Mohammad Diab
 

محمد علي دياب | الخميس 29 نيسان 2021

 

إلى الشرق من مدينة حلب، وعلى بعد 100 كم تقريباً، قرية سورية بسيطة اسمها خربة شهاب.
مطلع صيف العام 2015، وقف زيدان الحمدوش على باب منزله فيها ملقياً نظرة أخيرة صوب المكان الذي كان شاهداً على أجمل سنوات حياته.
حمل ابن السابعة عشرة حقيبته، ودَّع أمه وإخوته الثلاثة، ومضى صوب وجهته الجديدة.
إلى لبنان كانت أولى رحلات ابن الريف الوديع. هناك.. كان والده بانتظاره في العاصمة بيروت التي ستحتضنه لسنوات قادمة.
بعيداً عن الحرب، أراد هذا الشاب رسم ملامح حياته الجديدة، يبحث عن عمل يعينه و يعيل أسرته.
لا شهادة جامعية تسنده ولا مهنة يتعكز عليها، ولذا اتجه زيدان صوب أعمال البناء، واحدةٌ من المهن القليلة المشروعة له بحكم القانون في لبنان.
بين الطين والبلاط، أمضى أكثر من عامين، ينهي عمله الشاق ويعود مساء لغرفته كي يرتاح من عناء نهاره.
لا أنيس له في الليل سوى هاتفه المحمول، كان أنشأ حساباً جديداً على فيسبوك، يتصفحه كل ما سنحت له الفرصة، يتواصل مع الأصدقاء ويطالع أخبار الأهل والبلاد.
في أحد الأيام، وبينما كان يقلِّب المنشورات ظهر له على إحدى المجموعات نصٌ يشرح أساليب إختراق الحسابات الإلكترونية عبر الإنترنت. لا خبرة سابقة لزيدان في المجال لا من قريب ولا من بعيد، غير أن الفكرة استهوته وشغلت باله، صار يخصص لها من وقته، يُطالع الإنترنت ويتنقل بين فيديوهات اليوتيوب حتى تمرَّس في الأسلوب وإن كان بطريقة بدائية.
على سبيل المزاح لا الأذى كان زيدان يخترق بعض الحسابات على فيسبوك. ثغرة أمنية بسيطة اكتشفها وصار يستغلها لسرقة الحسابات عبر ما يسميه "الإيميل المُتاح"، أي غير المستخدم من قبل صاحبه.
العملية ببساطة قائمة على التخمين، يتأكد بعدها من صلاحية الإيميل فينشئ حساباً جديداً بواسطته يمكنه من تغيير كلمة السر للحساب المستهدف على فيسبوك.
"غالباً كنت رجع الحسابات لصحابها بلا أي مقابل.."، يقول زيدان ويضيف "الإختراق كان للتسلاية مو أكثر وبعمري ما أذيت حدا ولهيك تركته بعد فترة".
يوماً إثر آخر كانت خبرته في التعامل مع منصات التواصل الإجتماعي تزداد شيئاً فشيئاً.
منتصف العام 2017، أنشأ زيدان أولى صفحاته على الموقع الأزرق، كانت خطوة أراد منها ملء الفراغ.
أسماها "مقاطع مسلسلات"، صفحة مخصصة لنشر فيديوهات مقتطعة من المسلسلات السورية، القديمة والحديثة منها؛ تفاعلُ الناس مع المضمون شجعه على الإستمرار.
5 أشهرٍ فقط، كانت كافية بالنسبة لزيدان كي يصل عدد متابعي صفحته الناشئة إلى أكثر من نصف مليون شخص. نتيجةٌ لم يكن يتوقعها ربما إلا أنها كانت إنجازاً يفخر به حتى اليوم.
بنبرة مليئة بالثقة قالها لي.. "نسبة الوصول للجمهور على الصفحة كانت 40 مليون".
40 مليوناً!!.. رقمٌ ضخم يقول زيدان إنه استغرق منه جهداً كبيراً، غير أنه لم يكن يتخيل أن يفتح له باباً كان غائباً عن ذهنه.
في أحد الأيام، يرن هاتف الشاب، رسالةٌ على بريد الصفحة تعرِضُ عليه شرائها مقابل 800 دولار، مبلغٌ يعادل في حينها راتبه على مدار شهرين.
رتَّب زيدان موعداً مع الشاري، وبعد مفاوضات وأخذ ورد نجح في بيع الصفحة لإحدى الشركات اللبنانية بـ 2000 دولار أميركي؛ كان هذا قبل 3 سنوات.
اليوم.. يسكن زيدان شارع الحمرا في بيروت، غرفةٌ صغيرة في مدخل أحد الأبنية السبعينية التي صار حارساً لها.
نمط حياته اعتيادي، يؤدي مهامه اليومية ويأوي مساءً لغرفته حيث لا أنيس له مجدداً سوى هاتفه المحمول وصفحاته التي وصل عددها اليوم إلى 68 صفحة يديرها من خلال 85 حساباً بأسماء مختلفة على فيسبوك.
هاتفه المحمول هو وسيلته الوحيدة، يمسكه ويشرح لي عن صفحاته، مضمونها وأسمائها التي تتراوح بين أسماء الفنانين والفنانات، وصولاً للمسلسلات والأفلام وليس انتهاءً بصفحات النكات والأغاني وسواها.
عشرات ألاف المتابعين على هذه الصفحات التي يقول زيدان إنه حريص على نموها بشكل مستمر بغض النظر عن الوقت اللازم لذلك، فالسر من وجهة نظره يكمن في "الإلتزام بالنشر".
ولكن ماذا عن حقوق النشر؟.. يجيب زيدان بلهجة الواثق والعارف، "تركيزي بكون ع المسلسلات اللي ما الها حقوق نشر، وفي حال صار مشاكل، بحذف الفيديوهات وبجمد الصفحة فترة عن النشر".
أسأله عن خطته في النشر فيختصرها بالقول "السر بالعنوان، المكتوب دايماً ببان من عنوانه وبس يكون العنوان جذاب بتعلى المشاهدات بغض النظر عن المضمون".
لم يشتغل ابن الثالثة والعشرين على جهاز الكومبيوتر في حياته، فحصص المعلوماتية في المدرسة كانت فرصة للفراغ أو لعب كرة القدم. "وما حاجتي للكومبيوتر مادام كل شيء موجود في الموبايل.."، يقول.
لا يتحدث بمصطلحات تقنية غير أنه يظهر عارفاً بخفايا التسويق وأساليبه، فالوقت كفيل بتراكم مخزونه من الخبرة على حد تعبيره.
لم أستطع إخفاء إعجابي بذكائه وفطنته لتفاصيل هوايته رغم أنه لم يتجاوز الصف التاسع في الدراسة.
باع زيدان 6 صفحات من أصل تلك التي أنشأها، لم يصنع ثروةً من هذا الاستثمار غير أن ما حققه في حينها كان كافياً لإعانته بعض الشيء في تكاليف الحياة.
الطريف في الحكاية أن زيدان تأثر بالأزمة التي تعصف بلبنان اليوم، "لا بيع ولا شراء.."، يقولها بحسرة، الوضع المعيشي صار صعباً للغاية ولذا قرر إرسال زوجته وابنتيه للعيش في سورية حيث يخطط لبناء منزله الخاص في القرية التي ستحتضنه حين عودته التي لا بد منها في يوم قد يكون قريباً ربما.
سينظر البعض للقصة بوصفها مثالاً على "سطوة التفاهة" في منصات التواصل الإجتماعي، وقد يعتبرها آخرون تأكيداً لسطحية التعاطي مع التكنولوجيا، غير أن للصورة وجهٌ أخر أكثر بساطة، وجهُ شابٍ استطاع بإمكانيات متواضعة للغاية خلق صلة وصلٍ مع مئات آلاف البشر دون مغادرة غرفته الصغيرة في مدخل البناء.
هدفٌ قد تعجز عنه مؤسسات إعلامية كبرى وظفت لهذا عشرات المختصين بالتسويق والنشر.
لسنا هنا بوارد محاكمة المضمون أو سرد سلبيات الحال التي وصلت لها منصات التواصل الإجتماعي، هي مجرد لمحة بسيطة وإشارة لقصة شاب فهم اللعبة وأتقن أدواتها بالفطرة، كلمة سره التي فكت الشيفرة فيها.. لغة الناس.

...

30 أبريل   .  7 دقائق قراءة

  5
  6
 0