كمان٦ دقائق
كمان
شعرٌ ونثر

كمان

جمانة وهبه
جمانة وهبه · ٦ دقائق قراءة · ٥٣٥ مشاهدة
كمان

25 أكتوبر  .   6 دقائق قراءة  .    535

كمان

‎وللكمان أيضاً.. قدرة على القتل
* * *

انتهت المجزرة.
شعر ذيل الحصان تناثر أرضًا
بعد أن جُنّ عازف الكمان 
حافظ على شعرةٍ واحدة 
لا لشيء... 
إلّا ليهرب صوب النهاية.. 
عند آخر نوتة
عند آخر صهيل ألم
* * 

في رأسي لوحةٌ فسيفسائية سوريالية يستحيل تنفيذها 
في عينيّ شرارة نار تطايرت من حجرٍ حاولت أن أكسر صمته الى نصفين
في قلبي كمان
* * *

أكان عليّ أن أنظر إلى الستائر بعين خيّاطة؟ لماذا لم أنظر إليها بعين الريح؟ ألهذا كفّت عن الرقص؟
أكان عليّ أن أنظر إلى العصفور بعين سجّان أو صيّاد أو قطّة؟ لماذا لم أره بعين غصنٍ أو سماء؟ ألهذا حزن وهاجر إلى بلادٍ بعيدة؟
أكان عليّ أن أنظر إلى الكمان بعين نجار؟ لماذا لم أنظر إليه بأذني؟
ألهذا تحوّلت قوسه إلى منشار؟

ما بالها الوردة تعاتب الماء والتربة والشمس والهواء؟
حتى الورود تعلّمت لغة البشر
* * *

الكمان 
هو ما أحتاج إليه الآن 
كي أبتعد عن الكراهية والحب 
عن ضوضاء الكون 
عن النعم واللا
فأحلّق في جمال العدم 
كالآلهة
* * *

أصبحتُ أحبّ الحياة لأنّها تُحزنني ولأنّها تُغرقني في عدمٍ حقيقيّ. نحن لا يمكننا أن ندرك العدم إلّا من خلال الوجود.. فحين أموت، لن أتمكّن من الاستماع  الى الكمان
* * *

نسيت الكمان تحت المطر
جاء باغانيني وحمله برفقٍ إلى قبره
* * *

ظننت أني قتلت الحزن حين دفنته داخل الكمان.
لكنه هناك نما.. وأفرح البكاء.
* * *

في الثلّاجة لحم بقر وسمك ودجاج
في الثلّاجة لحم موتى
لا رائحة للموتى في البرد
سأنتظر حفلة الشواء
من يفتح لي قنينة النبيذ الأحمر؟
من يعزف لي على الكمان؟
أنا جائعة
أيّها الحزن أنا جائعة
* * *

القرية هادئة.. 
ربّما لأنّكِ نائمة لوقتٍ طويل.. 
أمّي

وصلنا إلى البيت العتيق
ينتظر الغياب خلف الباب
المفتاح صدئ

صوتكِ لا ينادي الجارات على «الصبحيّة»
لن تحضّري الكشك في الصيف الذي لن يأتي.. ربّ البندورة، المخلّلات..
لن تقفي عند الباب تنتظرينني كيف أترك صخب المدن
لن تغمريني بعد اليوم بلهفتكِ المعهودة
لن...

مسحتُ الغبار عن أشيائكِ في بيتكِ الصغير الذي لطالما أحببتِه في القرية.. أرجو منكِ الآن أن تمسحي دموعي يا ست الحبايب
أردت أن أخبركِ أنّ صورة القديسة ريتا العتيقة التي كنتِ تخبّئينها خلف المرآة لم أغيّر مكانها.
وأنّ حوض الزهور
يشتاق إليكِ

أحدّق في صمتكِ أمّي، 
أراقب غيابكِ الذي يشعّ كالضياء، ينتشر في أرجاء البيت.
لم يعد بوسعي أن أرى
الكمان يُبكيني
المكان يُبكيني

السلام عليك يا مريم
يا ممتلئة نعمة
يا صلاةً تلتْها أمّي قبل رحيلها
يا للبؤس
يا لموسيقى سكتتْ
* * *

نسيم أيلول تحوّل إلى ساخن. فيفالدي الصاخب يجنّ في بيتي الذي تحوّل إلى سجن قبالة المطر المفاجئ الموحل الذي حوّلني سعيدة كبزّاقة. بدا الجيران من حولي كالعازفين الذين يرافقونه.. هذا الذي يعقد حاجبيه.. ذاك الذي يتثاءب ضجره من بكاء الكمان.. وأخرى.. تبكي لحناً لا تستطيع سماعه لأنّي أخيراً أغلقت النوافذ.
* * *

بيانو لا يسأم من كونه بيانو حتى لو كان في بيتٍ مهجور
كمان لا يسأم من توافد الألحان من وترٍ إلى وترٍ إلى وترٍ يهوى الاتكاء إلى كتفٍ حزينة
أصواتٌ لا تتعب من نشيج بكاء
ترى... ألا ترتاح أرواحنا إلا في حالة الموت؟
* * *

أن تنزلق في مقعدك لامبالياً حزيناً.. احتراماً لنغمة تشيلو وصلت متأخرة في نهاية أغنية
* * *

الكلّ في ثورة
لا وقت لسماع امتدادٍ بطيء لقوسٍ على آلة تشيللو
لا وقت لتأمّل عازفٍ ينام خدّه على كمان
حتى رأسي الأحمق يركض عصوراً إلى الخلف ليسأل
كيف تكاثرنا بعد آدم وحواء؟ هل تزوّج الأخ أخته؟
الثواني تهرول
الثواني تهرول في جسدي
للأسف... لا شيء سيوقف همجيّتها
سوى عبثيّة الموت
* * *

كان سعيداً باعتلاء المسرح والعزف لجمهورٍ يتألف من شخصٍ واحدٍ... وحيد
لم يكن همّه إيصال فنّه لأكبر عددٍ من الناس
بل صار همّه الثقيل ألا يظل ذلك الشخص، وحيداً
يجلس على الكرسي الأحمر المخملي كعلامة استفهام...
وبعد أن تنتهي الموسيقى يقف كعلامة تعجب
ويرحل لا مرئياً 
كصلاة فجر
..

وقع نغم الكمان أرقّ على عنقي منك.. حتى لو كنتِ أنت الملحّنة والعازفة أو صانعة الكمنجات.. أيّتها القاسية
* * *

- كنت أشاهد على إحدى محطات التلفزة حفلاً موسيقياً رائعاً. لم أعرف لمن تلك الموسيقى كان أحدهم يقود الكمان إلى مكان آخر بعيد عن هذه الدنيا.
تذكّرت العازفة إلى جانبه وأفكر كيف أمكنها أن ترتدي الفوشيا وهي تعزف على التشيلو؟ لقد نجحت.. وبامتياز، ما يثبت أنّي فاشستية في حكمي على الألوان.
تنافسا على تقديم أجمل النغمات، ثمّ انتصر أخيراً اللحن، عندما سكت.
- لا يسكن اللحن الآلة، إلّا عندما يهجرها.
- أتعلم؟ لا فرق بين زعيمٍ مستبدّ وبين عازف الكمان.. القتل هو القتل.. وإن تعدّدت الأساليب.

- المضحك المبكي أنهم لا يضعون في بلادنا الموسيقى الكلاسيكية، إلّا إذا مات أحد الرؤساء أو أحد الوزراء. أوليس عاراً أن ترتبط الموسيقى الكلاسيكية بالموت؟
* * *

أهي خيانةٌ.. أنّي ما زلت أتمدّد في الوتر في غيابك أيّها المطر؟

موسيقى. أريد الآن في هذه اللحظة أن أسمع موسيقى في هذه الـ«بيروت».
تخيّلت في رأسي أنّي أسمع الكمان.

أنحاز في هذا الصباح إلى خدّ عازف الكمان.. أيّ عازف.. انحدر نسله من سلالة باغانيني.
مشيت ببطءٍ وراء نغمات كمان.. كان المشوار طويلاً.. وعندما وصلت إلى المكان المنشود.. نحو عقدة جبين العازف لأرتاح قليلاً وأتكور هناك.. كان قد أنهى.. وقرّر الرحيل مع أوراق نوتاته.
كيف أعود.. بعد أن هجر اللحن الطرقات؟

الكمان ليس حزيناً.. هو مشغولٌ بشدّ الأوتار على قياس الألم.
أنت الحزين.
..

حنين / فسيفسائية لجمانة وهبه

أنهيت القراءة

كيف وصلك هذا النص؟

1أثار تفكيري
5لمس قلبي

لا تعليقات بعد

  1
  5
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال