ديكارت من الشك إلى اليقين - قضايا فلسفيّة

20 سبتمبر  .   4 دقائق قراءة  .    22

 

ديكارت من الشك إلى اليقين 

ديكارت، هو عالم وفيلسوف وفيزيائيّ، (1596 – 1650). لُقّب بـ"أبي الفلسفة الحديثة"، كما ساهمت أطروحاته الفلسفيّة التي لا زالت تُدرّس في المدارس والجامعات حتى يومنا الحالي في ظهور عدد كبير من الأطروحات الغربيّة الفلسفيّة الحديثة، ومن أشهر كتبه ومؤلفاته هو كتاب بعنوان "تأملات في الفلسفة الأولى" والذي قام بنشره في عام 1641 للميلاد، والذي يُعتبر حتى عصرنا الحالي المرجع الأساس لمعظم كليات الفلسفة في العالم. وبالإضافة للفلسفة والفيزياء فقد كان نابغةً في علم الرياضيات؛ حيث وضع نظاماً رياضيّاً جديداً أطلق عليه اسم نظام الإحداثيات الديكارتيّة، كما يُعتبر المؤسس الأول للعقلانية في القرن السابع عشر، وهو صاحب العبارة الشهيرة " أنا أفكر؛ إذاً أنا موجود". (1) .

 

نظريّة المعرفة عند ديكارت:

     ينطلق ديكارت في فلسفته من أثنيّة الروح والجسد, فهو يسلم بوجود جوهرين في هذه الحياة, ماديّ. وغير ماديّ.

     فالجوهر غير الماديّ يتمتع بصفة التفكير, بينما الجوهر الماديّ فيتميز بالامتداد. أي هو يفصل بين ما هو فيزيائيّ وميتا فيزيائيّ كما يقول عنه ماركس. ففي إطار الفيزياء (الامتداد), تُشكل المادة الجوهر, وهي الأساس (الوحيد) للوجود مع الوعي.

     لقد كان ديكارت ماديّاً في فهمه لبنيان العالم, ونشوء الكون وتطوره, وفي الفيزياء وعلم الأحياء. وقد وضع نظريّة عن الارتقاء الطبيعي للكون, وكذلك عن تطور الحياة على الأرض وفقاً لقوانين الطبيعة. وهو ينظر إلى الأجسام عند الحيوانات والإنسان على أنها آلات معقدة تسير وفقاً لقوانين الحركة الميكانيكيّة. ومع ذلك كان مثاليّاً في البيسكولوجا (علم النفس الجماعيّ), وفي نظريّة المعرفة, وفي آرائه عن الوجود. وهو يبدأ شأنه شأن بيكون يمارس الشك بيقينيّة جميع المعارف التي كانت تعتبر سابقاً حقيقيّة لا يرقى إليها الشك.(2) 

     إن المعرفة اليقينيّة عند ديكارت لا تأتي عن طريق الحواس ولا حتى عن طريق العقل. فالحوس عنده كثيراً ما تخطئ, والاستنتاجات العقليّة كثيراً ما تخطئ أيضاً. لذلك من هنا يجب الانطلاق من الشك... الشك المطلق... الكليّ الراديكاليّ, مع اعتباره شكاً غير ريبياً أو لا أدريّاً.

     إن ديكارت ينتقد المعرفة الموجودة في عصره للوصول إلى المعرفة الأكثر يقينيّة. فاشك وسيلة لامتحان قوانا المعرفيّة أو العارفة, ومنها الوصول إلى اليقين. ومن هنا جاءت أهمية الشك ذاته عند ديكارت لإثبات الوجود. (أنا أشك إذاً أنا موجود), فطالما انا أشك فأنا أفكر, ووجود الشك يبرهن على تفكيري ووجودي معاً. بيد أن النزعة المثاليّة ظلت قائمة عنده أيضاً, وذلك انطلاقاً من كونه يعتبر وجود الفكر عند الإنسان أكثر يقينيّة وأصالة من وجود الجسم, أو المادة. فهو يدعم المثاليّة لا انطولوجيّاً, بل غنوصيّاً أي روحيّاً. لا بوصفها سمة للوجود, بل سمة لمعرفة الوجود. وبالتالي هو في المحصلة يؤكد أن هناك حقيقة يقينيّة أسمى من الماهيتين الماديّة والروحيّة, هي الله. (3). 

 

المنهج الديكارتي:

     يرى ديكارت ان المهمة الأساس للمعرفة هي ضمان رفاهيّة الإنسان وسعادته, وذلك من خلال مد سلطانه على الطبيعة وتسخير قواها لمصالحه. وهذا ما يجعله يسعى من أجل الوصول إلى منطق يقيني عام, ومنهج صحيح يؤدي به إلى المعرفة الحقة. وهذا المنهج يجده في مقولته الشهيرة : (أنا افكر إذن أنا موجود). فهذا المبدأ الديكارتي, يُكتشف بالحدس العقليّ الذي يتميز عنده بالتصور الواضح الجلي عن الموضوع, حيث ينتفي هنا أي شك كما يرى ديكارت. فمعيار الحقيقة أو اليقين عنده ليست الممارسة, بل في الوعيّ الإنسانيّ. وهذا جانب مثاليّ آخر في منطلقاته الفكريّة. 

     إن النزعة المثاليّة تتعمق عنده أكثر في المنطلقات الدينيّة التي وضعها أساساً لمذهبه الفلسفيّ. فللبرهان على وجود العالم, يجب أولاً البرهان على وجود الله.  وإن فكرة الله موجودة في دماغنا كسائر الأفكار الأخرى. ففكرة الله فكرة وجود كامل غير متناهي. ونحن موجودون بالله كعلة أولى, والله غاية الكمال, وعلى ذلك كان وجود عالمنا المحسوس يقينياً. أما الضلال فيأتي للاستعمال غير الصحيح لقدراتنا المعرفيّة, ولا سيما الإرادة, التي هي عنده حرة, ومطلقة وغير مشروطة بأي بواعث, كونها لا تنقاد للأهواء, بل للحقيقة. (4).

     يعتقد ديكارت أن بلوغ المعرفة يعود إلى وجود أفكار أو حقائق فطريّة تأتي في مقدمتها المسلمات, لكنه يؤكد أن فطريّة هذه الحقائق لا تعني أنها كاملة أو جاهزة, بل تعني استعداد العقل لتقبل المسلمات والمبادئ لا أكثر. والعقل في المحصلة لا الحواس هو من يلعب الدور الأساس في عمليّة المعرفة, وأن أسلحة العقل للصول إلى المعرفة هي اليقينيّة والحدس والاستنباط.

 

قواعد المنهج الديكارتي:

1- التسليم فقط بيقينيّة المبادئ التي تبدو للعقل بسيطة وواضحة ومسلمات ولا تثير يقينيتها أي شك.

2- تقسيم كل مشكلة إلى أجزائها.

3- الانتقال المنظم من المعروف, إلى المجهول الذي يتطلب البرهان.

4- عدم إهمال أي من مراحل البحث المنطقيّة.(5). 

 

كاتب وباحث من سورية.

d.owaid333d@gmail.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهومش:

1- موقع موضوع.

2-.( موقع مرسال - ما هي نظرية المعرفة – الكاتبة دعاء أشرف.).

3- (مسألة الأفكار الفطريّة عند ديكارت. الشك الديكارتي. موقع (connexion.))

4- جورج برشيني – إثبات وجود الله عند ديكارت. – صفحته على الفيس بوك.

5- (للاستزادة في المنهج الديكارتي راجع موقع موضوع – منهج ديكارت وقواعده). وراجع أيضاً موقع لماذا؟. – المنهج الديكارتي – الكاتب محمود حسين.).

 

 

 

 

  2
  1
 0
مواضيع مشابهة

02 سبتمبر  .  5 دقائق قراءة

  6
  3
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال