بامكانهم وأد تلك الخيبة الرهيبة مالم يبادر صانعها الى الإعتذار .. فرغم السّنون الطّوال الّتي مرّت ، يقول السّارد : لستُ أنسى ذاكَ الصّبي ذُو الخمسة عشَرَ ربيعًا حين فَضّله شقيقهُ القُدوةَ على نفسهِ ، و أرْسلَ له حذاءهُ الرّياضي مصحوبًا ببدلتهِ الّتي اقتناها لنفسهِ قَبلَ أَنْ يَنْتَبِهَ بعد وقتٍ قصيرٍ لحاجة أخيه الطّالب لمثلهَا و عَدم قدرته على تَوفيرها . فَلم يبخلْ ويُبجّل نفسهُ و لمْ يفكّر بأنانيّة ضعافِ الأنفسِ، بل تَصرّف بإيثار مَن يمْتلكُ قلبا كبيرًا و عَطفًا أكبر. فلفّ الحذاءَ و البدلةَ في كيسٍ و طَلب من شقيقه الأكْبر الّذي كان يزورهُ بمقرّ عمله في المدينة البعيدة عن مَسقط رأسهم أنْ يُسلّمَ الأمانة لشقيقهُمَا الطّالب مع ما تيسّرَ من دنانيرٍ كمصروفٍ جيبٍ و أوصاهُ به خيرًا . لكنّ الأمانة لم تصل فقد احتفظ بها الشّقيقُ الاكْبرُ بتمَامها لنفْسِهِ و صار يَرتدي البُدلة و الحِذاء مزهوّا أمامَ منْ يَحتَاجُهَا فِعلًا دون تأنيب ضميرٍ قد لا يكون له وجوداً في الحقيقةِ...

فَهم الطّّالبُ الصّغيرُ حينها مَعنى خَيبة الأمَل فِي القَريب . خيبةً لا قدرةَ لهُ على تجاوزها مهما تقدّم به العمرُ . بل إنها أعطتهُ على عجلٍ مبرّرا لفهم الأمُور الّتي يَصعب تجَاوزها .

يقول صاحب الشّأن :

" طَعمُ الخيبة الأولَى مُرّ لا يُنسى و تُنسى بعْده كلّ الخيباتِ لأنها صَارت متوقّعةً لا تُحدثُ ألم الأولى أبدًا. فالخيبات الباكرة الغير متوقعة أو الّتي تأتي من جانب كنت تؤمن قبل مجيئها أنّه درع ضدّ الخيبات كفيلة بتدمير كلّ حصانة فطريّة للنفس . لكنّها ايضا ككلّ تلقيح ضدّ الوباء تسهم في خلق أجسام مضادة لكل الخيبات الأخرى " 

أنهيت القراءة

كيف وصلك هذا النص؟

4أثار تفكيري
6لمس قلبي

لا تعليقات بعد

  4
  6
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال