
18 فبراير .
3 دقائق قراءة .
741
"إبحثْ عنّي
أنا في مكانٍ ما..أغوص وأنتظر يديك
أنا في مكانٍ ما.. أناديكَ وأنتظر مجيئكَ
مُدَّ لي يديك من فوق حقيقة هذا العالم."
لكلٍّ مِنَّا طريقته في البحث عن أمواته. مِنَّا مَن يتحسّسُ الهواء بحثًا عن ذرّةِ غبارٍ عَلِقَتْ فيه من ملابسهم. ومِنّا مَن يتلمّس مقابض الأبواب عساه يعثرُ على خلِيَّةٍ مَنسيّةٍ في فوهةِ مِسْمار. مِنَّا مَن يرتشف القهوة في فنجانٍ قد لامسَ يومًا شفاههم، لَعَلّه يجدُ قبلةً قد طُبِعَت سهوًا. ومِنّا من يتأمّل المرآة طويلًا ربّما تنضح بانعكاس صورهم المطبوعة في ذاكرتها. مِنَّا، في بحثهِ عن أمواته، من يحملقُ في هذا العالم بأعينٍ جاحظة ومِنّا من يُغلقُ عينيه منطلقًا في رحلةٍ داخليّة. ما يهمّ أنّنا نبحث عنهم وألّا نوقف هذا البحث.
وأنسي الحاج، في راحته المُستَحَقّة الآن، قد رماني بين أشداقِ الحيرة. أين أجده؟ مكانانِ لا ثالث لهما. إمّا في صوتِ فيروز، إمّا في العصافير مُجتمعةً. فيروز الّتي خفَّفت حنقه على الحياة وقد رأى في جمالها الخلاص. والعصافير الّتي رافقته في كلّ قصائده. فَلْأُدقِّقْ قليلًا! إِنْ كان أُنسي قد تجسّد آهةً في صوت فيروز فكيف بي لا أحترق عند سماعها؟ والإحراقُ من شِيَمِ أُنسي الأساسيّة. وإذا كان قد تقمّص العصافير، فلِمَ، حين أراها، لا ترميني بوابلٍ من الرّقةِ الممزوجةِ بالمُشاكسة. إذًا أُنسي لا يسكنها!
لا أحسّه في تموّجات الهواء ولا أشعر به في تجوّفاتِ الأرض ولا أرى أخيلته تجوب السّماء. فالهواء لا يتفاخرُ بحملِ خِفّته بين حناياه والأرض لا تبوح لي بسرِّ وجوده بين أحضانها والسَّماءُ الحُبلى بآلاف الأرواح لا تعترف به جنينًا. إذًا أبحثُ في الخامات الخاطئة. فأُنسي رغم يقينه بالحريّة، امرأة السّنابل، إِلّا أنّه لا يحبّ اللّامحدود، ولا يستسيغ الفراغ ولا يستذوق البراح. أُنسي يخاف. أوّل كلمة في كتابه لن، "أخاف".والخوف وما فوق الخوف قد زحفا عليه. ورغم تحذيره الدّائم من الحنان، إِلّا أنّه كان ينشده.
إنْ كُنتَ، يا أُنسي، ذاك الضّائع الضّال وحنينكَ المُستَثار يحجُّ قبالةَ وجهةٍ واحدة، إذًا لقد وجدتُك! أنتَ في قلبِ كلِّ أُمٍّ مُتوازيًا مع وجودك في روح كلِّ طفلٍ يتيمٍ في السّابعة. الأطفال يرتدونك كنزةً شتويّة ويستأنسونَ بكَ في ألعابهم والأمّهات يحضِنْكَ في حجورهنَّ ويُصفِّفنَ شَعرَك ويُخبِّئْنَكَ في أغانيهنّ الّتي تستجدي النَّعس.تحوّلتَ من جسدٍ إلى أجسادٍ وقلوب.جلّ ما أعرفه أنَّني لن أتوانى عن النَّظر إليك في نشيجِ ربّاتِ الحنان وفِي وجه كلّ ولدٍ يبحث عن سنواته السبعة الضائعة في الطّرقات.
أنهيت القراءة

