تظاهر الكلمات

10 ديسمبر  .   4 دقائق قراءة  .    419

 

كم أستمتع وأنتشي بكلماتي حين أراها ماثلة أمام عينيَّ وأنا أروح إليها وأعود، كلما اشتهيت لحظة معايشتي لها، وكعادتي شرعت في رسم أفكاري وما تحمل من أحاسيس ومشاعر كدوحة وارفة، تعكس حالة الحزن والضجر والألم التي أعيشها، رسمتها على هيئه حروف تتلألأ على أوراقي البيضاء. 

 

وكلما رسمت كلمة أظل أراقبها وهي تأخذ زينتها وزخرفها، وهي تتراص جنبًا إلى جنب في جمل مضيئة تتحدث بالنيابة عني. وعندما انتهيت من تسطير كل كلماتي التي تقطر مشاعري المتباينة، التي تركتها تخرج مني طواعية، ارتسمت على شفتي ابتسامة كلها رضاء بما كتبت وقرأت، وكأني اكتشفت مكنون نفسي وأعلنت عنه جهرة على هيئة كلمات للتاريخ قد تصبح ذكريات. 

 

وفجأة وبدون مقدمات، وجدت الكلمات التي قد سطرتها في التوّ، والتي ظننت أنها تتراقص فرحًا بأني أخرجتها من كهوفها في عقلي إلى واقعي، تقفز من فوق الأسطر وتدور في جنون مكونة دوائر كلامية فائقة الدوران حتى امتلأت صفحتي بالدوائر الثائرة، وكأنها قررت فجأة أن تثور علي صاحبها، فكيف له أن يعري أفكاره هكذا.

 

وتزايد دوران الجمل وعلا أزيزها، وازداد غضبها وثورتها حتى تركت أسْطر صفحتي خاوية على عروشها، ثم قفزت عاليًا لتلطم وجهي غاضبة، ظلت دوائر الكلمات هكذا بين كر وفر وأنا أراقبها غير مصدق لما يجري من ثورة الكلمات العارمة، وأنا الذي سطرتها بأناملي عن طواعية منذ قليل. أصابتني حيرة ودهشة، فلست أدري ما سر هذا التحول من جمل لها معنى وعبر ورونق، إلى دوائر عدائية تجاه كاتبها وكأنها الابن العاق. 

 

وعبثًا حاولت التحاور مع كلماتي، ولكن فشل التحاور وغلب عليها العداء، فما كان مني إلا أن تمالكت وصبرت عليها حتى تهدأ لعلها لحظة غضب عابرة، وبعد لحظات مرَّت على عقلي سنوات عضال، وجدتها تعود تدريجيًا إلى صوابها، وبدأت تتحول إلى حالتها الأولى من حروف ثم كلمات من جمل على صفحاتي البيضاء.

وبعد تفكير طويل، قررت أن أتوقف عن تسطير أفكاري جهرة للعامة. وهنا، لملمت كلماتي وأرجعتها إلى عقلي مرة أخرى، ثم أقفلت عليها باب أفكاري بسلسلة حديدية عازمًا على ألا أطلق أفكاري  مرة أخرى، إلا بعد استئذانها وبعد إدراكها ماذا أقصُّ وما أريد أنا أن أقول.

 

غفر  الله  لكلماتي والتي إن عادت فلن أكون.

 

  1
  1
 0
مواضيع مشابهة
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال