سراق ماهر

16 أغسطس  .   3 دقائق قراءة  .    1

العمر سارق ماهر

هناك من يسرق منك أثمن الأشياء، ولا تفقد المسروقات إلا بعد مضيّ السنين.

هناك من يسرق منك ما حاربتَ لأجله عشيرةً، وتنظر إليه مبتسمًا، وكأنه ملاكٌ يزورك.

هناك من يسرق منك تعب السنين، وأنت تجازف، تخطّط، وتشرّع أبواب خزنتك، وكأنك تقول له: تفضّل.

هناك من لا يرضى أن يسرقك إلا أمام عينيك، وأنت تتابعه وكأنه مسلسل الظهيرة.

هناك من سرق منك الأمل والطمأنينة، وأنت غارق في روتين أيامك، تتخبّط، تقع، تقف، ثم تقع.

هناك من سرقك ويسرقك، وأنت أضعف من أن تقاضيه، أضعف من أن تزجّه في زنزانة الندم.

هناك من يسرقك شامتًا في ضعفك وعجزك عن محاكمته، ولو لمرّة واحدة.

هناك سارقٌ فضحته الأيام، وسرقاته العلنية ملقّبٌ بالعمر... أتعرفه؟

إنه العمر يا صاحبي؛ يسرق منك كل ما تملك، ويبقى حرًّا طليقًا.

يسرق منك طفولتك، ولا يترك لك إلا الذكريات.

يسرق منك فرحك، والمكان ما زال يصدح بالضحكات.

يسرق منك حزنك، ودموعك ما زالت تشقّ طريقها على وجنتيك.

يسرق منك أحلامك قبل أن تنتهي من ترتيبها في خزانة الأولويات.

يسرق منك حبك، وأنت ما زلت هائمًا في غرام البدايات.

يسرق منك شبابك، وأنت واقف أمام المرآة تتباهى بصباك.

يسرق منك تعبك وراحتك، أمانك وقلقك، سلامك ومعاركك، آلامك وتعافيك...

إنه العمر، الذي سرق عمرك، وأنت شامخٌ أحيانًا، ومنكسرٌ أحيانًا؛ تصفّق له وتمضي إلى الفصل الثاني، منتظرًا سرقته الجديدة.

والمخجل أنك لا تستطيع أن تستعيد المسروقات؛ تنساها أو تتناساها، تتأقلم، وتستعدّ للصفعة الجديدة.

مبروك عليك، أيها العمر، ولكن حملك ثقيل، وما سرقتَه سيغدو بلا قيمة.

فأنت أيضًا عصيتَ، ووقعتَ في الرذيلة، ولم تدرك أن كل ما سرقتَه دون صحبةٍ لا قيمة له.

  0
  0
 0
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال