Mohamed Khassif

ليست من اختراع النقاد

انساق القيمون على الفن في البلاد العربية كعادتهم، كل حسب ميوله وتعاطفه ورؤاه وفلسفته، وبدون أي نظرة نقدية موضوعية، فاتحين صدورهم لأي شيء صادفته أعينهم، معتبرين إياه فنا معاصرا، معتقدين أنهم حققوا التحول من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. ويجب التأكيد هنا على أن هذا التحول لم يكن في الغرب اعتباطيا ولا ظرفيا عابرا، بل له ما يبرره تاريخيا وأنطولوجيا. ولم يكن الفصل بين الحداثة والمعاصرة من اختراع "نقاد مأجورين"، كما اعتقد فاروق يوسف صاحب كتاب (الفن في متاهة – الفن العربي بين المتحف والسوق وإملاءات الفنون المعاصرة). فقد صرح بأن "هناك فاصلة اخترعها نقاد مأجورون بين ما هو حديث وما هو معاصر. فالحداثة من وجهة نظرهم (أي النقاد المأجورون)، تنتمي إلى ماضي الفن أما المعاصرة فهي تمثل ما يمكن الاحتفاء به انطلاقا من درجة القطيعة التي ينجزها مع تاريخ ذلك الفن. غير أن ما تتستر عليه تلك النظريات الهشة من أوهام يفضحه وجود فنانين معاصرين يعنيهم أن يمتزجوا بتاريخ الفن من حيث كونه إطارا جامعا لهويتهم. أذكر هنا على سبيل المثال ليس إلا الأميركيتين كيكي سميث(1*) وسيندي شيرمان(2*) والهندي كابور*3)) والبرازيلي أرنستو نيتو (4*). هناك العشرات من الفنانين لا تتعارض معاصرتهم مع مزاج كلاسيكي يحمل في جوهره رسالة الجمال الثابتة على مر العصور. فالجمال باعتباره نبوءة لا يكتسب قيمته من خلال نفاق شعبوي هو في حقيقته مقدمة لدعاية استهلاكية أشبه بالفقاعة. لغة الفن لا تقع في المفردات المطلية بلمعان زائف، بل في الجمل التي تقول الحقيقة. وهذا يعني أنه لن يكون هناك معنى للمعاصرة ما لم يكن الفن وفيا لأصوله الضاربة بجذورها عميقا. المعاصرة كذبة ما لم يكن حملتها والدعاة إليها حرصاء على المحافظة على قوة الفن."(1)

...

29 ديسمبر   .  9 دقائق قراءة

  3
  4
 0

24 مايو   .  8 دقائق قراءة

  5
  5
 0

 مع بداية القرن العشرين، عرفت باريس جوا فنيا مترعا بالحيوية والنشاط. كانت المدينة مسرحًا لنشاط أعظم الفنانين الحداثيين.  باستثناء الانطباعية، فقد شهدت المدينة وفرة من المدارس والنظريات الجمالية المؤثرة في الفن الحديث، بدءا من الألوان الأكثر حيوية (الوحشية، التعبيرية بصيغة فرنسية) إلى التشكيلي الطلائعي (التكعيبية، البنائية)، بالإضافة إلى الأنماط الأكثر تجزئة للفن المعاصر.  كان الرسامون ما بعد الانطباعيين مثل فان خوخ وغوغان وسورا وسيزان يعتبرون قادة الفن الطليعي. وكانت تجاربهم الجماعية في تطبيق الطلاء والموضوع والخط التعبيري واللون النقي بمثابة تطورات غذت ظهور الوحشية، مستوحية جماليتها من الرمزية، التي تؤكد على الرؤية الداخلية للفنان (كان العديد من فناني الوحشية، بما في ذلك هنري ماتيس وألبرت ماركيه وجورج رواول، من طلاب الفنان الرمزي غوستاف مورو، وقد أعجبوا بتركيز الفنان الأكبر سنًا على التعبير الشخصي)، ووعى فنانوها قيمة إعادة تقييم النحت الأفريقي باعتباره فنًا وليس فضولًا أنثروبولوجيًا. وهكذا، أثبتت الوحشية أنها مقدمة مهمة للتكعيبية والتعبيرية بالإضافة إلى محك لأنماط التجريد المستقبلية. إذ آنذاك، شهدت صالونات باريس معارض استرجاعية للفنانين فان خوخ (1901) برواق Bernheim-Jeune. خلال المعرض سيتعرف ماتيس على فلامينك بواسطة دوران. وفي عام 1906، يستضيف صالون الخريف أحد المعارض الرئيسية الأولى لبول غوغان بعد وفاته، الرسام الرمزي ومخترع Synthetism. كان لهذا الحدث تأثير كبير على الطليعة الفرنسية. 

كانت وفاة سيزان المفاجئة في عام 1906 بمثابة صدمة كبيرة. في العام التالي، احتضن صالون الخريف (1907) معرضا استعاديا رئيسيا لفنه. أثبت المعرض (بالإضافة إلى معرض سابق في رواق Bernheim-Jeune) أن سيزان معلم ومصدر إلهام للعديد من الرسامين من الجيل الجديد. تضمن العرض أكثر من خمسين لوحة، بما في ذلك (Les Grandes Baigneuses) التي ألهمت أشكالها الصلبة وهيكلها المعماري لاحقًا التكعيبية التحليلية لبيكاسو وبراك.

...

05 أبريل   .  9 دقائق قراءة

  6
  2
 0