
من منزل مَيْ وسهى نعيمة في الزّلقا وَالَّذِي انتقل إلى المطيلب
28 فبراير .
3 دقائق قراءة .
690
كلّما ارتسمت أمام ناظِرَيَّ لوحة انتقال ميخائيل نعيمة إلى "ما وراء الأفق الذّهبيّ"، كما سمّاه جبران، أراني أُردِّدُ مع الكبير طلال حيدر:
"وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان
وحدهن بيقطفوا وراق الزمان
بِسكروا الغابِة"
وناسك الشّخروب يستطيع أن يملأ غابةً كاملةً. غابةٌ تسَعُهُ وحده. من غير اللّائقِ للحياة أن تمتصَّ روحَ نعيمة بعيدًا عن شخروبه. كان يجدر لهذه الرُّوح المَلْحَميّة أن تُحمَلَ على أَكُفِّ جِنِيّاتِ الشّجرِ المُلَوَّنة وأن تأخذَ بيدها حورِيّاتُ النّسيمِ المُشبعة بزخّاتِ بَرَدٍ من صنّين وبنفنفاتِِ صمتٍ من وادي الجماجم. كان ينبغي لروح ميخائيل أن "تقطع الغابِة" وأصابع قدمَيها بالكادِ تلمس وسائد الجُلولِ المخمليّة. لكنْ ما يُعزّيني أنَّ حضن سهى ومَيْ كان كافيًا لهذا الانتقال ودفءُ رعايتهما قد لفَّ روح ميخائيل بمعطفٍ سميكٍ من الصّوفِ يقيها بردَ الغابةِ المغطّاةِ بالثّلوج.
وأُكمل الرّندحة مع طلال حيدر:
"وحدن بيبقوا متل هالغيم العتيق
وحدهن وجوهن و عتم الطريق"
لم يكن طلب ميخائيل نعيمة سيجارةً، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، محاولةً عبثيّةً أو مجرّد أمنية أخيرة. ميخائيل لا يفعل هذا. أشعَلَتْ له مَيْ آخر سيجارةٍ في الدقيقة الرّابعة عشرة بعد العاشِرةِ مساءً وهو مُستلقٍ على كنبةِ غرفة الجلوس فصعدَت روحه مع دخان السيجارةِ في الدقيقة العشرين بعد العاشرة لتتحوَّل هذه الرُّوح إلى غيمة. غيمة عتيقة باقية رغم أنف الزّمن ورغم جدعِ الفيزياءِ وقوانينها.
هل تفضَّلتْ علينا الحياة بإبقاء ميخائيل نعيمة على قيدها تسعة وتسعين عامًا ونيف؟ أم تسخر منّا وتمدّ لنا لسانها شامتَةً لأنّها لم تسمح له بإكمال عامه المئة؟ أقول لكِ، أيّتها الحياة: لو أَتَيْتِنا بألفِ ميخائيل نعيمة في كلّ عقدٍ من عقودك، لن يكفينا. لو خلقتِ كلّ يومٍ ميخائيلًا جديدًا لن يكفينا. ميخائيل نعيمة يوازيكِ في وجودكِ وكلّما توالدْتِ توالَدَ، وكلّما تجدَّدتِ تجدَّدَ حتّى ينفث هذا الكون دخانَ آخر سيجارةٍ له.
في ذكرى وفاةِ مردادنا.
أنهيت القراءة

