1646837013.jpg)
09 مارس .
2 دقيقة قراءة .
240
قصّة قصيرة : . بقلم عامر علي إبراهيم
" إنّ اللّه يوزّعُ الأرزاق صباحًا ، فلا تفلتوا نصيبكم بالنّومِ " .
عبارةٌ سمعتها كثيرًا من أبي .
ولطالما أزعجتني في صغري و شبابي . حتّى أني تصوّرت كم أنّ أبي كان ساذجا ليعتقد أنّ الأرزاق يؤتى بها مع طلوع الفجر لتوزّع على الحاضرين قبل الشروق ،كما لو أنّها مكافأة على حرمانهم أنفسهم من متعة النّوم اللذيذة وهم يشتهونها يتملّكني حينها شعور الشّفقة على حال أبي . إذ أراه ضحيّة لفكر الدّراويش الّذي لا يستند على دعائم المنطق .
كنت على قناعة أن جني المال لا يتأتّى إلّا مقابل عمل .و لا يشترط أن يكون هذا العمل صباحا أو مساء أو في أيّ وقت آخر . بل يشترط أن يكون ذو فائدة يستحقّ عليها منفّذه المقابل لا غير .
ولولا حياء غرسه منوال التربية بأعماقي ، لكنت واجهت أبي بهذا الكلام حين يتعمّد إفساد متعتنا كلّ صباح معيدا على مسامعنا تلك العبارة . أو يتوجّه بها لأمّي متبرّما ،كأنّه يتّهمها بالتّساهل معنا و إفساد عزمنا . لم تكن المسكينة لتعترض ، بل إنّها كانت تجتهد للتوفيق بين كتلين متناقضتين معتمدة على لباقة الكلام مع الأب ،و فيض الحنان مع الأبناء . فتنجح أغلب المرّات في مسعاها لتجمع الفرقاء على ما كتب الله من فطور الصباح على نفس المائدة .
لم أفلت وقتها ملاحظة ما يرتسم على ملامح أبي من شعور المنتصر وهو يتبادل نظرات خفيّة مع أمّي ، مفادها أنّ الهمّة تكتسب بعدم التّراخي في فرض الانضباط على الأبناء و تعويدهم على مقاومة الاستكانة لرغبات الذّات حتّى لا تكسرهم صعوبة الحياة فيما بعد . لا أشكّ أيضا أنّ أبي حينها لم يفلت بدوره ما كان يرتسم على وجوهنا من امتعاض و عدم موافقة على أسلوبه في إدارة الأمور . لكنّه لم يكن ليهتمّ . يغادر المنزل قاصدا عمله في راحة و اطمئنان . في حين تستمرّ أمّي بعد ذلك في تبرير قرارات التعسّف التي نالت منّا ، مذكّرة إيّانا أنّ الآباء ينظرون إلى أبعد ما تصل إليه رؤية أبنائهم . و لا همّ لهم إلّا صلاح حالهم . لكنّنا لم نكن لنقتنع بما تقوله فنستمرّ في الاحتجاج و السّخط على الوضع ، حتّى إنّنا توصّلنا إلى توصيف أبي بمفسد المتعة . الحقيقة أن هذا الوصف بعث فينا بعض الرّاحة النفسيّة كردّ فعل و كنّا نستعمله فيما بيننا بشيء من المزاح كلّما تبادلنا الحديث حول اعتراض أبي على تصرّف أحدنا .أو إجبارنا على عمل لا نرغب به و يراه مفيدا.
تواصل الحال حتّى كبرنا .ربّما بلغه الأمر فصار يتغاضى أحيانا على ما كان يرفضه من قبل . لكنّه مع ذلك لا يترك فرصة تمرّ دون أن يلمّح لنا بأنّ النوم لا يصنع رجالا . و أنّ الصّباح الباكر هو الوقت الوحيد الذي يُرى فيه جمال الكون و ترتدي فيه الأنفس ملابس العزم و تغرف الرّوح خلاله ما يبعث فيها القوّة و النّشاط .. .
بعد رحيل أبي بسنوات ، حين صرت أبًا فهمت أنّه لم يكن مفسد متعة و لا متعسّفا و لا كان ساذجا كما توهّمت، بل كان صانعا محترفا للعزيمة و بعد النظر و حكيما فضّل أن يواجه مواطن الخلل في بناء عزائمنا بحبّ كنّا نراه قسوة و تعسّفا .
رحم الله أبي .. كان على حقّ الأرزاق ليست مالا، إنّها تقسم صباحا . أمّا المال فشيء آخر لا علاقة له بما قال أبي .
أنهيت القراءة
