
Photo by Artem Labunsky on Unsplash
30 يناير .
7 دقائق قراءة .
458
من المرجح أنك اخترت قراءة هذه المقالة لأنك تعبت من الشعور بعدم القدرة على السيطرة على طريقة أكلك، أو ربما تشعر بالذنب والخجل من سلوكك في الأكل. في بعض الأحيان قد تكره نفسك بسبب ذلك، وقد سئمت من قلة ثقتك بنفسك ومن نظرتك السلبية تجاه جسدك.
لا تخف فلست وحدك من يعاني مما يسمى: الأكل العاطفي (Emotional eating) .
أو ربما اخترت تثقيف نفسك أكثر في هذا الموضوع الذي يعاني منه قريب لك أو صديق.
سأعترف لك بأمر، أعلم تماماً شعور الشخص العالق في هذه الدوامة لأنني قد عانيت لسنوات من الإفراط في الأكل، الإحساس بالذنب اتباع "حمية صعبة" ثم الرجوع إلى نقطة الصفر، وهكذا دواليك.
الأكل العاطفي هو استهلاك كميات كبيرة من الطعام -غالباً الأطعمة السريعة أو الأطعمة الغنية بالسكر والدهون - استجابة لتوتر له علاقة بالمزاج أو المشاعر، بدلاً من الجوع.
يقدّر الخبراء أن 75٪ من الإفراط في الأكل ناتج عن جهل الشخص بكيفية التعامل مع المواقف السلبية والعواطف من قلق، أو خوف، أو غضب، أو ملل، أو فراغ. عندئذ، يكون الأكل وسيلة تعويض.
خلال المناسبات والأعياد قد يأكل الجميع فوق حاجتهم لأن الأكل متنوع وشهي، ولأن هذا يعتبر من أدبيات المناسبات والتجمعات. ولكن عندما يصبح هذا السلوك عادة، وعندما يؤدي إلى مشاكل صحية وزيادة كبيرة في الوزن فهنا علينا أن نعترف بالمشكلة، فالمعرفة والتقبل بداية العلاج.
الجوع العاطفي فوري، وتتولّد لدى الشخص رغبة آنية قوية في تناول الطعام. أما الجوع الحقيقي فيأتي بشكل تدريجي ويمكن للمرء التحكّم به أو تأخيره بسهولة مقارنة بالجوع العاطفي
يشتهي الشخص الذي يشعر بالجوع العاطفي أنواع الطعام التي تُشعره بالراحة عند تناولها. أما الشخص الذي يشعر بالجوع الحقيقي فيُمكنه إشباع حاجته بتناول أي نوع من الطعام.
يُمكن إشباع الجوع الحقيقي بمجرد امتلاء المعدة. أما الجوع العاطفي فيدفع الشخص لتناول الطعام بكميات كبيرة ولفترات طويلة دون تفكير.
بخلاف الجوع الحقيقي، يمكن أن يؤدي الجوع العاطفي إلى الشعور بالذنب والندم لأن الشخص يُدرك جيداً بأنه استسلم لهذه الرغبة المُلحّة وتناول طعاماً قد لا يكون جسمه بحاجة له.
هذا الموضوع مهم ولا يجب أن يكون عابراً لأنه يتزايد في هذه الفترة نتيجة ضغوطات الحياة الاقتصادية، ونتيجة الحجر المنزلي للوقاية من فيروس كورونا، مما أدّى إلى ازدياد معدل القلق، والفراغ، والخوف، والكآبة.
عِوَض أن ننتقد من يعاني من الأكل العاطفي بكلام قد يكون سلبيا ومؤذيا، يجب أولا أن نلتفت إلى الدوافع النفسية التي أوصلت الشخص إلى اتباع هذه الطريقة، فكثير منهم لديهم نظرة مشوهة عن الذات، وثقة قليلة بالنفس، أو صعوبات نفسية منذ مرحلة الطفولة مثل التنمر، والصدمات العاطفية، والمشاكل العائلية، وقد تكون إفرازات الدماغ لديهم فيها بعض الاختلال.
باختصار، فأصل مشكلة الأكل العاطفي نفسي لا جسدي. ولا ينفع عادة الكلام الوعظي في مساعدتهم على التخلص من هذه المشكلة بل قد يفاقمها. فتعليقات نحو: " خلوا ارادتكن قوية ليه بتضعفوا قدام الأكل، ليه بتبلشوا ريجيم وبتوقفوا بعد فترة، ما في فايدة تعمل نظام غذائي أكيد رح ترجعوا تزعبروا بعد فترة " . فقد أثبتت دراسة أن الذين يلجأون إلى الأكل العاطفي يميلون إلى النظر إلى سلوكهم هذا باعتباره آلية تأقلم غير فعالة، ويشيرون أيضًا إلى مخاوف من أن يؤدي إلى تقييم اجتماعي سلبي.
الطريقة الأمثل لمساعدة الذين يعانون من الأكل العاطفي هو التفهّم والتوجيه لمعرفة الأسباب التي تدفعهم للأكل بهذه الطريقة، وإرشادهم إلى أفعال بسيطة بديلة ليعتادوا عليها فتساعدهم على أن تصبح علاقتهم بالأكل صحية وغير مرتبطة بالعواطف والانفعالات.
ليس الطريق سهلاً لكنه ليس مستحيلا وكما يقول الشاعر أبو القاسم الشابي:
"ومن يتهيّب صعود الجبال....يعش أبد الدهر بين الحفر"
· جعل حوارك مع نفسك إيجابيا أكثر
لا يستجيب الأكل العاطفي للعقل والمنطق، فمن يعاني من هذا الاضطراب يكون تحت ضغط الجزء الصغير في الدماغ المسؤول عنه، وهو الأميغدالا (amygdala). فعندما نكرر سلوكا معينا في موقف ما على مدى سنوات، يصير الدماغ مبرمجا على هذا السلوك كلما وجدنا أنفسنا في موقف مشابه، ودون أن يكون لعقلنا الواعي سيطرة عليه.
فإذا كنت معتادا على أكل الشوكولا كي تسترخي وتحظى باكتفاء آني، فإنك بتكرار هذا الفعل تبرمج دماغك في كل موقف توتر أو غضب أن يشير عليك بأكل الشوكولا!
لذلك تجنّب أن تلوم نفسك، وأن تحدثها بطريقة سلبية مثل : "أنا فاشل" ،" أنا مش رح اتغير" إذ لا يمكنك كما أشرنا إدارة أو تعديل سلوكك بحجج منطقية عندما يكون لديك دافع قوي للهروب من عواطفك السلبية. لست ملاما لكونك لم تنشأ على التعامل مع عواطفك السلبية على حقيقتها، أو عندما تسعى إلى كبت أو تجاهل الاستجابات الجسدية للتوتر والقلق، أو ملء الفراغ في يومياتك بعادات غذائية غير صحية. ضع ماضيك جانبا، واصنع غدا أفضل ! ابحث عن الحل في تفهّم نفسك، بل حبها، ومحاولة التغيير بخطوات صغيرة، وواقعية، ومدروسة.
تُعتبر بعض النشاطات التي تساعدك على الشعور بالهدوء أو تصرف انتباهك عن هذه العادة، كرياضة اليوغا، والتأمل، والقراءة، من الوسائل الجيدة التي ستُمكّنك من التغلب على المشاعر السلبية التي تواجهها. وحتى النشاطات البسيطة، كالمشي، والاهتمام بنفسك، أو التحدث إلى صديق لم تتواصل معه منذ مدة طويلة، يمكنها أن تُحسّن مزاجك وتُغنيك عن اللجوء إلى العاطفي.
بتدوين سجل لما تأكله من طعام بشكل يومي، يمكنك حساب كمية ونوعية الطعام الذي تتناوله وعدد مرات تناولك له على مدار اليوم. قد يساعدك تحليل هذا السجل على تحديد أنواع الطعام الرئيسية التي تُشعرك بالراحة عند تناولها ما يسمح لك بالتحكّم بها بشكل أفضل.
أحياناً، قد تدفعك بعض المشاكل المؤقتة، كالخلاف مع صديق أو متاعب العمل، إلى اللجوء إلى الأكل العاطفي لمحاولة التغلب عليها. أما المشاكل المُزمنة، مثل الغضب المستمر، أو الاكتئاب، أو التوتر، فقد تكون السبب الرئيسي وراء عادة الأكل العاطفي طويلة الأمد. لذا، ننصحك بالتحدث إلى طبيبك أو اللجوء لاستشاري متخصص لمساعدتك على ضبط عادة الأكل العاطفي.
يتطّلب هذا النهج تحوّلًا في التفكير، ومنظورًا جديدًا، والتزامًا، ومحبة صادقة النفس. فالراحة الحقيقية لا تأتي من الطعام أو من إعجاب الآخرين بل من الطمأنينة والرضى عن النفس، ومعرفتها وتقديرها.
1- دراسات:
https://jeatdisord.biomedcentral.com/articles/10.1186/s40337-018-0210-6#Sec30
https://jeatdisord.biomedcentral.com/articles/10.1186/s40337-020-00367-4#Sec30
2- موقع :
https://www.clevelandclinicabudhabi.ae/ar/health-byte/pages/diet-and-nutrition.aspx
3- كتاب :
When food is comfort: Nurture yourself mindfully,rewire your brain , and end emotional eating. Julie M.Simon،Omar Manejwala MD
أنهيت القراءة
