
حلاوة النّفاق - مقال بقلم اسمهان الشعبوني
22 فبراير .
3 دقائق قراءة .
336
يحكى أنه في بلاد الهند، أخذ أب وأمّ يوما ابنهما الصغير إلى مرشد روحيّ لأنّه كان مدمنا على أكل السكّر والسكّريّات، ولم يقدرا على جعله ينقطع عن هذه العادة السيّئة. فلمّا طرحوا مشكلتهم على المرشد، لاذ هذا الأخير بالصمت وأطرق مفكّرا ثمّ لم يقل لهم سوى: "عودوا إليّ بعد أسبوع". وبعد سبعة أيّام، زاره الوالدان وابنهما مجدّدا، فقال لهم: "عودوا إليّ بعد شهر". وانقضى شهر، وعادت العائلة إلى المرشد الروحيّ تستنجد به، فقال: "عودوا إليّ بعد ستّة أشهر". فلمّا زاروه من جديد بعد انقضاء الأجل، قال: "مرحبا بكم. الآن أستطيع مساعدتكم". فسألوه: "لكن لماذا رددتنا في المرّات الثلاثة السابقة؟". فقال: "لقد كنت أنا أيضا مثل ابنكم مدمنا على أكل السكّر والسكّريات، فلم يكن بوسعي أن أساعدكم إذا لم أتجاوز ذلك. كان عليّ أوّلا أن أقلع عنها أنا أيضا، وتطلّب منّي الأمر كلّ تلك المحاولات وكلّ ذلك الوقت".
لقد اعترض كلّ واحد منّا يوما – وإن لم يعترضه فسيعترضه لا محالة – أشخاص شديدو الانتقاد للبلاد، ولعقليّة سكّان هذه البلاد "الذين لا يحترمون شيئا" على حسب التعبير الشائع، "ولا يحترمون القوانين، ولا حتّى أبسط قواعد قانون الطرقات"، لأنّه "شعب متخلّف وجاهل ..." وإلى غير ذلك من الأحكام السلبيّة المشينة. لكن، قبل أن تصدّق هؤلاء الأشخاص أو أن تحشر كلامهم في عقلك، أمهلهم بعض الوقت، وانظر إلى ما يفعلون، ثمّ صدّق أفعالهم جميعا وبالكامل ! فهي أبلغ من أقوالهم!
سوف تجد أنّ الكثير منهم، حتّى أولئك الذين عاشوا في دول غربيّة ويدّعون أنّ عقليّتهم وثقافتهم غربيّة "متحضّرة ومتطوّرة" – سوف تجد أنّهم لا يكنّون الاحترام لغيرهم وأنّهم يتصرّفون مع خدمهم وكأنّ هؤلاء أنصاف بشر، وأنّهم لا يحترمون توقيت المواعيد التي يضربونها، وقد يغيّرونها حسب أهوائهم معتبرين أنّ الآخرين متفرّغون لهم بالأكمل، وقد يتصرّفون أيضا هم ذاتهم كذلك إذا ما كانوا في خدمة الغير، أي كفرد من رعيّة في خدمة سلطان متجبّر متقلّب الأهواء، يضع حياته بالكامل على ذمّته.
ولا ينفرد البشر بهذا النفاق، فذلك يرقى طبعا إلى المؤسّسات. وقد تجد صحفا تدافع عن حريّة التعبير وحقوق المرأة والإنسان، وتجري اللقاءات والحوارات عنها، وتنتقد دولا في هذا المجال، وسياسات لا تثمّن الثقافة ولا الكتاب. لكنّها في المقابل صحف لا تدفع أجورا لكتّابها، وتعتبر أنّه من العاديّ أن تملأ صفحاتها بعصارة فكرهم وتجربتهم دون أن تسلّمهم أيّ مقابل، ولو تجرّأ يوما أحدهم على المطالبة بحقوقه، نفته إلى الأبد من قائمة كتّابها.
ويمكن طبعا أن نذكر قياسا السياسيّين المهوسين بالوعود والنقد الجارح لخصومهم، لكن الأمر أوضح ممّا يستحقّ أن نتوسّع فيه.
ما هي قيمة مثل هؤلاء السيّاسيين؟ وما هي قيمة تلك الصّحف؟ وما هي مصداقيّة أولئك الأشخاص الذين يرون أنفسهم متميّزين عن "شعوبهم المتخلّفة" قبل أن تفضحهم أفعالهم؟ أفضل جواب برأيي، هو أن تعتبرهم مجرّد مزحة لا تتجاوز التسلية، وأنّهم لم يقلعوا بعد عن إدمانهم على حلاوة النّفاق.
أنهيت القراءة
