لعبة القمر على سطح أمسية عدَنية – لوحة من أعمال الفنانة العراقية عفيفة لعيبي

08 يناير  .   8 دقائق قراءة  .    838

موقع الفنانة afifaaleiby عفيفة لعيبي

في خضمّ اطلاعي على مجموعة من أعمال عظماء الفنّانين العراقيين ممّا نشره الصّديق خالد خضير الصّالحي (وهو ناقد أكنّ له كل الاحترام)، استوقفتني أعمال فنّانة عراقية اسمها عفيفة لعيبي، وهي بحسب موقعها الرّسمي من مواليد البصرة عام 1953، درست الفنون الجميلة في معهد الفنون الجميلة في بغداد، ثم انتقلت لاستكمال دراستها متخصّصة في الفن الجداري في معهد سوريكوف في موسكو، بعد ذلك انتقلت للعيش والعمل في إيطاليا وتأثرت بأسلوب الفنانين الإيطاليّين الكلاسّيكيّين وهذا ظاهر في أعمالها، يلي ذلك انتقالها لتعمل في التّدريس في معهد الفنون الجميلة في عدن، لتستقر بعد ذلك في هولندا.

ولعل أشدّ ما لفتني في أعمالها العديدة، هو نزوعها إلى التّصوير الواقعيّ الكلاسّيكي في أعمالها، بعيداً عن تأثيرات التّجريد والتّعبير والانطباع التي شغلت بني جيلها الفنّي. كما أنها تنحاز في اختيار عناصر ومواضيع لوحاتها إلى تقديم جسد المرأة الذي تنطقه بأسلوبها لإيصال أحاسيس وأفكار تتكلم عن معنى الأنوثة والأمومة في عالم المرأة.

وقد جذبتني من أعمالها بشكل استثنائي لوحة تحمل اسم أمسية في عدن من أعمالها العائدة لعام1989 ، وبمجرد أن وقع ناظري على اللّوحة، اندفع سيل من المشاعر والكلمات إلى ذهني فكان لا بد لي من الكتابة عن روعة هذا العمل وما أراه فيه من عناصر تستحق التوقف.

تقع اللوحة في مربع أبعاده 120 X 120سم، وهي بتربيعها تعطي الثّبات والاتزان للمشهد الذي تدور مجرياته على سطح تضاريس قماشها. وهي مرسومة بالصّباغ الزّيتي الذي طوّعته لتحديد ملامح اللّوحة، فخطّت بوضوح العديد من الامتدادات المستقيمة وهي كثيرة في اللوحة، كما نجحت في إضفاء لون من العتم العام ليتحاور مع إنارة القمر المتسللة بخجل إلى بعض سطوح عناصر اللوحة، فتنير وجه الأم وثوبها وجسد طفلها.

اللوحة تصوّر امرأة تلعب مع طفل أو طفلة على سطح منزل أو لربما هي شرفة واسعة، ولا يعترض محيطهما سوى حبل غسيل يقطع اللوحة أفقياً وتتدلى منه ملابس الأسرة الصغيرة، أما العنصر المحوريّ في اللوحة فهو الأكثر سطوعاً بين عناصرها، كونه بدر تلك الأمسية باستدارته الكاملة وبعض من تضاريسه التي حرصت الفنانة على إضافة تفاصيلها.

رقّة الأمومة وبراءة الطّفولة في مشهد يبعث على الحنين

اختارت الفنّانة لحظة تلقائية طبيعية توقفت فيها الأمّ عن نشر الملابس على السطح لتولي اهتمامها لطفلها، فيسلوان في لعبة خيالية مع القمر الذي تصدّر صفحة المساء.

إذا مررنا على مستويات العمل من حيث التطبّق من الخلف للأمام نجد خلفيّة سماء الأمسية العَدَنيّة، يليها سور السطح وخياله ثم حبل الغسيل والأم وطفلها. وقد مدّت الفنانة مساحات لونية متجانسة في محيط الشخصين المحوريين لتضمن خلوّ محيطهما مما يكثّف التركيز عليهما ويمنع تشتّت عين المشاهد بأي عنصر آخر، وكان للإضاءة والظلّ دور هام في هذا أيضاً.

وقد اختارت الفنانة وضعية الأم في لحظة ديناميكية من الّلعب تعجّ حيويّةً ومرحاً، فهي في طور التحرّك للأمام بأرجلها فيما أيديها مرفوعة كأنها تتأهب لتلقّف القمر بهما. وبمعزل عن موقع القمر، تبدو الأم وطفلها كأنّهما يرقصان بمرح بعيداً عن عيون الغرباء وأحكامهم.

فإذا التفتنا إلى مظهر الأم العام لاحظنا الثّوب الأبيض الفضفاض الذي يوحي بالرّاحة والنّقاء، كما أنه يعطي انطباعاً بأنّهما ينعمان بعزلة المنزل وخصوصيته دونما رقيب. فعلى الرغم من كون مسرح اللعب هو السّماء المكشوفة، فلا شاهد على هذه اللحظة المرحة سوى الطفل وأمه وثالثهما القمر. كما أن شعر الأم المفرود والمنسدل على رقبتها دون أن يلقي بالاً لتسريحة معيّنة يساهم في تعزيز حرّية اللحظة وعفويتها وخصوصيّتها.

أما الطفل فقد صوّرته الفنّانة لعيبي متجرّداً من أي ملابس، فهو في هذه اللحظة شريك أمه في اللعب فحسب، لا يحتاج غيرها وهي لا تحتاج غيره، يستمتع ببرهة من أمان مع أمّه لا يراه أحد ولا يعكّر صفو لعبه شيء. ولو كانت اللوحة تعبيريّة لربما رأينا أصداء ضحكاته تكسر الوحدة اللونية في الأرض والسماء العاتمة، لكن المبدعة العراقية التزمت التّصوير الكلاسّيكيّ الواقعيّ وتركت المجال لحركة جسد الطّفل لأن تعزف أصداء ضحكاته في ذهن المشاهد بالاستدعاء الذّهني لذكرياته الشخصية، لا بتعبيرها هي باستخدام ضربة الفرشاة أو اللون.

أما القمر، فقد علّقته الأستاذة عفيفة فانوساً دانياً للمشهد العَدَنِي الليلي، وقد يخطر للمشاهد أن يراه كرةًّ خفيفة تتدافعها الأم وطفلها وهي في عرض السماء، فهو لربّما في ذهنهما حاضر معهما بدفء على السّطح، وليس جرماً فلكياً بارداً يدور حول الأرض، بل إنّ قمرهما متاح قريب يتقاذفانه ويلهوان به.

كما أنّ للقمر قدرة خاصة على إضفاء جو من الحنين أينما حل، وهذا ما أبدعت في تحقيقه الفنّانة لعيبي عندما أرست موقعه بين أكفّ الأم والملابس المعلقة وسور السطح. ومن كانت له ذكريات طفولة في منزلٍ له سطح أو شرفة كهذه، ستتداعى لرأسه العديد من لقطات الطفولة إذ استرق السهر في غفلة من أهله، فتجرع رهبة الليل، وهيبة البدر في كبد السماء، وأُنس أحاديث الأهل والجيران على السطح.

وأعتقد أن القمر هنا يحتل في هذه اللوحة موقعاً مشابهاً لموقع حَجَرِ قُفلِ القَوس في عمارة الأقواس، حيث إنّ كافة العناصر في اللوحة تتضافر مع بعضها، ثم يأتي هو في الوسط لتستند كلّ العناصر إليه، فيحقّق الترابط فيما بينها، ويعطي بنية اللوحة البصريّة ثباتاً مرئياً تستقرّ عليه عين المشاهد في أوّل انطباع، وبعد أن تجول في أرجاء اللوحة تعود وتنتهي إليه كي تستكمل إحاطتها بهذه الظّاهرة الجمالية.

الأمّ وطفلها في أعمال أخرى لعفيفة لعيبي

ليست هذه اللوحة الوحيدة التي وظّفت فيها الفنّانة العراقية الشّهيرة ثنائية الأم والطّفل لتوصل لجمهورها حالة رأفة الأم وحبّها غير المشروط لطفلها. فقد جاد إبداعها بأعمال عديدة تظهر فيها هذه الثنائية في مواضع مختلفة، وفي كلّ منها تستضيف عنصراً ثالثاً متميزاً.

فتارة هي تلد طفلها فتستضيف اللوحة القابلة القانونية التي تساعدها على الولادة.

1982-Birth-Oil-on-canvas-150-x-50-cm

وتارة أخرى هي وطفلها يلهوان في ركن قَصيّ من الغابة تحت ضوء البدر المكتمل، والعنصر المتميّز هنا هو أنّ طفلها يمتطي حصاناً خشبيّاً يضفي المزيد من الخيال والفانتازيّة على المشهد.

1997-The-Moon-Oil-on-canvas-195-x-120-cm

وفي لوحة أخرى نرى الأم وطفلها في وضعية الإرضاع، فتُذكرنا بعشرات اللوحات الأوروبية للسيّدة مريم العذراء مرضعة طفلها يسوع المسيح. فمن اللوحات القوطيّة إلى جيوتّو في المدرسة القوطيّة المتأخرة، إلى العديد من فناني النهضة كدافينتشي ورافاييل الذين قدموا إصداراتهم من هذه اللحظة. أما السّيدة لعيبي فقد صوّرتها في ملابس فاخرة تحمل طفلها على حجرها، وهذه المرة تستضيف اللّوحة شجرة خصبة وارفة مثمرة عناقيدها متدلّية، تظلل الأم وطفلها، وتوحي بالوفرة والخير وحضور البركة.

Mother, Child and Grapes, 1986

وأخيراً في عمل آخر للفنانة ذاتها تستلقي الأم وطفلها على الأرض في وضعيّة تحمي فيه الأم طفلها بين أذرعها، وتحيط نفسها وإياه برداء لن يدرأ عنهما هواجس الخطر المتساقط من السّماء، والمتمثّل بالضيف الاستثنائي على هذه اللوحة وهو مجموعة من المقاتلين المظلّيين الذين يهبطون في خلفيّة الصّورة.

1983-Peace-Oil-on-canvas-100-x-70-cm-2

ختاماً، أبدعت برأيي الفنّانة العربية عفيفة لعيبي في إيصال رسالة المرأة في كثير من حالاتها، تحدّثنا عن بعضها ولم يتّسع المجال لشمول كثير منها، فهي العاشقة وهي الحالمة وهي المفجوعة، وكما رأينا فيما مررنا عليه من أعمال فهي الأمّ الرؤوم، تارة تلاعب طفلها وطوراً تحلم وإياه ومرة غيرها ترضعه وتنميه وأخيراً تحميه بجسدها وتقيه من الشرور.

  7
  18
 1
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال
ديما الحصني
08 يناير
شعور الألفة بلوحاتها جميل للغاية!
  0
  1
 2