خروفي الذي يثغو

01 يناير  .   3 دقائق قراءة  .    720

Photo by Tomáš Malík on Unsplash

 مـاااا، مـاااا، مـاااا… ويتصاعد الثغاء متدرِّجاً حتى يصير النغم صريراً ويصير الصوت زعيقاً حيث يتعذَّر العلوّ أكثر... ثم يخيِّم صمت مرعب... وبعد ثوان، يستعيد الثغاء إيقاعه.
 
كان بين هذا الخروف وبيني تواصل ضمني. صوته كان المعبِّر عني، مستغيثاً، صارخاً حتى يحطم الجدران، مستنهضاً قدرتي للفكاك من أسري. لكأني كنت أفتح عيني وفمي على اتساعها، مطلقاً عقيرتي إلى أقصى حد لكي تصدح بالصوت، لكن دون جدوى. وأتحرك، وأدور محبَطةً، غاضبةً، بلا كلل. ويواصل صديقي الخروف الثغاء.
 انظروا إليه، وقد رُبِط إلى مكانه بحبل قصير. جامداً في مكانه، يحلم بالحياة، بالمراعي، بالنداوة، بنور الصباح يطفر جذلاً خلف تلك الصخرة المركوزة بجمال على التلة في القرية الأم. لكن جدران زنزانته الباردة، نصف المملَّطة، نصف المحطمة، انتزعته من سرحانه الحانِن. إذ ليس لنصف برميل صدئ وُضِع قرب فمه لكي يشرب أن يروي ظمأه.
 تراها أين هي مياه أنهار موطنه الصافية الجارية المؤتلقة بنور الشمس والمقفَّاة على ضحكات الحياة؟ ماااا ويمتزج صراخه المرتفع بالدموع، بالشوق وبالحنين.
 ويستعيد ذكرى ذلك اليوم حين كان يلعق الماء من النبع، وكيف التقت شفتاه مصادفة بشفتي محبوبته. ما زال انعكاس صورتهما على صفحة الماء نضراً في ذاكرته.


 ماااا ثغاء يمزق النفس.
 ماااا أكثر الأصوات التي سمعتها تمرداً.
 ماااا يوقظني صباحاً، عند الرابعة. يرافقني حتى أغادر منزلي إلى العمل، يتصادى في نفسى طوال النهار، ويدسُّني في فراشي حين أعود إلى ملاذي في المساء طالبةً السلام.
 يذكرني ثغاء صديقي بأبيات ألفرد لورد تينيسون:
 هكذا يعدو حلمي: لكن ما تراني أكون؟
 طفلاً يبكي في الليل؛
 طفلاً يبكي طالباً النور؛
 ولا لغة له غير البكاء.
 
أية لغة أخرى ينطق بها المرء وهو مقيَّد بالأجسام والحدود؟
في الـ 25 من كانون الأول، أغرق صمت جليدي جسمي وجمّد روحي: لم تعد هناك نداءات في الصباح ولا تهويدات في الأماسي، لا تمرد، ولا حنين، ولا نزاع. لقد أُسكِت صديقي، فتوقفت عن التحليل، وعن التفتيش. أنا أثغو الآن. لكن ثغائي مختلف. ليس فيه غضب ولا إحباط ولا هوى. إنه متقطع وخافت لا هدف له. ماااا…
 
لقد اختفى صديقي الخروف. في ذلك الطور ذي الأبعاد المجهولة، أتساءل هل تراه صديقي انعتق من ظلال "الآن" التي تكبِّل، ومن أصفاد الأوهام الزمنية التي تشلّ؟ هل صار يعرف فعلاً، أم تراه ما زال مخدوعاً، أعمى، غارقاً في الألاعيب الماكرة للـ"مكان والزمان"؟ أتراها توجد حقائق حيث صديقي الخروف؟ هل تحرر من الولادات والميتات الدوَّارة؟ هل التحق بحقول ذات أفق وجمالات بكر؟ ماااا... 


ترجمة ديمتري أفرينوس


 
  0
  4
 0
مواضيع مشابهة

17 مارس  .  2 دقيقة قراءة

  1
  2
 0

04 فبراير  .  4 دقائق قراءة

  7
  5
 0

22 فبراير  .  2 دقيقة قراءة

  1
  3
 1

25 يونيو  .  2 دقيقة قراءة

  0
  4
 0

08 يناير  .  7 دقائق قراءة

  5
  2
 4
X
يرجى كتابة التعليق قبل الإرسال