(أذينة) ملك تدمر والشرق٥ دقائق
(أذينة) ملك تدمر والشرق
إنسانيّات

(أذينة) ملك تدمر والشرق

م. علاء الدين عبد المولى · ٥ دقائق قراءة · ٢٩٧ مشاهدة
(أذينة) ملك تدمر والشرق

14 أغسطس  .   5 دقائق قراءة  .    297

(1)

  •  محمد علاء الدين عبد المولى

 ((تقع على منظر كهذا عين السائح الذي يتجه نحو الشرق ويعبر الصحراء من حمص إميسا القديمة إلى تدمر التي ترجم اليونان اسمها إلى بالميرا أي المدينة ذات الألف نخلة. وقد كانت أرضها الخصبة المحيطة بعيني نضّاحتينِ، وموقعها الحسنُ على الطريقين الممتدين من حمص ودمشق إلى نهر الفرات؛ سببا في ثرائها، فلم تلبث أن أصبحتْ من أكبر مدائن الشرق. وقد أمكنها بعدها عن غيرها من المحلات أن تحتفظ باستقلالها الفعلي رغم تبعيتها الاسمية للملوك السلجوقيين أو للأباطرة الرومان))... 

تلك هي لؤلؤة الصحراء تدمر! التي تشكلت منذ البداية حول نبعٍ قائم علة خانقٍ جبليّ. سمح للمدينة أن تصبح واحة خضراء تقع في منتصف جغرافية سوريا. نحو (242كم) إلى الشمال الشرقي من دمشق، (200كم) عن نهر الفرات في الشرق، ونحو (160كم) عن (حمص)، منتصف الطريق بين الفرات والبحر المتوسط، وعلى ارتفاع نحو (91.5م) عن مستوى سطح البحر. 

لا بدّ أن تتجه أيها السائح بفضول وشوق إلى ما يدلّ على بقايا أذينة. لك أن تتوقف الآن وتقرأ:

((هذا المقام الضريح بناه على نفقته سبتيموس أذيناتوس الباهر بن حيران بن وهب اللات النَّصْوري لنفسه ولأحفاده إلى الأبد)).

عثر على هذه الكتابة على ساكف بابٍ يعود في الأصل إلى مدفن أذينة (أذيناتوس) ملك تدمر. 

المتجول في شوارع وأوابد تدمر، سوف تأخذه الدهشة فيتساءل: أية معجزة بشرية أنجزت هذا كله؟ وفي الواقع ليست هذه ردة فعل مستغربة، فبعض مصادر قديمة تذكر أن هناك من أسند بناء تدمر إلى قوى الجنّ المسخّرة من قبل النبي سليمان، وهذا تفسير اليهود لبناء معجزة تدمر!

تدمر مدينة التقت فيها حضارات وثقافات متنوعة كانت خلاصة ما يجري في ذلك العصر في العالم كله. فقد التقت فيها روح اليونان مع قوة وعنفوان الرومان، مع شوارد فكرية وفلسفية تتسرب من هنا وهناك، خاصة وأن المدينة كانت محطة تجارية عالمية لحركة القوافل في كل اتجاه. مما منح تدمر وضعا ثقافيا عبارة عن مزيج من اليونانية والآرامية واللاتينية، وقد تم سكبُ هذا المزيج في الروح التدمرية لتزيدها قوة وحضوراً. 

لعل (بليني) 32-79 م أول الكتاب الكلاسيكيين الذين أشاروا إلى تدمر، فوصفها بأنها مدينة شهيرة ذات موقع ممتاز وأرض خصبة، وأن بها عيوناً وينابيع وتحيط بحدائقها الرمال، وأنها تقع بين الامبراطورية الرومانية والفارسية، ومن ثم فقد اضطر أهلها ضمانا لاستقلالهم أن يقفوا في البداية موقف الحياد من صراع هاتين القوتين.

ربما كان أول نص يشير إلى تدمر، عائداً للقرن 21 ق.م. عثر عليه في كبادوكيا، في مستوطنة آشورية هي الآن ضمن الأراضي التركية. تذكر هذه المدونة شخصا اسمه بوزور ابن عويت وهو تدمري. كان اسم تدمر يذكر بلفظ تدمريم أو تدمرين. تم ذكر الاسم في مدونات ولقى أثرية عثر عليها في كل من مواقع: إيمار، وماري، ونينوى. تجمع هذه اللقى على مكانة تدمر وأهميتها مشيرة إليها مع ذكر بعض وقائع مشهورة في مختلف العصور لها علاقة بتدمر ومحيطها الشرقي والإقليمي. والأمر المدهش وربما كان غير شائع كثيرا، أن أنطونيو زوج كليوباترا زار تدمر بهدف نهبها. فما كان من أهل تدمر إلا أن قاموا بعملية خاطفة وبمنتهى الذكاء. لقد جمعوا الكنوز والثروات وذهبوا بها إلى البادية وظلوا هناك مختفين حتى فقد أنطونيو الأمل في العثور على مبتغاه. هذه عملية أشبه ما يكون بخطة عسكرية حديثة لتهريب الثروة الوطنية لإخفائها عن الغزاة. 

وإذا كانت تدمر مدينة التمر بحلاوته، والعنب بنشوة أسراره، فهي كانت أيضا مدينة القوة والقسوة. وكأنها النخلة الكبرى، قاسية القوام شاهقة المرتفع، لكنها تعطي في النهاية ثمرا حلوا يذوب في حلوق القاطفين. ولأن رجالها أشدّاء، منهم بدوٌ اعتادوا خشونة الحياة والطبيعة، فقد تشكلت منهم على الدوام فرقٌ محاربة. 

مثلما كانت تدمر نقطة التقاء لثقافات متباينة، كانت هي أيضا لا تقبل الانمحاء داخل ثقافة ما بعينها. فاليونانية والرومانية اجتمعتا في روح تدمر. التي كانت تتكيف مع جاليات عديدة جاءت من مختلف الجهات بما في ذلك جاليات يهودية هربت من القدس بعد سقوطها على يد الرومان. لكن هذا الأمر سيتغير مع الزمن، فلن تأتي سنة 226 م (أو 228م) حتى نرى نشوء الدولة الساسانية التي كان من نتائجها نشوب صراع جديد بين الرومان والفرس. في هذه الأثناء كان هناك أسرة أصيلة في تدمر نجحت في استثمار ذلك الصراع لصالحها لتنال حظوة عند الرومان. إنها الأسرة التي ولد فيها أذينة. 

يقال إن الإمبراطور الروماني هادريان مر بتدمر سنة 129 وبالرغم من أنها تابعة لروما، لكنه على ما يبدو أعجب برغبتها الشديدة في الحفاظ على شخصية مستقلة إلى حد ما، وإصرارها على عدم ذوبانها في مؤثرات الحضارات الوافدة. لهذا كرّمها ومنحها لقب (المدينة الحرة)، معطيا إياها بذلك الضوء الأخضر لكي تحكم نفسها بنفسها معتمدة على ذاتها في الموارد المالية. وتدمر لا تنسى فضل من يكرمها، فقابلت الامبراطور بالمثل، وأطلقت على نفسها لقب (هادريان تدمر). وذلك على ما يذكر د. عدنان البني في كتابه (الفن التدمري). 

هذه الهوية التدمرية لم تأت مصادفة. فالاطلاع على تاريخ تدمر يفيد بأن تدمر كانت امتدادا عربيا لثقافة سوريةٍ قديمةٍ نرى تجلياتها في مظاهر الحياة والفن والتفكير. وهذا ما يدلنا عليه على سبيل المثال طراز النحت التدمري الذي كان خلاصة للروح السورية والشرقية، قبل أن يكون متأثرا بالنحت الروماني أو اليوناني. فهذا النحت كان تعبيرا عن روح المكان والفكر في هذا المكان تحديدا.

وقد عثر على مذابح تدمرية اكتشفت عام 1947- 1948 قرب نبع أَفْــقا نقوشٌ تدل على الأثر الكبير المتجسد في ذهنية مجتمع أذينة من الناحية الدينية. جاءت هذه العبارات مثلا في هذه النقوش: 

((ليتبارك اسمه إلى الأبدِ الصالحُ والمعطي))

((ليتبارك اسمه إلى الأبدِ الرحمنُ))

((للذي اسمه مباركٌ أقامه لأجل الشكر للرحمن لأنه رجاءٌ))

((أقاموه للشكر لأنهم رجوه في الضيقِ فاستجاب لنا ووضعنا في الرّحبِ))

وبمثل هذه النقوش كان لتدمر تعاويذها وتمائمها الروحية. وبمثل هذه التمائم سوف تمتلئ نفس أذينة ليستمد منها القوة اللازمة ليكون على حجم المسؤوليات التي سوف تصادفه.

أنهيت القراءة

كيف وصلك هذا النص؟

4أثار تفكيري
2لمس قلبي

١ تعليقًا

  4
  2
 1
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال
فادي أبو ديب
15 أغسطس
سعيد بوجودك هنا
  1
  0