
08 نوفمبر .
0 دقيقة قراءة .
2
لطالما تشكّل وجدان الإنسان عبر سني عمره من خلال ما يَخبره بنفسه أو ما يتلقاه ممن خَبَر الحياة من قبله. وإن كان التلقي منذ زمن ليس بالبعيد يقوم بشكل كبير على الحكايات التي تُروى في المجالس، فإن هذا الشكل القديم منه لم يعد هو المسيطر في هذا الزمن الذي توغلت فيه وسائط العصر الحديث، وإنما صار يعتمد بشكل يكاد يكون كلياً على هذه الإبداعات المذهلة، التي لا تفتقر إلى الوسائل التي تسهل على الراوي قصّ سرديته بالشكل الذي يبتغيه. ولعلّ أخطر ما تتضمنه المروية —سواء بقصد أو من دونه— الحالةُ الشعورية والعقلية للمحدِّث؛ فإن المتلقي لا يقتصر استيعابه على الأحداث فقط، وإنما على تجربة كاملة حسب ما ينقلها محدّثه، فكأنما هي نُسَخ من جزء في شخصه يوزعها على مستمعيه، وكلٌّ يهضمها كيف يشاء.
إني ومنذ وعت عيناي الدنيا وبدأت أفطن إلى الصراعات ومراكز القوى في شتى أطراف المعمورة، كنت وما زلت أتساءل: كيف يُسمح لمن يعرضون مرئيات أو يكتبون مقروءات أن يكشفوا شيئاً من الظلم الذي يقع من تلك القوى على من يعارضهم في رأي أو ينازعهم في سلطة؟ فكنت أقول في نفسي إنه لا بد وأن هذا إنما غرضه التنفيس عن شيء من غضب المكبوتين والتلاعب بمشاعرهم.إلا أني لما رأيت التنوع في أطياف الناس التي يصيبها من هذه الأعمال وقارنته بردود الفعل المتباينة، تنبهتُ لما هو أخطر من مجرد امتصاص الانفعالات لمن فاض بهم الكيل، وشهدتُ بنفسي على تشكيل السرائر وترويضها على نُهُج محددة؛ تماماً كما يقول والد بصوت مخيف يريد أن يُسكت طفله ليلاً لينام: «نَمْ، وإلا ناديتُ العو ليأخذك!»، فتراه يخشى من فزاعة حقل لا يخشاها صبي آخر لم يعرف "العو" يوماً، أو ربما سمع عنه بعدما رآه.
أنهيت القراءة
شارك هذا النص مع من يحبّ القراءة.
افتح غرفة باسم هذا المقال، وادعُ من تريد إليها.
