
Image by jplenio from Pixabay
29 سبتمبر .
3 دقائق قراءة .
584
نوح وملح يقفان على مصطبة صخرية مرتفعة ينظران نحو الأفق.. الأمواج العالية ترتطم بالصخور وترمي الرذاذ إلى وجهيهما.. الشمس تصعد ببطء باعثةً خيوطها الأولى لتتسلل بين الغيوم الهائلة المحتقنة بالرعد والمطر..
(يلتفت ملح ويدير ظهره للبحر)
ملح: طال وقوفنا.. لنذهب من هنا.
نوح: لا أثر لهم.
ملح: هل أنت مستعد لحل الأحجية إن طرحوها عليك؟
نوح: ليس بالضرورة أن تكون أحجية.
ملح: إن لم يطرح عليك الأزرق لغزاً أو أحجية فماذا إذاً؟
نوح: لا أدري.
ملح: نحدق في هذا البحر اللعين منذ يومين دون أي فائدة.. لقد تعبت وإن معدتي لفارغة.
نوح: (مخاطباً نفسه) وصل المد إلى الهرم الأسود ولم يظهر أحد.
(يهبط ملح ويجلس القرفصاء فوق صخرة قريبة من الماء ويقوم بجمع الحلزون البحري)
ملح: القوي يأكل الضعيف والكبير يهشم قوقعة الصغير.
(ينزل نوح ويتوجه نحوه)
نوح: كلنا سواسية.. أعطني حلزوناً.
ملح: إنها أمامك خذ ما تشاء.
(ينتزع نوح حلزوناً متوسط الحجم.. يضعه بالقرب من فمه وبشهقة هواء واحدة ينقله إلى فمه ويبدأ بمضغه)
نوح: (ينظر إلى القوقعة الصغيرة الفارغة) حياة كاملة ضمن قوقعة.. لا يشكو منها ولا يقوم باستبدالها.
ملح: تحسد الكائن اللزج على قوقعته؟!
نوح: ربما.. لكن من المؤكد أنني سأمت البحر وملحه.
ملح: سأمت البحر وتريد العيش في أعماقه، أي كائن أنت!
نوح: مللت صوت الأمواج.. والنوارس الوقحة تنقر رأسي في كل صباح.. (يُخفض رأسه ويضعه بوجه ملح محتجاً) انظر.. يوجد ثقب فيه.
ملح: (يتلمس دائرة الثقب بيده) نعم.. نعم.. إنه أقرب إلى الحفرة، أراهن أنني أستطيع رؤية دماغك (يخرج من جيبه.. كفه الأيسر المليء بالملح ويضغطه بالثقب)
نوح: (منتفضاً من الألم) اللعنة اللعنة اللعنة.. ماذا وضعت أيها المجرم؟
ملح: (ضاحكاً) الملح مطهر الجروح ومعقم الثقوب.
نوح: تصرفاتك وتعابير وجهك وهيئتك المقيتة.. باتت لا تُطاق!
(يبتعد نوح بمشية سريعة)
ملح: (يلحق به) بالأمس هربت معي واليوم تهرب مني.
نوح: لا صديق للرجل العظيم سوى نفسه.
ملح: أتنكريني يا نوح!
نوح: "عد من خلانك مئة واطرح منهم تسع وتسعين وكن من الواحد في شك"، ألم يقل هذا أحد الحكماء.
ملح: البحر صديقنا.. أنقذنا وطهرنا.. (يقاطعه نوح)
نوح: تكلم بما شئت، قريباً سأختفي عن الأنظار.
ملح: كل شيء سيتبخر ولن يبقى أحد سواي..
نوح: (يُغمض عينيه مطولاً) العالم بأكمله كابوس.. رعب حقيقي وملموس
ملح: ماذا ترى؟
نوح: مُربك
ملح: أهو مخيف؟
نوح: مقزز
ملح: ماذا ترى؟
نوح: (يصعد على هرم مكون من صخور كبيرة شاحبة ويشير بيده إلى البحر الهائج)..
أراه من بعيد
يتموج كالهواء المغلي
يطير على خط الأفق
الخفافيش فوق رأسي
تعلن للقارب الخشبي العفن عن وجود جزيرة
سرطانات البحر الحمراء ترتبك
ترقص وتستجدي المطر
زبد البحر يتكاثف
كالأسيد يأكل شفاه الصخور
النمل يبحث عن خريطة
والعناكب تعلن عن افتتاح معرض
كل شبكة جثة منها تتدلى
الريح تهزها تتسلى
أشجار النخيل
مع الهواء لا تميل
من بلحها لعاب يسيل
الأصداف تزعق
الجزيرة تنعق:
القارب يقترب..
(يتسلق ملح الصخور بعجلة ويمسك بكتف نوح)
ملح: لا بد من صعود القارب يا نوح؟!
نوح: لا بد من الصعود.
أنهيت القراءة
