صناعة الامل: نحات القبور.. والاسطورة | قصة في مدينتين | الجزء الثاني

22 فبراير  .   6 دقائق قراءة  .    687

قبور تدمرية

نحات القبور

إبراهيم، الواصل إلى دمشق، نحات قبور، يصمم مقابر لا تشبه غيرها في الشكل والحجم والنوعية.  بداية تأثره كانت بما عرفه عن الاهرامات، التي ينسى الناس أحيانا أنها ليست مجرد آثار، إنما هي قبور كبيرة، أغوته فكرة الطقوس والتحنيط والعالم الآخر وكيف تبنى المقابر بهدف طقسي وديني معين.

استغرق خروج الزائر من غرفته يومين، فبعد تعب السفر أراد استراحة طويلة يعيد فيها تماسكه الصحي والنفسي. قرر الخروج والبدء بالتعرف على المدينة، فجلس في الدار العربي حول نافورة الماء، فاقترب منه صاحب الفندق مبادلا الترحيب والسلام، وقال ممازحا " ممنوع من يصل دمشق أن يبقى في غرفته "، رد ابراهيم " الحق معك، لكن الهواء هنا غريب، يعطيك نوعا من الراحة فتستغرق في النوم بعد التعب ". تبادل الرجلان الحديث، كانت علامات التعجب واضحة على وجه أبو سليم، صاحب الفندق، حين عرف مهنة نزيل فندقه. " لا تبدو عليك علامات تدل أنك تعيش بين القبور، ظننت من حديثك أنك تاجر أو ربما فنان "، فابتسم إبراهيم " صدقت، أنا فنان في نحت الحجارة لمن يرحلون عنا "، استغرب أكثر ابو سليم من أسلوب وصفه، كأنه يتحدث عن مسرحية لا عن جنازة.

أخبره إبراهيم عن طريقة عمله، فهو يتعرف على تاريخ الشخص، مهنته وأحلامه، عن عائلته ومحبيه، ويقوم بتنفيذ أعماله من وحي ما يسمعه، فمثلا إن كان موسيقي، فهو يصنع الالة الموسيقية التي يعزف عليها، وإن كان يهوى جمع الكتب، يصنع من رخام القبر رفوف مكتبة. ازدادت علامات الدهشة والرغبة بالمعرفة أكثر لدى أبو سليم، الرجل الستيني الذي لم يغادر دمشق إلا في زيارات قليلة للمدن السورية، فيما ضيفه زار حضارات عديدة، فأراد الحصول منه على معلومات عن تلك الشعوب البعيدة. "ما هو أغرب قبر صنعته؟ "، تنهد إبراهيم وقال، "في بلادي تعرضنا لوباء قاتل، حرم الناس من وداع أحبتهم والبكاء عليهم"، أخرج رسمة صغيرة من جيبه، عليها قبر منحوت بأشكال الناس، تظن للحظة أنهم ليسوا حجارة إنما بشر، تعجب ابو سليم من الفكرة، فأعطاه الجواب، " العزاء ليس للميت، هو للاحياء منا، الاهل والاقرباء والاصدقاء، في الوباء لم نستطع وداع أحبتنا مع بعضنا، لنمسح الدموع، ونتبادل الحديث لتخفيف الألم، صرت أنحت القبور كأننا نقف في وداع الراحل، صدقني يا عم أبو سليم مجالس الحزن فيها تعزية تداوي القلب، الحزن الجماعي بلسم للجروح، لكن الوداع المنفرد فيه تذكرة بما في القبر ". نظر صاحب الفندق ماسكا الورقة بيده، " إبراهيم، لماذا أنت في دمشق؟ ".

 

باحثة في علم الاساطير

رشا، الواصلة إلى بيروت، باحثة في الاساطير القديمة، بدأت معها حكاية الشغف من قصص جدها حول "حورية البحر" وجمالها وشكلها، يمكن معرفة ذلك من قلادة تشبهها تضعها حول رقبتها. الاساطير بالنسبة لها عالم واسع، في البحث الاكاديمي هي مراجعة للقدماء وكيف تعاملوا مع الظواهر الطبيعية وتطور نظرتهم للآلهة، كما أنها محاولة لفك رموز الانسان وتطلعاته ورغباته في هذه الحياة، وما بعدها.

لم تنتظر الفتاة المتحمسة أكثر من يوم حتى انطلقت تبحث عن عناوين المتاحف والمكتبات وأسماء الشخصيات التي يمكن التواصل معها، هي اختارت بيروت لتكون منطلقا نحو الكثير من مدن الشرق التي تحمل في تاريخها آلاف الاساطير. دخلت رشا إلى مكتبة، عرفت أن صاحبتها تملك الكثير من العناوين المهمة للمراجع والباحثين، فهي مقصد الطلاب والكتّاب. قبل أن تقرع باب المكتب، أغلقت عينيها قليلا لتستنشق رائحة عطر جميل، يتنافس مع رائحة الورق في جماله، لتسمع صوتا يوقظ عينيها " هل أعجبك العطر؟ "، الصوت من سيدة أنيقة، بفستانا أزرق يصل تحت الركبة بقليل، بشعر أسود ينساب على الكتف، ووجه وقور، لتجيب الزائرة " بالفعل هو جميل جدا، أنا رشا وأرغب في طرح بعض الاسئلة على حضرتك "، رحبت السيدة سعاد، صاحبة المكتبة، المرجع في الكتب والانيقة في الجمال. تحدثت رشا عن عملها ورغبتها في البحث أكثر، ابتسمت السيدة مستغربة، " من المرات القليلة التي يزورني أحد للبحث في هذه الامور "، تسألها رشا "هل تمانعين ؟ "، حركت رأسها رافضة قولها، ومن خلف طاولتها الخشبية المزينة بالصدف، أخرجت أوراقا خاصة بها، " هو عالم غريب وجميل، وأحيانا مرعب، حين كنت في سنك، كنت أبحث في الاساطير مثلك تماما ".

في رأس رشا فكرة واحدة، أنها أمام كنز حقيقي من الاوراق. ليقطع خيالها سؤال، "تعرفين رواية الخيميائي للكاتب باولو كويلو؟ "، أجابت بالموافقة بكلمة واحدة مترددة في الاجابة، فنظرت لها السيدة سعاد دون الحاجة لسؤالها عن سبب الاسلوب في الجواب، فقالت رشا "نعم أعرفها، لا أعتبرها المفضلة مثل الكثير من الشباب، أظن فيها بعض المبالغة على الرغم من حديثه عن الاسطورة الشخصية، هو لامس مشاعرنا بإيجابية، لكن أعتقد أن الاساطير ليست فقط بهذه الصورة الواردة في كتابه، التي تصلح للمراهقين "، رفعت السيدة سعاد حاجبيها، هي من المرات النادرة التي تنتقد فيها الروايةـ وحتى اختياراتها، "هناك أمر آخر "، تابعت حديثها، " من أهداني الرواية كان خطيبي وقال لي أننا سنبني أسطورتنا الشخصية معا"، فقالت لها السيدة " مذهل، وهل تعيشان معا؟ "، أعادت رشا ظهرها إلى الوراء، "أصبح أسطورة، لقد مات "، كانت الصدمة التي لم تتوقع إجابتها، من خلف مكتبها ورأسها نحو النافذة، سألتها " رشا، لماذا أنت في بيروت ؟ ".   

 

"بعض المدن تقاس، كيف نراها من بعيد، مثل الرغبة بالحب.. حين نصل الى المكان، قد يصبح المقياس نمط حياة، وقد يتغير المقياس الى البحث عن نافذة للهروب، مثل الحب...إنها قصة في مدينتين"

  5
  6
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال