
اللوحة للرسام الفرنسي كلود مونيه - محطة القديس لعازر - 1877
12 ديسمبر .
2 دقيقة قراءة .
827
في محطة انطلاق المسافرين، لا صوت يعلو على صوت صفارات القطارات. ولكن الوجوه تتكلم دون أحرف. ازدحام شديد بجهة الذهاب، كم كان المغادرون كثر، وغصّة في طرف الإياب، كم كان عدد العائدين قليل، وتعابير الإجبار جليّة.
على مقاعد الانتظار أحاديثٌ صريحة بين غُربٍ، يعرفون أن هذا لقاؤهم الأول والأخير، وأن الصدفة دفعت عجلة الزمان للبوح بما لا يقوون على قوله حتى لأنفسهم. للوهلة الأولى تظن أن الجميع يعرفون بعضهم منذ زمن.
تناهى إلى مسمعي أواخر كلمات بين مسافرَين، يقول وهو يسير ببطء شديد: "استل القدر نصلة حادّة وأخذ يطعنني بهدوء، لم أكن أشعر بالنزف إلّا بعد حين، حين رأيت ألمي على ملامحي. ومنذ ذلك اليوم وأنا في كل يوم أبدّل الضماد وأكمل بسمتي. لكنني لم أرَ يوماً نزفاً لا يقفِ، لا الجرح شفي ولا دمي صفي. كم نغذي جراحنا نحن يا أيها المسافرُ؟
فأجاب المستمع: "لم أعد آبه، فالجراح والأدوات والضماد محض كذب، كلنا ضحاياه. أيها الراحل أنا مصابٌ بالسئم فكفانا رغواً. أجل، وأنا طريح الاستياء فكفى شكواً. هناك حيث أنت ذاهب سترتاح".
وردّ عليه مقاطعاً: "كلا، لا أظن، لكن حيث أنت هاربٌ أيضاً، لن تجد لا حلّاً ولا جواب".
ثار فضولي واقتحمت الحديث بينهما: "طالما لا طائل من رحيلكما، لماذا أنتما في هذه المحطة؟"
فأخذا يضحكان ويصفقان لي، وقالا دون قصد معاً نحن لسنا مسافران، "أنا أقضي يومي هنا كي أرسل جراحي مع المسافرين في القطار وأعود لمدينتي لأجدد الضماد".
وأردف الثاني: "آتي كل يوم لأقطع تذكرة لما أعرفه وللماضي وللذكريات، وأسفّرُها برحلة لألقاها تستقبلني عند باب الدار".
وانتهى الحوار بـ: "إلى اللقاء، غداً هنا ألقاك"، وأجابني المسافر الثاني: "لكن إن عُدت لن تعرفنا، لأنك ستجد الكثير منّا. سلاااااام هاهاهاها".
وغادرا من باب العائدين، وأنا ما زلت متسمراً مكاني، انتهى الحوار بهذه البساطة بضحكة استهزاء.
وإذا بامرأة، بأواخر الستينيات من عمرها، تقدّم لي منديلاً، من قماش ناعم مطرز عليه عبارة "الله معك"، وأشارت لي كي أمسح الدمع النازل من عيني، دون أن تنبس ببنت شفة. لكنَّ عيناها كانتا حمراوان كسماء تشرين الثاني.
شكرتها دون أن أتكلم، انحنيت أمام وجعها، وفهمت القصة التي مرّت أمام عيني وعيناها وكأنه فيلم في سينما.
استدارت. وهي تسير وحيدة، قالت بصوت شبه مفهوم: "كفى رحيلاً". بقيت متسمراً بالأرض وأنا أفكر هل ألحق بها لأعيد لها المنديل، فهو بالتأكيد يعني لها الكثير. وصوت يخبرني بأن أسرع خلفها. وصوت يقول لو كانت تريده لما تركته.
لم أكن لأصحو من شدّة الأفكار، لولا أن شاباً صدمني دون قصد، وهو يركض بعجلة، ليلحق دخان القطار الذي أعلن الانطلاق. وبين خطوة وأخرى يعود لينظر إلى الخلف ويلوح بيده لصبية جميلة غارقة بالدمع الذي تخفيه ابتسامة تشبه الرضى والتسليم مودّعة أحد الناجين، وهو يقول لها: "ثقي ستلحقين بي، لن يطول الأمر يا أختي".
أشعر بالاختناق، ما الذي أتى بي إلى هنا؟ أريد أن اخرج من هذا المكان. لكن السؤال الذي جمّدني: "بأي اتجاه سأمضي؟" لا أقوى على العودة، فكل شيء يدفعني. ولا أملك تذكرة داخلية لأركب القطار مغادراً مع الرحلة....
وهكذا لم تعد محطة القطار، "محطة" بل صرت وكأنها بيتي، أنقل منه وإليه قصصاً وقصصي.
أنهيت القراءة

