قراءة انطباعية في رواية (في البدء كانت الكلمة) لأمل بوشارب

18 أغسطس  .   7 دقائق قراءة  .    481

من غلاف الرواية

  رواية في البدء كانت الكلمة

 مع العتَبة نرى الصورة، نتخيّل كيف ينتفُ رجلٌ آخر رمشٍ مِن حافّة جفنه السُفلى. إنّها مُهمّة الروائي الخبير بتثبيت القارئ، وسُرعان ما يسقطُ قضيب خبزٍ يابس بين قدمي البطل. ما أعظم لُغة الضّاد وما أكثر مُفرداتها. يُطلق مصطلح القضيب على الحديد والفولاذ والخشب.. لكن الروائية أقحمَتْه مِن البداية في سردها تهيئةً للقارئ الذي ربّما قد يكون مُعتادًا على معاني خاصّة، والرواية موّجهة للراشدين، ثمّ أنّ مواضيع الأدب لا تستثني جمادًا أو متحرّكًا إلّا واستنطقت وجوده. إلى متى يظلّ القارئ إيديولوجيًّا ناقمًا على أفكارٍ راضيًّا عن غيرها؟ وجبَ طرح هذا السؤال قبل التّطرق إلى النّص، لأنّ الأدب الحي يأبى التقوقع في أيّ حيّز أو وطن.

يتّفق معظم القراء على أن بيئة النّص هي موطنه، أي نعم، لكنّ النّص مُحلّقٌ في الكون يا سيدي، وإذا ما لجأنا إلى النِقاش في الأفكار وغضضنا الطّرف عن منشأ النّص وصاحبه، فلا شكّ أنّنا سنخرج بنتائج يمكن أن نطوّرها أو ننبذها بعيدًا عن العصَبية. العالَم يحترم العُلوم لا الإيديولوجيات، وقدِ اتّضح الدليل القاطع منذُ هبوب الجائحة المعاصرة.

 

إنّ الروائي الذكي يُخاتل القارئ، فيُعلّقه بشخوص نصّه؛ بإعطائهم صِفات وملامح خاصّة، يكرّر ذكرها من حين إلى حين، ولأنّ التكنولوجيا ظاهرة العصر، كانت حاضرة، أثّثتْ فضاءه، وجعلتْنا على أهبّة الاستعداد لكثير مِن الاحتمالات المُنتَظرة، وبذلك فتحتْ قريحتنا للتعامل بأدواتنا القرائية المملوكة.

في المتن "كايلا" إحدى البطَلات، تجيء إلى الدُنيا بوحمة على حافة رمشها، أصبحتْ جُزءًا مِن شخصيتها، وأحيانًا تُشوّش عليها مشاهد حياتها، وعلى الموقع الإلكتروني الذّي تتواصل فيه مع نُخبة مِن الأطباء والطَلَبة وحتّى الجزّارين لم تجدْ إجابة وافية لأسباب الوحمة.

 

تُعدّ الصراعات حياة الرواية، وبدونها تبهت فكرتها وتضيع رسالتها، فيضيع الجهد الكتابي، ومنها الصراعات النفسية الجاثمة على دواخل الشخوص، ومنها ما يتجاوز إلى الخارج، بِها تندلع أحاديث المُتلقّي لحظة مكوثه مع النّص وبعد مفارقته له أيضًا، وتلك هي القيّم المُستخلصة.

"زين الدّين" يكره الفتيات، يفتعل الامتعاض وهو يراقب عن كثب زميلاته وهنّ يخرجن مِن القِسم بجامعة بوزريعة في الجزائر. فتيات فرّقتهن اللّهجات ووحّدهن زيّ هجين مستورد.

 

يتبع "زين الدين" فتوى تُحرّم الخروج عن الحاكم وموقفه مِن المظاهرات واضح بحسب (فرقة جيل الحقّ المبين).

"ياسمين" طالبة الطّب، أحالتْنا- أمل- مِن دورها في النّص إلى معاينة عِلم مرموق، وهذا النوع مِن السّرد أُقدّره؛ لأنّه ما استُسهل لولا نبش الكاتبة في اختصاص قد لا يكون لها باع فيه.

 

تأتي الإشارة الأولى إلى سيميائية العنوان في حوار هاتفي.

-             أهلًا ياسمين كنتُ أنتظر مكالمتك هل يُمكننا البدء؟

تعدّدتِ الأصوات في هذا النّص، بحيث نلاحظ التّنقّل بمرونة مِن فصل لآخر، تنسحبُ الشّخصية كليّة لتفسحَ المجال للأخرى، فتواصل العرض على لسان الراوي، والأجمل من ذلك، قِصَر الفصل، ما يُشجّع القارئ على تتبّع الأحداث واقتفاء الأثر في الأمكنة بين الولايات المتّحدة والجزائر.

تتعرّض الروائية- الصغيرة الكبيرة- إلى الحضارة الجزائرية مِن منطلق لُغة موروثة عن الاستعمار، ثمّ العوائل.. لتوضّح لنا الصِراع الأزلي بين الذين يحسبون أنفسهم عاصميّون بالفطرة والوافدون مِن الأرياف والقُرى.

-             بنات الدشرة كلاونا.

 

في يوتاه تُقلّب "كايلا" الدّفتر الوردي؛ لتتطلّع إلى ضحايا الإخصاء مِن تجّار الرّقيق وصغار السّن الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وتسع سنوات، يُستخدمون في خدمة المنازل وحراسة النساء، والغناء، في عصر تاريخ الإمبراطورية الإسلامية.

 

يرسل "الدكتور خوجة" -طبيب التشريح العجوز- بناته للعيش في الخارج، يزورهن مرّتين في العام، يشعر بألم الوِحدة والحنين، رغم ذلك، يمارس نشاطه بكلّ عزيمة على الجُثث. يدخل في مشاكسة مع "سماعين"؛ ضابط عسكري واشم على ذراعه ثعبان.. يصرّ "سماعين" على مفتاح القبو ليطّلع على أسرار هناك، لكن الطبيب يأبى تسليمه إياه.

 

رغبة جامحة "لكيلا" في الحصول على ما احتوته أوراق الدّفتر الوردي، تعود صور الخصي المُقتَلعة لتُثير التّقزز في نفسها مِن كلّ القضيّة.

جرائم إخصاء تدور في سِرّية تامّة بإحكام، يُديرها ثُلّة من المُجرمين المنظّمين، يذيع صيتها على منصّات التواصل الاجتماعي، مِن بينها صفحة " شورتي سرّ سعادتي".

يبثُّ "سليم" أوامره لأفراد خليّة البحث والمعلوماتية لكشف صاحبة الحساب المُستفِز، لا سيما أنّ قضيّة الخصي المبتورة تزامنت مع التحضير للانتخابات الرئاسية. فهل هي الأيادي الخارجية أم عودة الإسلامويين بإرهاب مِن نوعٍ آخر.

 

تشرح "كايلا" مِن دفتر ذكرياتها الوردي الطريقة المُتّبعة في عملية الإخصاء البَشِعة، بينما يقول "براندون" لكيلا: أنّ والدتها كانت تقوم بأبحاث محدّدة عن تاريخ الإخصاء.. وحصل أن سجّلتها على دفترها دون قصد، ويبقى "فاتح مترف" الشخصية اللُّغز التي تصنع التشويق مِن البداية.

 

كان تفاعل الجهات الرّسمية مع قضية الإخصاء والتّحفظ على مسار التّحقيقات يبدو وكأنّه تعامل مع سرّ حربي؛ لاحتكار الجهاز العسكري التّحقيقات في هذه القضيّة. ما الذي تُخفيه العصابة؟.

 

قراتْ "كايلا" كلّ شيء عن معركة الجزائر، وبقيَت صوّر التعذيب عالقة في ذهنها، الاختطاف القسري، الاغتصاب، الصعقات الكهربائية.. جاك ماسو، مارسيل بيجار، بول 

أوساريس، القَتلة، كلّ هؤلاء كانوا يرتدون ثيّابًا عسكرية، لكنّها ظلّت مشغولة بشيء واحد فقط، مَن هو فاتح مترف القادم؟.

 

 بعد تقليب صفحات من المُتعة نكتشف أنّ صاحب حساب "شورتي سرّ سعادتي" ما هو إلّا أنّوشًا طريًّا وليس عاهرة متسلّقة.

لقد بدأ تاريخ المخصيين مع الكنيسة البيزنطية وانتقل إلى الكنيسة الغربية ثمّ أصبح أمرًا مِن الماضي. 

 

الكتابة في حالٍ متوتّر اجتماعيًّا تؤتي أُكلها عادةً إمّا في مرحلةٍ لاحقة؛ عندما تستتبُ الأوضاع أو لمّا يتبوّأ الكاتب مكانًا يسمح له بممارستها بنوعٍ مِن الأريحية الجسدية، بينما يبقى التوّتر الفكري-قالب الإبداع- مُقسّمًا على أبطال نصّه، وإلّا لمَا استطاع حبك الرواية.

في العشرية السوداء كان أشهر خاتن للأطفال" فاتح مترف" رمَته السلطات وراء الشمس.

 

يستنتج "سليم" مِن نقاش "الدكتور خوجة" أنّ ظاهرة الأنانيش عبر بعض ولايات الوطن، تعود للعشرية السوداء، حيث تمنهجت عمليات الإخصاء، ثمّ أنّ معظم الضحايا لم تصرّح بهم عائلاتهم تحرّجًا مِن الفضيحة ونظرة النّاس القاسية.

 

تأخذ الرواية منحى آخر في ذروتها فتتطرق إلى التفجيرات النووية بصحراء الجزائر في منطقة رقّان. لقد أتاحت فرصةً ثمينة للقارئ للتعرّف على مجريات الإجرام ومخلّفاته.

 

الحقّ أن هذا الموضوع مِن المسكوت عنه، جرأة كبيرة أراها مُكلّلة بالتوفيق؛ لأنّها حاكت الخيال والواقع، والخيال أوسع مِن الواقع وأقرب للحقيقة، والحقيقة ما يؤمن به القارئ لا ما نُمليه عليه نحن.

 

في البدء كانت الكلمة.

رواية متماسكة جدًا، فرؤية النهاية توحي بالسيطرة على النّص قبل البداية.

يقع "الدكتور خوجة" أخيرًا في مصيدة "سماعين" مع حضور كايلا وياسمين والطفل زيّاد، جالبًا له هديّة؛ مسبحة مُتمثّلة في ثلاثة وثلاثين حبّة نادرة.

عبد الغني صدوق/ كاتب جزائري


تصفح أيضاً عبر مرداد:

لغة الجسد - الحب الصامت

قصصٌ وكتب


  3
  1
 0
مواضيع مشابهة
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال