
03 أغسطس .
2 دقيقة قراءة .
418
معظم الّذين كتبوا و عشقوا الحرف حتّى أدمنوه , و أغلب الّذين مازالوا يكتبون بشراهة لا تفسّر بغير الوفاء للحبر المرّ. عدى قلّة تمتهن البيدقة القلميّة بسفاهة و تملّق لتقتات بها . هم أكثر الناس ثورة في حقيقتهم العميقة الّتي تتوحّد مع الوجع . أصواتهم صامتة لا تسمع لكنّ ضجيجها عبر الكلمات صاخب لا يحتمل ، قد يصل حدّ الغليان الّذي لا يطاق .. حدّا يقلب الموازين السّائدة في لحظة فارقة لا ينتبه لها غير المتبصّرين ..
الكتابة عندهم ترانيم بطعم نبيذ الحياة الأبدية حين يسكب في أقداح التأمّلات المتوالدة .. سُكرهم برحيقها متواصل حدّ الثمالة ... لا ينتهى بالصّحوة من عشق سرمدي متعب أغلب الأحيان .. عدى بعض الإستثناءات القليلة ربّما يشفى أبطالها فيتحوّلون إلى لوحات توقّف الّزّمن على سطوحها و لم يتوقّف عنها الوحي .. الحبر المرّ ناقل أمين لقوافل المتاهات التي استباحت أذهانهم فسكنتها مغتصبة كلّ فرصة للنجاة من براثن الشكّ المتربّص بكلّ مسلّم يقبع
بلا هدوء هناك، حتى تخمّرت وفاح ريحها فحان موسم نثرها على جدار الوصايا , بعضها عاريا و بعضها يتوارى خلف الإحتمالات , ممتطيا صهوة الفراسة , جليّا لمن يتبصّرون ... إن الكاتب المثقل بأحمال المعاناة في أغلب هوسه موبوء بداء الكشف عن الكوامن ... تثيره إغراءات الغوامض المنتشرة في أعماق بحار التّأمل , فتسحبه إلى غوص في عوالمها بلا تردّد , مستعينا بحدس الاستبصار الّذي يشجّعه حينا ولا يفعل آخر، و بدقّة وصبر الجرّاح أحيانا أخرى ... دون التغافل عن المتعة الشّخصيّة التي يستحضرها فيغرق في متاهاتها بما يفعل فتوحّده بهذا العالم المتناقض اللعين . لا يغادر حلقة منه إلا ليقع في أخرى .. تماما كما يفعل الطبيب في حرب لا نهائية ضدّ الوباء .. لكنّه لا يفقد الأمل . لا شيء يحول دونه ودون ما يرتضيه من سلامة لهذا العالم مادام في العمربقيّة زمن و في الذّهن يقين يستمرّ و في الجسد طاقة لم تنفذ على آخرها ... ذلك العصير عصير الذّهن .
بقلم عامر علي ابراهيم
أنهيت القراءة
افتح غرفة باسم هذا المقال، وادعُ من تريد إليها.

