
Photo by Ergita Sela on Unsplash
31 يناير .
4 دقائق قراءة .
271
كثيرًا ما أحبّ المكتبات العتيقة، لعل أكثر مكان يجذبه في المكتبة العتيقة التي يعرفها هو الكتاب الأكبر، كما يصف، أي الجد أبو ياسمين، صاحب المكتبة والذي يحفظ كتبًا ليست في المكتبات كما يقال عنه!
كان للمكتبة رائحة عطرية كعالم الكتب الخيالية، جمعت بين رائحة الياسمين الذي يزيّن جدرانها من الخارج وحول النوافذ، مع رائحة أوراق الكتب العتيقة، وقهوة الجد الملكية كما يصفها أحبابه، ورائحة طيبه المسك مع رائحة عطر ياسمين المثير كأنوثتها!
ياسمين لم تكن ابنة الجد، حيث أن الجد لا يعرف له زوجة أو أبناء، أما ياسمين، فيقال بأنها تلك الفتاة الرضيعة التي عثر الجد عليها في حديقة المكتبة الخلفية في زمن اندلعت فيه الحرب فأحرقت الأخضر واليابس سوى المكتبة وحديقتها بقيتا فوق قانون الحرب رمزًا للحقيقة والحب.
وكان الجد أبا ياسمين منذ ذلك الحين بمثابة أمها وأبيها والحياة الحنون التي تعيش فيها!
كان لصديقي مكانة خاصة عند الجد، خاصةً بعد أن لاحظ الجد فيه ذائقته الأدبية، وذائقته النسوية!
كان كثيرا ما يمازحه الجد بعد أن يرى نظرات إعجابه بياسمين قائلا:
من يعرف مثلك كيف يتذوق من تلك الكتب التي عاشت حيوات على تلك الأرفف، كيف له ألّا يحب حقيقة الكتب ياسمين!
نعم كان كثيرًا ما ينادي الجد ياسمين بحقيقة الكتب، خاصة أمام المقربين جدا
أما ياسمين، فلم يستطع صاحبنا التعبير عن لواعج قلبه ووجدانه نحوها. كان يكتفي بقول:
أتعرف عندما يكون الجو جميلًا وغائمًا، ثم فجأة تشرق الشمس بين الغيوم فتزيد الجو ساحرية، فتعود فتغيب ثوان، ثم تشرق من جديد شمس أخرى أكثر ساحرية من التي قبلها، فيزداد الجو ساحرية أخرى؟ عندها تفيض الحياة من عينيك أطيافًا بألوان النور كلها، ويغني الصمت بكل جمالات الكون فتشعر أنك من الداخل ترقص، والحياة كلها ترقص معلنة صلوات الحب!
أتعرف تلك الحالة؟ أتعرف كل تلك الشموس التي تغيب وعندما تشرق، تكون كل إشراقة اكثر نورًا وأكثر حبا مما قبلها؟! هكذا ياسمين، بل أكثر!
فكنت أرد عليه: يا لك من فلم هندي!
فنضحك ونكمل نقاشنا عن كتبه، وإن توقفنا عاد إلى ياسمينته!
ذات يوم حدثني أّنّ الجد أعاره كتابًا عن الحب، كانت قد أخفته تناسق الأرفف عن الأعين كما تخفي بساطة الحقيقة نفسها!
أخبرني بأن الجد كان حريصًا بأن يقرأ ورد هذا الكتاب.
كان يقول له: من يحب ياسمين لابد أن يقرأ حقيقة الحب، فكيف إن كان القارئ ورد المكتبة؟!
ذكر لي أيضًا بأن كل مرة يقرأ الكتاب فيها، يشعر بأنه يقرأ ما لم يقرأه قبلًا! فتقع أعينه على سطور لم تكن موجودة على الصفحات!
قال لي أيضا بأن الكتاب يضم ٣٦٥ صفحة كعدد أيام سنتنا، لكن الصفحة رقم ٣٣٣ مفقودة!!!
قلت له أو تعني أنها مُزقت؟
أجاب: كلا، الصفحة موجودة، لكنها فارغة!
قلت له: وهل استعلمت الجد؟
رد بدوره مزيدًا الغموض إثارة وتشويقًا:
بالطبع، أخبرني الجد ببسمة كلها صفاء، أن هذه الصفحة ليست فارغة، لكنني لن أتمكن من قراءة حروف سطورها قبل أن نعيش ياسمين وأنا تحت سقف الحب، "عندما ترتقيان، وتطالان اللاحدود بين الحب والنور..." هكذا قال بالحرف الواحد!
إنها الصفحة ٣٣٣ التي ما زلت أنتظر بأن يقرأ لي صديقي ورد محتواها في قادم الأيام…
أنهيت القراءة
افتح غرفة باسم هذا المقال، وادعُ من تريد إليها.

