
لوحة حادثة منزلية - للفنان الفرنسي جاك يوجين
23 نوفمبر .
6 دقائق قراءة .
334
بعد مرور قرابة الشهر ونيّف من التزام البيت وعدم الخروج. وعلى الرغم من إعجابه واستكانته لهذه الحالة. ها هو يضطر مرغماً للخروج لقضاء بضع من الأعمال والالتزامات الضرورية. غير أن هذا حاله عامة، لكن هذه المرة شعر وكأن شيئاً يقتلعه من المنزل.
سار مسرعاً كي يعود بأسرع ما يمكن، وإذا به يسمع صوتاً ينادي باسمه على الرصيف المقابل. عامر يا عامر بعد زمان، أنا هنا جانب الفرن، سامي يناديك.
- لا حول الله قائلاً في نفسه، وابتسم وهو يقطع الشارع ويقول ياااااه سامي، ها أنا قادم.
-بادره سامي: أين أنت يا رجل؟ وكأنك كظل مختفي.
-لا جديد في الحقيقة، كحال كل الناس، اليوم طويل من الصباح إلى العمل وبعد العودة من مشاكل تناحر الرأسمالية الاقتصادية والاشتراكية الاجتماعية ورواسبها وتراكماتها في أذهاننا وأفعالنا، تبدأ مرحلة أعمال المنزل وما أن تصبح الساعة الثامنة مساء، حتى يكون اليوم انتهى، وما تبقى منه يكفي للراحة.
-الحق معك! لكن من الجيد للصحة النفسية كما تعلم أن تخرج وتلتقي الأصدقاء، وتشارك بالأنشطة والفعاليات وتنشأ شبكة تواصل اجتماعية.
-كلا، منذ حين قررت يا سامي أن أميّز بين عبارتين: "العزلة" و "الاعتزال"، فالأولى تفرض عليك دون إرادتك، والثانية بخيارك وملء إرادتك. وهكذا ارتأيت الاعتزال عن المجتمع إلّا بالحدود الدنيا منها الإرادية ومنها المفروضة. المفروضة كالخروج للعمل والتسوّق والمناسبات الرسمية، والإرادية منها كالذهاب إلى المسرح والسينما ودار الاوبرا وبعض الأنشطة الثقافية والعلمية.
-تعال لنقف على الناصية، يبدو أن الحديث سيطول. هل لك ان تشرح لي أكثر عن العزلة الاجتماعية ولماذا اعتزلت؟
-إنك تجرّني للكلام، اسمع. العزلة الاجتماعية، تُشبِه فُقاعةً هوائيةً شفّافة، يستقِر فيها الفَرد، ويَبدأ بالتَّكلم، وهو في الحقيقةِ لا يَسمَعُهُ إلَّا نَفْسُه. فيبدأ بالمناظراتِ الوَهمية مع طواحين الدون كيشوت، فرِياحُ العنفاتِ تقذِف فقاعَتَهُ من فكرة إلى أخرى.
وفجأةً تتكونُ أُولى اكتشافاتُه الخيالية، وأعظمها عن المحيط، أن الناس كلُّهم صُمٌّ، ورُغمَ هذا الإدراكِ يُباشِرُ يَكيلُ عليهم الاتهامات، ويُذيعُ عليهم بياناتٍ وبلاغات، ويُعلِنُ تنظيراً للإنسانيات ويُشيحُ بِمعوَلِ المُثل ويَضرِبُ بفأسِ القِيمِ ويَحرِثُ اللَّغة خُطاباتٍ ليُجوّفَ تُربَتَها ويَنعتُهُم بأبشَعِ الصور، يُرهِبُهم بسيفِ الأخلاق ودَينونةِ العَدلِ الآتيةِ عليهم، ويُهدّدهم بما هو شريكٌ بِه.
ثُم يَلبَسُ قِناعاً آخر، أو ربما وجهاً مِن أوجُهِ الفُصام، فتراه على حين غرّة يستكين ويَنهالُ بالحُب، وتَبدَأ حَلقَةُ الشَفقة والحَيرة بين الظالم والمظلوم، وينبّه بتلميحاتٍ ويَخفِقُ لهما بأجنحةِ الملاكِ ليَفهَما دونَ إعلانٍ، ويُضيئُ لهما بومضاتِ هالتِهِ لينظرا ويتَّعِظا، يَتَقَمَّصُ رسالة نبيٍّ، فتارةً مُجاهراً وتارةً مسالماً، ومرَّةً تخبو ليظهرَ الثائرُ المجاهد.
أما النَّاس خارج الفقاعة (لمن نسي) فهم ماضون، لا هم يسمعونَهُ وهو بِنَفسه مخدوع. وإن حَدَثَ وارتطمَ أحدٌ بِتِلكَ الفُقاعة صُدفةً، لا يجرأ حَرَجَاً على إخبارِهِ الحقيقة ظناً مِنهُ أنها عَرْشاً، فَيُمَجِّدُه قليلاً ويتابِع مضيّه.
مَع الزَمَن يُحوّلُه هذا التمجيد المتخاوِف والمتقطّع إلى فقاعةٍ ذهبيةٍ، التي ورغم لمعانِها إلّا أنها غيرُ شفافة!! فحتى عن صَمَمِ الناس تَفصِلُه وعن رؤيتهم تَمنَعُه، فَيَرى نَفْسَهُ أكثر بمرآةٍ مُذهّبة فيتضاعَفُ إعجابُه بنفسِهِ وتتنامى لديه عظمة الذات.
ولهذا عزلت نفسي قبل أن يتم إقصائي، فأنا لا أشعر بالانتماء إلى مثل هذه الفقاعات.
- كأنك هززت رأسي بيدك، طالما كانت الأمور ومنظار الرؤية لديك مختلف
-يبدو أن الامور يا صديقي لم يعد لها علاقة بالقيمة، بل بالشخصانية والنسبة، للأسف
-كيف؟ ماذا تقصد؟
-انظر حولك، ولنأخذ على سبيل المثال الجمال كقيمة، وآخذين بعين الاعتبار أن كل القيم ومفاهيمها هي متغيرة ومراعين مفهوم النسبية.
-نعم، أوافقك بشدة بمبدأ النسبية والتغيّر، أكمل
- فمثلا نحن غالباً ما نبني رأينا على أمرين، إما الإجماع، بغض النظر عن اتساق الرأي مع المبدأ الجمالي أو الأخلاقي. أو على الشهرة، ما يفقد الكثير من الأعمال الخضوع لمجهر النقد الموضوعي البناء، فلان من الناس أطلق لوحة جديدة، نحكم على اللوحة من الاسم لا عليها.
- وهكذا يتشكل بسرعة كبيرة تزاوج بين الشهرة والإجماع، مما يؤدي إلى انتشار للإنزياحات القيمية والمفاهيمية، واتساع رقعة التبسيط والتسخيف واعطاؤه شرعية اجتماعية وفكرية.
- بالضبط يا صديقي، وهذا بدوره يزيد من فرص ضرب الثوابت، والمنادين بها، ونعتهم بالتخلف والرجعية وبأحسن الأحوال بالكلاسيكية.
- ماذا تظن، هل هذه التحولات بسبب تردّي الواقع الاجتماعي والعلاقات، أم العكس، أن العلاقات تأثرت بسبب هذا الانحلال؟
- أعتقد أنهما توأم ملتصق، أو يمكن اصطلاح متلازمان طرداً. فالعلاقة متداخلة وهما محكومان ببعضهما.
لا يمكننا الاختلاف على أن العلاقات باتت هشة جداً، لأن معظمها مبني على الرمل، أساساته إما المصلحة، أو التفوّق، أو الاندفاع العاطفي، التعلّق المرضي بصديق بسبب نقص.
- أغلب الذين اعرفهم دائمو الشكوى، والتصريح بالمعاناة، الظلم والغدر والخيانة، هناك تفشي اجتماعي وارتياح لتقمص شخصية الضحية والتماهي مع خصائصها للتحوّل إلى شخصية بطولية في تقبّل الجراح والبقاء منتصبة.
-أضف تصديقاً لكلامك، إلى أنه يمكننا توصيف العلاقات اليوم إلى نوعين. الأول شخصيات جاذبة، وهي التي يعوّل عليها كأدوات تسويقية للأفكار التي بدأ حديثنا عنها، هؤلاء يشبهون المغناطيس البشري، يشدّون إليهم الآخرين ويبهرونهم بصفاتهم ولغتهم وقوتهم وشعاراتهم، ويبنون شبكات من العلاقات الاجتماعية كثيرة ومتنوعة. يتعلق بهم النوع الثاني وهم الشخصيات المنجذبة، فيجدون بهم صورتهم وثورتهم الدفينة فينجرّون عاطفياً بسبب عدم نضجهم النفسي والفكري والعاطفي.
-ألا يضعنا هذا أمام مبدأ القدوة؟ وكأنني ألحظ بين معاني خطابك إساءة له؟
- كلا يا عزيزي، على الإطلاق. أنا أشخّص لك الواقع كما أراه ونحن نتجاذب أطراف حديثنا العفوي. الإساءة ليست للقيمة أو المبدأ أو المفهوم، بل للممارسة والتطبيق واستغلال البعض له، ولا يمكننا إخفاء كم هو مغري للشخصية الجاذبة، فتغيب عنه صفة الداعية للفكرة أو القيمة، ويتلبّسها ليظن أنهما واحد.
- من هنا تنشأ المعاناة، في مرحلة الفطام بالعلاقة، فالشخصية الجاذبة قليلة التعلّق وسهلة الانسحاب. في حين أن الشخصية المنجذبة كثيرة التعلّق وشديدة الارتباط. وهنا يمكننا فهم ما نسمعه من الناس وتقسيمه أيضا لمرحلتين. الأولى فترة الفقدان وما يليها من حزن وفراغ ولوم.... الخ. والمرحلة الثانية فترة الغضب وما يليها من تشويه ونميمة واختلاق أخطاء.
- صحيح، ويمكن إضافة مرحلة ثالثة، هي فترة الندم وجلد الذات ومحاولة أخذ القرار بالتعلم. وعدم الوقوع بالمستنقع مرة أخرى. ورابعاً، ما هي إلا أيام للانزلاق ههههه.
- هذا ما يجعلني أيها الرفيق أن أصر على عزلتي والتزام الصمت والجلوس في عيادتي مع دائرتي المصغرة بأقل ما أمكن من التواصل.
- مثلك أنا، ولكن لابد بين الحين والآخر من الخروج لنلتقي ونرى ونسمع ونعود مسرعين إلى مكتبنا والقلم.
- إذن، إلى لقاء قريب، لنتباحث بلوحة جديدة، فالطقس ينبهني بالرحيل.
- سلام سليم، سأكون بانتظار أن أقرأ ما ستقول.
- وأنا بالمثل، سأرسل إليك رأيي بالقصة.
انفصلا مسرعين، فالبرد والمطر آخذين بالشدة.
وما إن وصل منزله الجميل البسيط، لبس بيجامته الشتوية وصنع كأساً من الزهرات وأضاف إليه ياسمينة من الحديقة، مغسولة بماء المطر، وبنكهة عنايته بها.
جلس على مكتبه في مكانه الجديد، المُطل على حديقته المتشحة بخضرة مغسولة بقطرات المطر، عند باب غرفة النوم وهو يدير ظهره لكل ما وراءه، حاملاً رأسه والكلمات المتشوقة للانزلاق على الورق.
كتب برأس الصفحة: "لن أهجر عزلتي".
أنهيت القراءة
