
الكاتب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي
25 نوفمبر .
8 دقائق قراءة .
664
ردّاً على رسالة دوستويفسكي لميخائيل أخيه
فيما كان يمارس عادته بالقراءة اليومية، وقع بين يديه نص لأعظم الشخصيات المعاصرة، الكاتب الكبير دوستويفسكي، النص عبارة عن واحدة من الرسائل التي كان صديقنا يرسلها لأخيه أثناء فترة سجنه ومواجهته لحكم الإعدام، ووصول قرار العفو قبيل لحظات من الطلقة.
لم يكن كافياً قراءتها لمرة واحدة، فقد تملكه إحساس بإن كل كلمة كانت موجهة إليه، وأصبح يشعر بأنه مسؤول عن الإجابة. تحرّك الحبر في عروقه وكأنها الحياة في مريض مغماً عليه في غرفة كتب على بابها "ممنوع الدخول".
فجأة تحوّلت العناية المشددة إلى غرفة إنعاش، ولا شيء يتحرك إلا صوت الأصابع تجيب عن تساؤلات الرسالة. محاولة تراسل وهمية بين ميت حي -كاتب الرسالة الأولى، وردٌّ من حيّ بعالم الموتى يخاف أن يشبههم.
هكذا بدأت القصة، يخاطب دوستويفسكي أخيه ميخائيل قائلاً:
"هل من المعقول ألا أكتب شيئا بعد الآن؟ هل يمكن أن تنتهي حياتي الأدبية وأنا لا أزال في بداية البدايات؟ آه يا أخي! كم من الصور المُعاشة والأفكار سوف تموت في رأسي، سوف تتبخر إلى غير رجعة إذا ما حصل ذلك. نعم لسوف أموت إذا ما مُنعت من الكتابة..."
وبعد أن بحثت عن رسالة من ميخائيل، يردّ فيها على أخيه، ولم أجد، قلت في نفسي سأجيبه أنا.
أخي الحبيب دوستويفسكي، لقد قرأت أخبارك بتمعن شديد، وفرحت جداً لأنك حيّ، وأن مشيئة الله وصلت قبل تنفيذ الحكم، كي تنعم الكرة الأرضية بما جاد عليها رأسك من روايات وقصص، ونتاج فكريّ، اسمح لي أن أقول إنه غير مجرى سير العالم، بما أثر به على كثيرين وقد شهدوا بذلك ومنهم صاحب الثورة في علم النفس، العالم سيغموند فرويد.
حبيبي فيودور، لقد أوصيتني في الرسالة مراراً ألا أبكي عليك، ولكن حين وصلني خبر بقاءك على قيد الحياة، طارت الدموع من عيني فرحاً دون إرادتي، كمياه أجبرت على الانحسار خلف السدّ، وجاء أمر إطلاقها كي تروي ما حولها من أراضي. هكذا روّت دموعي مسامات وجهي فأنبتت ضحكات على ثغري.
صديقي المنفي الحر، ونحن أسرى خارج المنفى، لقد أيقظتني رسالتك وأشعلت بأصابعي رغبة الإجابة، لقد علّمت لك بالخط العريض أعلاه ما سأجيبك عنه وما دار برأسي بعد أن طلبت مني راجياً بقولك: "اكتب لي يا أخي كثيرا. اكتب حتى عن الاشياء التافهة، وبخاصة الاشياء التافهة، العادية، اليومية. فأنا سأكون في المنفى بعيدا عن الحياة. مفصولا عن الحياة".
من هنا سأبدأ، هذا هو الموت الحق، أجل، في أن نحيا ونحن لسنا ذواتنا، أشباهاً لها، نماذج مشوّهة عمّا نودّه، مزيج من الضرورة والانصياع وبعض مما نشاء، خلاصة من الصراعات التي نكتشف متأخرين أنها بلا معنى ولا جدوى.
الموت قبل الولادة! حقاً، كم نحن مكومون بالموت قبل ولادتنا، وليس فيزيولوجياً، قطعاً، الميت هو الذي يتنفس هواء يعرف أنه ليس له، أو أن لا حق له فيه، ما لنا حق فيه هو زفير منتج لذات تعي ذاتيَّتها، زفير يجعل الهواء غير مؤذي، لأنه يعطي لها مكاناً في الوجود له صوت الحقيقة، له حضور فعّال، ولهذا يمكنك إدراك لماذا كل الزفير شوائب، لأن قلّة من المتنفسين يعيدونه معجون ومعالج بخميرة ذاتهم المناضلة لأجل فكرة، لأن قلّة منهم يؤمنون أن دورهم كالشجرة وكل ورقة خضراء.
الكسالى يحبّون الظل، ويسحرهم النوم بفيئه، فيموتون تحته في غفوة اسمها العمر. أما المناضلون فيحبون الشمس وحرّها، يحبّون نارها ونورها ويتماهون معه. ويحبّون الليل ويتغنّى عقلهم وروحهم بوحي القمر ويشحذون طاقاتهم لاستقبال الصباح.
الموتى لا يستطيعون رؤية الأحياء، حواسهم كلها عمياء. في حين أن الأحياء يميّزون الموتى بلمحة، ويجاهدون لإيقاظهم دون جدوى. طرفين منذ بدء الخليقة يتعاركان. الحيُّ يتكلم والميت بسبب صممه ينعته بالنشاز! الأحياء يتحركون ورائحة تحرّكهم تجدع أنوف الموتى. الحيُّ يلمس الأشياء فتزهر بجِدّة الحياة وبنبض مسامه يخدش فناء الموتى. طعم خبز الأحياء يقزز قريحة الموتى. لأن حواسَّهم في عمى.
الموت كثير جداً، ويغلب على الكثير من الرؤوس والقلوب، يموتون لأنهم لم يختبروا التحدّي، لم يخرجوا من جلدتهم، بم يتجاوزوا طبيعتهم البدائية، محاصرون بحاجاتهم الطبيعية. أغلقوا على مخيلتهم في قفص ليس له أعمدة بل جدار صلب معتم. ما هو الإنسان بلا مخيلة أو قدرة على التخيّل؟ من هو الإنسان بلا معالج للذكريات وخزّان للصور؟ ما هو التفكير والإبداع، إلّا نتاج تنوع في استخدام هاذين الجناحين: (المخيّلة – الذاكرة).
ألا يبدو لك يا أخي من حال ما أخبرتك عنه، أنك أنت في الحياة، وأننا المفصولون عنها؟ أترى كيف بات ما تظن أنه موت حيث أنت، حياة لكَ تولد فيها وتلد فيها حياة لكثيرين. هل ترى أن كل ما أوصيتني به يراعيه موتى اليوم؟ أخي إنهم موتى لأنهم لم يحفظوا الوصية. أجل ما حلمت به عن الوقت الذهبي للشباب والآمال، أحلامك وخيالاتك صارت هباء.
رجاؤك الذي حافظت عليه وأخبرتني به، يؤسفني أن أبلغك أنك وحدك من قلة باتوا يحملونه في جعبتهم المملوءة قوة.
قلت في نصّك: "لا يعرف معنى الحياة، إلّا من فقدها، أو أوشك على فقدانها". بماذا أخبرك هنا عن الملايين الذين في السجن خارج سجنك؟ كم من حيوات فقدوا بكل لحظة أو أوشكوا، لكن الموت كان أقوى!! لا تغرّك يا أخي أصداء أخبار تصلك من هنا وهناك وثمّة، عن التطور والتقدم والحداثة. إن أخبار الموت لم تعد توقظ الموتى، بل تكرّس لديهم الرغبة بالانضمام إلى قطيع الموت الجارف لما تبقّى.
أكدّت عليَّ مراراً أن انتبه إلى أن "الحياة هدية ثمينة جداً.... وأن انتبه لنفسي وللأولاد والعائلة وأحيا بهدوء ويقظة والتفكير بإيجابية وبالمستقبل....". ماذا تظنّ أني سأجيبك؟ ما الأخبار التي تتوقعها منّا، عن العائلات والصداقات والسعادة والأخلاق والعلاقات، لكها تصلح فقط كلمات للمغنى، لأنها باتت بلا معنى. فميزة الموتى أنهم يجيزون لأنفسهم ما يحرّمونه على البقية، فالحلال ذاتيٌّ والحرام تعميم في عالمنا. البِرُّ أضحى فكرة لأن التبرير على كل شيء استولى. أرض من التقوقع حول الأنا التي لا ترى إلا نفسها، ملغية كل الحقوق خارج سطوتها، وهكذا يمكنك أن تشاهد حرباً من القوقعات التي تشيح بسمّها لتحفظ أمانها المزعوم.
ختمت بقولك: "أشعر أنني أولد بصيغة جديدة". لا تلمني على قساوتي لكن تذكّر أننا "كلَّ يوم نموت ألف مرة بصيغة جديدة"
وكما ختمت أنت يا أخي بأمل وفرح، سأختم ردّي إليك، ليطمئن قلبك علينا:
"الموت ينهشنا، والحياة تؤلمنا، الموتى وحدهم يظنون أنهم الأحياء ويعطون أنفسهم الحق بتوليّ دنيانا، لأنهم أكثرية بات منطقهم يشيع ويتمدد عاموديا. والأحياء يميتهم القهر وقِلة حياء الموتى، ومنطقهم بات ضعيفاً لأنهم قِلّة، ونهج الدفاع ليس شيمة، لكن العزاء أنهم يتمددون أفقياً".
والسلام على من بقي.......حيّاً كان أم ميتا.
أنهيت القراءة
